الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار
البيت العراقي المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة

قراءة في" التوظيف السياسي للفكر الديني"   

د. علي إبراهيم

         هذا الكراس للباحث هادي محمود وهو من منشورات طريق الشعب، مطبعة الرواد المزدهرة بغداد وضم مقدمة وخمسة بحوث و مقالات.
        في المقدمة تطرق الكاتب إلى المشتركات اللاتي تربطن جميع الموضوعات من الناحية المنهجية والفكرية. مشيرا إلى مشروع الإسلام السياسي الذي يسعى إلى أسلمة الدولة والمجتمع وهو من جهة أخرى يرفض" النظرة العدمية للتراث" ومن ضمنه  الظاهرة الدينية.
      مقاله الأول " من اجل فهم متجدد للظاهرة الدينية في مجتمعاتنا" يدعو فيه الباحث إلى" الفهم الديالكاتيكي ، المتجدد لمقولات ماركس" التي تعرضت للتشويه والتبسيط ليس فقط من أعداء الماركسية بل حتى من قبل " حملة هذا الفكر" الذين تعاملوا " مع فكر ماركس كنصوص مقدسة" وكان بودي إن يرفع الكاتب كاف التشبيه لان هؤلاء اتخذوها نصوصا مقدسة فعلا.وبالتالي اضروا بالماركسية فكرا وممارسة وكان ينبغي كما يرى الكاتب "التعامل مع فكر ماركس كمنهج معرفي وفهم عام لقوانين التطور الاجتماعي" وهنا أيضا ادعوا إلى رفع كاف التشبيه واشدد على الفهم العميق وليس العام لهذه القوانين ، التي أكد واقع تطور المجتمعات والطبيعة والإنسان صحتها ، وزكتها العلوم في مجالات عديدة . وأعتقد أن تطبيق المنهج الماركسي في المجال الاجتماعي يتطلب مزيدا من المرونة لمحاولة  فهمه والتعامل معه متلازما مع فهم الواقع الذي يظهر مختلفا وفق درجة تطوره الاقتصادي من بلد إلى آخر ، وأظن أن أخطاء الحركة الشيوعية وبخاصة الأحزاب التي استلمت سلطة وحاولت تطبيق النظرية بشكل حرفي هي التي أضرت بهذا الفكر وانسحب ضررها على عموم الحركة.
      وتناول الكاتب بالتحليل مقولة ماركس " الدين أفيون الشعوب " تلك التي اتخذت ذريعة لمحاربة الحركة الشيوعية منذ نشأتها حتى يومنا هذا ،  بخاصة فصائلها المناضلة في الدول ذات الأكثرية الإسلامية ، ليس فقط فكريا بل حللت هدر دم الشيوعيين  ، مما أدى إلى ارتكاب جرائم كبيرة ، ولا زال نهر الدم جار والغريب أن الذين يمارسون القتل لم يقرؤوا حرفا مما كتبه ماركس أو غيره من المفكرين والفلاسفة الماديين ،  بل أن غالبيتهم ليسوا من المتدينين , إنما  هم ممن يمارسون كل الموبقات التي أنهى عنها الإسلام.
     من جهة أخرى ينتقد الكاتب أولئك الماركسيين الذين يبتعدون عن خوض النقاش حول هذه المسألة لسببين الأول: بقاء النص مقدسا، والثاني مراعاة للمقدسات. وأرى أن السببين واهيان إذ لا يوجد في الفكر العلمي الديالكتيكي مقدسا ، فالأفكار بشرية وقابلة للتغيير إذا أثبت الواقع خطلها . وموقف الأحزاب الشيوعية في بلدان الإسلامية واضح من الدين واحترامه للمقدسات، وهذه ليست مجاملة بل انطلاقا من إيمان هذه الأحزاب بالرأي الآخر واحترام عقائد الناس وشعائرهم الدينية، وإمكانية إيجاد مشتركات كثيرة تجمع الاتجاهات المختلفة في مراحل معينة من التاريخ.
      يعود الكاتب للنص الأصلي الذي أورده ماركس في كتابه : ( مقدمة لنقد فلسفة الحق أو القانون عند هيجل ) وليس النص المجتزأ والمشوه حيث يقول ماركس :
" إن العذاب الديني هو التعبير عن العذاب الفعلي، وهو في الوقت ذاته احتجاج على هذا العذاب الفعلي. فالدين هو زفرة المخلوق المضطهد ، وهو بمثابة القلب في عالم بلا قلب . والروح في أوضاع خلت من الروح ، إنه أفيون الشعب " .ويحلل الكاتب هذه المقولة تحليلا منهجيا علميا متوصلا إلى أن ماركس كان يعني بعبارته هذه أن الدين يوفر " عزاء نفسيا وروحيا للإنسان في مجتمع الاستغلال الرأسمالي في الحقبة التي كتب فيها النص " دون أن ينفي عن ماركس نظرته المادية للعالم. ويذكر لنا أسباب التشويه وتحريف هذه العبارة أو تفسيرها بشكل خاطئ ، وتوظيفها في محاربة الفكر الماركسي ، وقبل كل شيء أن هؤلاء لا ينطلقون من فكرة الدفاع عن الدين بل أن الأسباب الجوهرية ، إنما هي الدفاع عن مصالح الطغاة والمستغلين ، لأن الفكر الماركسي تبنى  أفكارا تقف ضد جوهر الاستغلال ومنها :
1-               إن الصراع الطبقي هو محرك للتاريخ،
2-                وإن الماركسية هي أداة للنضال الوطني والطبقي
3-               وإن الاشتراكية وقيمها النبيلة بديل للرأسمالية وشرورها.
      من جهة أخرى تناول الكاتب مواقف الماركسيين  الذين وقفوا " بوجه المحاولات الرامية  إلى إعادة قراءة الماركسية وفق منهج تجديدي هو منهج ماركس نفسه " وهم بذلك يلتقون مع الإسلام السياسي في قراءته الخاطئة للماركسية .
     يقارن الكاتب بين توظيف المتشددين والمتطرفين الإسرائيليين "لنصوص العهدين القديم والجديد لتبرير دوام احتلال فلسطين " وبين المتطرفين الإسلاميين الذين "يستخدمون آيات القرآن لتبرير حز الرقاب  وتفخيخ البشر والقتل العشوائي من أجل السلطة ".
     ويذكر الكاتب أن ماركس وقف ضد ( سلطة الكنيسة ) عندما كانت تأمر بحرق المتنورين أمثال:  ( جوردانو بردنو ، غاليلو ، وديكارت ، سبينوزا ، بيكون ، هوبز ) ويصل الكاتب إلى استنتاج مهم هو أن العداء للكنيسة والفكر الديني لم يكن نتاج الفكر الاشتراكي " بل أن العديد من المفكرين المعادين للفكر الديني ليسوا من المؤمنين بالمادية الدياليكتيكية أو المادية التاريخية" .
        ويجيب الكاتب على أسئلة ملايين المواطنين الذين اختلطت عليهم الأمور بسبب الفوضى الفكرية السائدة والتي تزداد تعقيدا بتعدد مصادر التثقيف ( إذاعات ، فضائيات ، صحف ، مساجد ، ندوات ) وكلها تنطلق من خلفيات فكرية واتجاهات سياسية متعددة . ولعل مصطلح (الإرهاب ) كان أكثر المفاهيم التي دار حولها الجدل. وقد حاول الكاتب أن يجد تعريفا وتحديدا لهذا المفهوم. وفي هذا الاتجاه أجاب الباحث عن سؤالين هما غاية في الأهمية الأول: هل لمفهوم الإرهاب تأسيس تاريخي في فكر شعوب المنطقة العربية – الإسلامية ؟ والثاني: هل يمكن تقييم الممارسات التاريخية لقرون مضت وفق القيم والمعايير الحالية ؟ وأثناء إجابته أكد على حقيقة هي أن التعنت الديني موجود إلى جانب التسامح الديني، وكلا الطرفين يجد ضالته في النصوص الدينية المقدسة، إذا ما أخذ النص معزولا عن سياقه التاريخي. وأكد أيضا أن دعاة صدام الحضارات، يتجاهلون النصوص المرنة السمحة ويتجاهلون الجوانب الإيجابية المشرقة في الحضارة الإسلامية ومساهمتها في الحضارة الإنسانية. ويعرض آراء الإسلاميين المتنورين الذين وجدوا في الإسلام الإباحة والحرية الكاملة في اختيار العقيدة ، وعدم وجود دعوات أساسية في الإسلام لإلغاء الآخر واستخدام العنف والإرهاب . ودعم استنتاجاته هذه بآيات من القرآن الكريم .
       وفرّق الباحث بين (الإرهاب وجهاد الدفاع " الدفاع عن الوطن " ) إذ يرى أن مفهوم جهاد الدفاع هو : " حق المقاومة المشروعة في حالة تعرض الوطن إلى الغزو " لكنه لا يحصر هذا الأسلوب بالقتال فقط بل يمكن تنفيذه بطرق أخرى تتناسب مع ظروف البلد وهو ليس " الأسلوب الأوحد " ويشير إلى الشروط المعروفة واختلاف الفقهاء حولها  ، ومنها ما يتعلق بصاحب القرار المخول شرعا في إعلان الجهاد ويفرق الباحث بين هذا المنحى وبين القتل العشوائي للآمنين من الناس رجالا ونساء وأطفالا إضافة إلى قتل أبناء الوطن من الشرطة والجيش الوطني عن طريق السيارات المفخخة أو الأعمال الانتحارية التي تدخل في خانة الإرهاب وتبقي على المحتل .
ويخرج البحث بعدة استنتاجات أهمها هو: " أن الأساس الذي ينبغي أن تتعامل به السلطة والقوى السياسية في مجتمعاتنا الإسلامية، في علاقاتها مع بعضها ومع الغير هو عدم وضع الإسلام في تناقض مع حرية الفكر والاعتقاد ".
         وبحث الكاتب موضوعه (إشكالية الأنا والآخر في  القضية الطائفية ) عن الهوية العراقية . ويستعرض المزاعم التي تدعي وحدة العلاقة الداخلية للطائفية ، ويرى أن الدولة إذا لم تخلق توازنا من خلال حمايتها ورعايتها لكل الطوائف يأخذ الفرد جانب الطائفة أي عندما تبنى الدولة على أساس القسر لا على أساس ديمقراطي , ومن الخطأ أن تنسب الدكتاتورية إلى طائفة أو إلى قومية حتى وإن تحدثت باسمها ويعتقد الكاتب أنها تلجأ إلى هذا الأسلوب لأنه سلاحها في إذكاء النعرات الطائفية . ويدعو الكاتب إلى الاعتراف بأن القيم والنصوص الدينية ذات طابع معرفي مشاع للجميع ومهمة المخلصين هو نبذ تكفير الآخر ، ويفرق الكاتب بين الوجود الطائفي والوحدة الطائفية ، ويتوصل إلى استنتاج مفاده أن الوحدة المزعومة تلغي "المفهوم العلائقي والنقدي والتركيبي للهوية ، ويعزز ما ذهب إليه بتجارب محلية وإقليمية حدثت فيها صراعات في الطائفة الواحدة والدين الواحد والقومية الواحدة وكانت بين أحزاب تتنازع على النفوذ والسلطة وكل يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة . ويتوصل الكاتب إلى مجموعة من الاستنتاجات المهمة وهي:
1-تقسيم البلد بين طوائف وقوميات وأديان متناحرة ومتناقضة تجعلنا أمام خيارين أما التناحر والاصطدام بين هذه المكونات أو التقسيم الطائفي للسلطة.
2- إن ثنائية الأنا والآخر تتطلب الفصل بين الفكر واحتكار الحقيقة .
3- الإشكالات الأساسية المطروحة في العراق هي إشكالات الهويات المحلية وعلاقتها بالهوية الوطنية العراقية .
4- إن البعض من رجال الدين والمرجعيات الفقهية والمثقفين والسياسيين ممن يعتبرون أنفسهم حماة للهويات المذهبية والطائفية وفي إطار ولائهم الأساسي لتلك الخصوصية يكرسون الانقسامات والخلافات.
 وينتهي الكاتب إلى أن العراق في منعطف تاريخي وعليه أن يختار إما الحل الطائفي والذي سوف يؤدي إلى الخلاف والفرقة . و" الوحدة " على أساسه ستكون ملغومة قابلة للتفجير وإما أن يختار الحل الديمقراطي الذي يضمن الخصوصية الطائفية لكل طائفة على قدر المساواة والتكافؤ أي بإمكان أنشاء مؤسسات اتحادية ناجحة وفعالة .  
وختم كراسه ببحث تناول فيه " الخلفية التاريخية لمفهوم مشروعية السلطة في الإسلام " وهو عنوان البحث ويبدأه بحقيقة تشكل المحور  الأساسي لهذه الدراسة ولخصها بٍسطر واحد : " لقد انبثقت مشكلة الخلافة في المجتمع الإسلامي بوفاة الرسول الذي لم يترك للمسلمين نظرية حكم " ثم يتحدث عن الانقسامات التي حدث بعد ذلك ابتداء من المهاجرين والأنصار ومروا بعصر الخلفاء الراشدين الذي لم يشهد هدوءا ومر بمخاضات وصراعات أودت بحياة  ثلاثة من الخلفاء الراشدين  وما صاحب الدولة الأموية من عقبات وحروب داخلية أدت إلى انهيارها وهي في أوج عظمتها وانتهاء بكل الأنظمة " الإسلامية " التي أعقبت ذلك . وحاول الباحث يعطي مفهوما محددا لنظرية الخلافة في مذاهب السنة ونظرية الإمامة في مذاهب الشيعة، وعرج على مصطلح الإمارة والتي تعني الخلافة أو الإمامة العظمى أو تخص ناحية من شئون الدولة مثل أمارة الجيش. لقد استقى الباحث معلوماته التاريخية من مراجع مهمة مثل مقدمة ابن خلدون، الملل والنحل ، تاريخ الخلفاء ، شرح نهج البلاغة ، تاريخ الطبري ، نشأت الشيعة والتشيع ، الأحكام السلطانية والولايات الدينية  للما وردي ، وغيرها من المراجع التي تعكس حرص الباحث على الدقة والعلمية العالية من أجل إظهار الحقيقة الموضوعية كاملة وبتجرد.
       هذا العرض السريع لا يمكنه إلا أن يعطي صورة أو فكرة مقتضبة عن هذا المطبوع الذي لا يمكن لأي قارئ يبحث عن أسباب ما يجري في بلدنا العزيز من مآسي يومية الاستغناء عن قراءته بجدية ليساهم في عملية الفهم وإفهام الآخرين من أجل درء الكوارث المتواصلة لكي تتوجه كل الطاقات إلى العمل ، وكفانا تخريبا ودمارا وجهلا وتخلفا وقتلا ، وآن لنا أن نبني ونعمر ونستريح ...