الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار
البيت العراقي المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة

تحولات العالس والمعلوس..!!

 

كريم كطافة

العالس والمعلوس والعلس، لغةً، كل ما له علاقة بالأكل. كان يقال: ما عَلِستُ وما عَلِسَ، بمعنى لم نُطعم شيئاً لا أنا ولا هو. ثم تتحرك دلالة المعنى قليلاً، لتشير إلى الرجل المعلوس بمعنى المجرب والناقة المعلوسة بمعنى المذكرة. هذا كل ما جاء في باب العَلِس، في قواميس وصحاح السلف المعلوس (المجرب). إذن، كيف تسللت هذه المفردة الفقيرة الدلالات، من صحاح الأسلاف، لتدخل القرن الواحد والعشرين، وتحول حياة العراقيين إلى جحيم دنيوي، أين منه جحيم النصوص المقدسة..!!؟
أين فلان..؟ خطية أنعَلسَ..!! وما رأيك بفلان..؟ علاس..!! ويا شيخنا أو يامولانا أن حالنا مزري، ما العمل، كيف نرد على القوم الكافرين..؟ ابحثوا لكم من بينهم عن علاسة -جمع علاس-..!!
قد يظن البعض من رهط اللغويين، أني أهذي. أعرف أن هؤلاء يتطيرون من المفردة الشعبية، كما يتطير العربي والمسلم من مفردة مؤامرة. مفردتنا هذه يا سادتي حالها حال كثير من المفردات، قد سقطت من عليائها القاموسي البعيد إلى حضيض اللهجة العراقية. وهي بسقوطها، قد فقدت الكثير من ملامحها القديمة ومعه شبكة علاقاتها. لتنسج لها ولنا ملامح جديدة وشبكة علاقات جديدة. لم تعد للمفردة علاقة بكل عمليات الأكل والشرب ولا بالرجال المجربين أو النوق المذكرة (هل حقاً هناك ناقة مذكرة..!!؟). لقد دخلت في صميم نشاط إنساني ذو تاريخ قديم، قدم صراعات الإنسان مع نفسه، ذلك هو النشاط الاستخباراتي. ومن الآن فصاعداً على المترجمين أن لا يترجموا المفردات الأجنبية، الدالة على النشاط الاستخباراتي إلا بالعَلِس ولا شيء غير العَلِس، لأن مفردة استخبارات أو استطلاع تبدوان مقارنة بالعَلِس، مفردات على غاية الرقي والأناقة، بما لا ينسجم مع كل هذا الشر الناضح من وسط العلاسة.
كان لنا في العراق حزباً قومياً للعلس الوطني، اسمه (حزب البعث العربي الاشتراكي)، وكانت له إنجازات هائلة في مجال عمله. لقد أتى على الحرث والنسل، حتى كاد أن يمح طوائف وأقوام وقبائل ومدن من ذاكرة المجتمع. وكان لذلك الحزب، فروع وشعب ومنظمات منتشرة في كل شارع وزقاق وفي كل بيت تقريباً. وكانت عمليات العَلِس هي البرنامج والنظام الداخلي للحزب. الابن يعلس أباه وهذا يعلس ابنه وهما يعلسان جارهم وهذا يعلس جاره البعيد والكل يعلس بالكل. حتى جعل المواطن يؤمن بمقولة: إن لم تكن علاساً علستك الكلاب.. والبعثي الجيد هو العلاس الجيد..!!
ولما أنعلس هذا الحزب بعملية علس خارجي، انتشرت جيناته الوراثية في الآفاق، لتدخل لاحقاً في تركيب المنظمات والجمعيات والأحزاب والفضائيات الجديدة.صاروا يمارسون الدين والسياسة في العلن وفي الخفاء العَلِس. حتى تحول المواطن إلى معلوس في الشارع والبيت والجامع والمؤسسة والمدرسة والسيارة وفوق السطح.. والمعلوس مفقود.. والكل يصيح الدين الدين يا محمد..!!
لقد علسوا كل المفردات والمفاهيم الجديدة الوافدة إلينا من الخارج. صارت الديمقراطية وانتخاباتها تعني؛ امتلاك وزارتي الداخلية والدفاع والحرية تعني حريتي في مسح الأرض بك وبالذين خلفوك واقتصاد السوق قد دخل آفاق جديدة على صعيد الآليات والقوانين، مع احتفاظه بآلية العرض والطلب بالطبع. قديماً كان العلاس يدخل دورات وعليه انضباط، وكان قطاع عام، الآن جرت عملية خصخصته. بإمكانك أن تكون علاساً في ظرف ثلاثة أيام لا غير. لتختار من العمل ما يناسبك، علاسة بالمفرد بعلس فرد من عائلة أو علاسة بالجملة (شلع) بعلس كل أو جل العائلة. منهم من يتقاض أجره (كاش) ومنهم من يحوله على أرصدته السرية في الآخرة. كما ترون، أخذ السوق يتحرك مع تحرك المفردة، ليحرك معه قوانين العمل كذلك.. بعض جماعات العلاسة تفرض على العلاس أن يقسم بالقرآن على صحة معلوماته حتى ينعلس الهدف.. بينما مع جماعات أخرى، لا يتم العلس قبل أن يقسم اثنان من العلاسة بأحد الأئمة زائداً القرآن.. لكن في حالات الطوارئ وهي كثيرة على أية حال، ينعلس المعلوس بدون قسم أو بطيخ.. أما اللصوص ومن لف لفهم، فهؤلاء ما زالوا يعملون خارج قوانين السوق، هاجسهم الوحيد من العلس هو توفر المال في جيب الضحية.