الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار
البيت العراقي المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة

وطنية حزب..!

 

باقر الفضلي

قد يبدو من الملفت للنظر أن يتحدث المرء عن مناسبة للذكرى أعتاد حزب من ألأحزاب أن يحييها كل عام، بالعنوان أعلاه. ولكن لما لهذا العنوان من مدلولات ذات مغزى، في ظل ظروف العراق ألأستثنائية الحالية، دفعنا الى تناول مناسبة أحتفال الحزب الشيوعي العراقي بذكرى تأسيسه الثانية والسبعين بمثل هذه الخصوصية..!
أن (الوطنية) صفة أقترنت بأظهار مشاعر ألألتصاق بالوطن، بمختلف ألأشكال التي تعبر عن هذا ألألتصاق، وفي مختلف الظروف التي توجب أبداء هذه المشاعر وتأكيد حقيقتها. أن مشاعر ألألتصاق بالوطن، وما يعبر عنها أصطلاحا ب(الوطنية) أو (حب الوطن) أو ألأخلاص لمصالحه والدفاع عن حياضه، حتى درجة ألأستشهاد في سبيل ذلك.. أنما هي بدهية من البدهيات المسلم بها بالنسبة لأي مواطن يعلن أنتمائه للوطن، ويمتلك مشاعر (الوطنية)، وهي بالنسبة للمواطن العادي "ارادة باطنة" مفترضة ..!

أما (الوطنية) بالنسبة لأي كتلة أو حزب سياسي أو حركة جماهيرية أو تنظيم أجتماعي، فلها سماتها الخاصة التي تميزها عن (وطنية) المواطن العادي، فهي مشاعر معبر عنها وفق "أرادة ظاهرة" تنعكس في برامجها وأهدافها وفي سياساتها المعلنة وأنظمتها الداخلية، وعلاقاتها وممارساتها الفعلية..! فهي مفترضة من خلال "ألأرادة الباطنة " لمنتسبيها كأعضاء أو كمناصرين، ومشترطة من خلال " ألأرادة الظاهرة" لها كمنظمات أوأحزاب.! وبمعنى آخر؛ أنها -الوطنية- تعبير عن التطابق التام بين "ألأرادة الظاهرة" و "ألأرادة الباطنة"، المعبر عنهما في الولاء المشترك ل(الوطن) من كلا الطرفين..!

وكأحزاب ومنظمات، تتداخل سمة (الوطنية) مع نضالها من أجل (السلطة)، حيث يفترض أن حيازة السلطة لا يمكنه أن يكون غاية بحد ذاتها، بقدر ما هو وسيلة لتحقيق مشاريع وسياسات وأهداف تلك ألأحزاب والمنظمات السياسية، التي يفترض أنها مؤسسة كليا على أساس مبدأ (الوطنية) بمعناه العام والخاص..! فأي تعارض في ذلك، سيحول النضال من أجل السلطة الى مجرد هدف بذاته وتصبح (السلطة) مجرد غاية لتحقيق أهداف حزبية ضيقة، مآلها التخندق في قلاع السلطة، وقمع القوى وألأحزاب ألأخرى التي تعارضها، بحيث يتحول مفهوم (الوطنية) الى مفهوم مختزل مبتسر، يعني فقط، مصلحة ذلك الحزب أو الكتلة التي وضعت يدها على السلطة. وهنا يمكن القول بأن مثل هذا الحزب قد يفقد معنى وجوده كحزب (وطني) بالمعنى الذي أشرنا اليه في أعلاه، أذ تتحول (السلطة) بيده الى أداة قمع خالصة، ويختزل مفهوم ( الوطن) لديه الى مفهوم (وطنه) و(الشعب) الى(شعبه)، وبهذه الطريقة يكتسب نظام الحكم تدريجيا سمة النظام الدكتاتوري، هذا أذا ما أستثنينا حالات ألأنقلابات العسكرية، و تبادل السلطة الذي يجري عبر وسائل غير ديمقراطية..!!

أن ألأنتماء للوطن وحده، لا يمثل دائما مقياسا دقيقا لوطنية أي حزب سياسي، رغم التسميات المختلفة لذلك الحزب، وتصبح (الوطنية) حالة نسبية تختلف حسب المكان والزمان وألأتجاه، تحكمها تكتيكات التحالفات والمساومات التي يقدم عليها خلال نشاطاته السياسية. فهناك العديد من ألأحزاب السياسية من يحمل تسميات وعناوين ترتبط شكليا بتسمية الوطن والوطنية، ولكنها على صعيد الممارسة العملية، لاتمت بصلة الى جوهر وماهية هذا المفهوم، بل وفي بعض ألأحيان، قد تحيد كليا عنه، رغم أنتمائها الوطني..! وتظل الممارسة العملية عند التطبيق هي المقياس المعول عليه في تحديد مدى مصداقية هذا الحزب أو ذاك، فيما يتعلق بولاءه الوطني، قبل أي ولاء آخر..! ولا نغالي أذا قلنا بأن هذا الولاء أنما يتجسد باديء ذي بدأ، في الحفاظ على سيادة البلاد، وصيانة وحدة تراب الوطن، والحفاظ على وحدة نسيجه ألأجتماعي، ووحدة مكوناته ألأقتصادية. كل ذلك مقرونا بتوفر نهج سياسي ديمقراطي يهدف الى تحقيق ألأمن والسلم ألأجتماعي، ويعمل من أجل تحسين ألأحوال ألأجتماعية ألأقتصادية لكافة المواطنين، وضمان تمتعهم بحقوقهم السياسية والنقابية والثقافية، وفي مقدمتها حقوقهم القومية، والدينية..!
أن وطنية أي حزب سياسي لا تعني بالضرورة ما يعتنقه هذا الحزب من عقيدة أو نظرية فلسفية- أقتصادية، بقدر ما يحمله في مضامين مشروعه أومنهجه السياسي من قراءة صحيحة لواقع المجتمع الذي يعيش في كنفه، وما تعكسه هذه القراءة من شعارات ملموسة ، وغير هلامية أو طوباوية، تلبي الحاجة الموضوعية لأفراد هذا المجتمع في مكانها وزمانها المعينين؛ شعارات ذات طبيعة عامة تتعلق بمسائل جوهرية تخص عامة أفراد المجتمع، وأخرى ذات طابع خاص تتعلق بألأشكاليات المختلفة على كافة ألأصعدة ومختلف الطبقات والفئات ألأجتماعية..!

ما يميز الحزب الشيوعي العراقي في أطار هذه اللوحة، هو أساسه البنائي وقاعدته التأسيسية، التي منحته هذا التميز عن غيره من ألأحزاب والمنظمات السياسية العراقية المختلفة، وأعطته سمة التواصل والديمومة على صعيد العمل الوطني السياسي، وأكسبته هذه السمعة الشعبية العالية، وألأحترام الكبيرين على النطاق الوطني وألأقليمي والعالمي..!
لقد بنيت قاعدته التأسيسية على اساس مبدأ، كان غاية في البساطة وسهولة على الفهم من قبل جميع أبناء الشعب العراقي؛ من النخب المثقفة وأعالي القوم حتى الى أبسط المواطنين من العمال وصغار الكسبة والتجار والفلاحين..! مبدأ كان في شكله وجوهره يعبر عن تطلعات المجتمع العراقي بمختلف مكوناته، في ذلك الوقت، حينما كان العراق يرزح تحت وطأة النفوذ البريطاني وأستغلال الشركات ألأحتكارية. مبدأ تمثل فيه كل ما يعنيه مفهوم (الوطنية) الحقة من معنى ألولاء للوطن، كأساس ثابت لمسيرته اللاحقة عبر أثنين وسبعين عاما من النضال الوطني.! ولعل تسميته كحزب سياسي عند تأسيسه بأسم (مكافحة ألأستعمار وألأستثمار) يعكس حقيقة تشبثه بمبدأ (الوطنية) كمرشد ودليل في نشاطه السياسي عبر هذه العقود الطويلة من السنين..!
أنه ورغم تغيير أسم الحزب الى تسمية (الحزب الشيوعي العراقي) فيما بعد، ورغم ما يقال عن مدلولات هذه التسمية ألآن، فأن نظرة وفهم الجماهير العراقية ظلت نفسها كما كانت عليه عند وما بعد تأسيسه، ولا يخامرها شك بوطنية هذا الحزب وأخلاصه في الكفاح من أجل الوطن والشعب..!
ومن بدهيات ذلك التصور ، أن غالبية أعضاء الحزب ومناصريه وأصدقائه، كانوا من عامة الشعب ومن مختلف طوائفه وطبقاته، من مختلف القوميات ألأثنية، ومن مختلف ألأديان والمذاهب.. لقد كان فسيفساء حقيقية لكافة مكونات الشعب العراقي..! مما وضعه في مقدمة القوى السياسية العراقية المناضلة من أجل أستقلال الوطن وحرية الشعب..!
وهذه الحقيقة قد أدركتها ألأمبراطورية البريطانية وتوابعها من الحكام العراقيين وألأقطاعيين، حيث وجدت فيه تهديدا خطيرا لمصالحها في العراق وفي المنطقة العربية، بسبب التأييد الواسع لمشروعه الوطني والزخم الكبير لأنصاره ومؤيديه..! الذي عكسته وثبة كانون الثاني/1948 التي عصفت بخطط ألأنكليز وعملائهم، بألغاء معاهدة (بورتسموث) وأسقاط وزارة (صالح جبر)..! وهذا ما دفع بريطانيا والنظام الملكي الى ألأنتقام من الحزب؛ بشن حملة بربرية أرهابية ضد أعضائه وأنصاره، توجتها بأعدام مؤسس الحزب الشهيد (يوسف سلمان يوسف-فهد) ورفاقه من قادة الحزب، الشهداء (حسين محمد الشبيبي و محمد زكي بسيم) في شباط/1949..!
أن جميع من سقط من شهداء الحزب خلال هذه العقود السبعة، من قادته وفي مقدمتهم الشهيد (سلام عادل) ومن أعضاءه وأنصاره، من مختلف مكونات الشعب العراقي، أنما يعطي البرهان والدليل القاطع على وطنية الحزب الشيوعي العراقي، ويؤكد أن بناء هذا الحزب قد شيد على أساس مبدأ الولاء للوطن ليس غير، وأن جماهيريته التي أكتسبها عبر هذه العقود من السنين، أنما تحققت طبقا لهذا المبدأ..! وبسببه سقط شهيدا ألألوف من أبناء الوطن الغالي..!
أن وطنية هذا الحزب العريق بالنضال الوطني، والتي كرستها كلمات مؤسسه الشهيد (يوسف سلمان-فهد) في المحكمة، حيث قال: " لقد كنت وطنيا قبل أن أكون شيوعيا وعندما اصبحت شيوعيا شعرت بمسؤولية اكبر اتجاه وطني..!" أنما هي من الثوابت التأريخية التي لا يمكن المساس بأصالتها، وهذا ما نحن واثقين منه، رغم تعقد الأمور وتشابك ألأولويات في ظروف العراق الحالية، والصعوبات التي تواجهها قيادته ومنظماته وأنصاره وجماهيره..!
مجدا لوطنية الحزب الشيوعي العراقي في ذكرى تأسيسه، وأكبارا لنضالاته الوطنية في سبيل أرساء قواعد الديمقراطية، ودعما لجهوده في أنهاء ألأحتلال وصيانة الأستقلال، والحفاظ على الوحدة الوطنية..!