الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار
البيت العراقي المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة

 

72 عاماً على تأسيس الحزب الشيوعي العراقي

[ حزب العراقيين بكل أطيافهم ]

 عادل حبه

يحتفل الشيوعيون العراقيون وأنصارهم في الحادي والثلاثين من آذار 2006 بالذكرى الثانية والسبعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، الحزب السياسي الاقدم من بين الاحزاب السياسية العاملة الآن في العراق. ويعد الحزب الشيوعي أحد أعمدة العمل السياسي والتنويري في مجتمعنا والذي كتب عنه مجلدات ضخمة داخلية و أقليمية وعالمية تتراوح بين الانصاف والواقعية والأكاديمية وبين الشتائم والسباب والتحريض وتسويد صفحة هذه الحركة السياسية التي تعد واحدة من أبرز التراث السياسي للعراقيين بغض النظر عن موقفهم أزائه. كان هناك من قام بدراسة أكاديمية لهذه الحركة السياسية، ولعل أبرزهم الباحث الكبير المرحوم حنا بطاطو البروفيسور في الجامعة الامريكية في بيروت الذي عرض خصوصيات الحزب الشيوعي العراقي وميزاته وسلبياته ونجاحاته وإخفاقاته. ولكن هناك بالطبع سيل من المؤلفات، قل فصول من الشتائم والأكاذيب والاضاليل التي انطلت حتى على البعض من ذوي النية الحسنة، والتي تفتقر الى الحرفية والدقة العلمية والامانة الاكاديمية في البحث والتي لا تهدف الا الى أمر وحيد هو كبح أي بصيص أو منطلق تنويري في المجتمع العراقي وتكفير الشيوعيين العراقيين والتمهيد لحملة سفك دمائهم وإستباحتهم وهذا ما حدث في مجازر معروفة منذ شباط عام 1949 ومروراً بشباط عام 1963 وما زال قائماً لحد الآن.

ولكن دعونا نلقي نظرة على التاريخ المثير للجدل لهذه الحركة السياسية ضمن رؤية راهنة تتعلق بما يعانيه العراق من كوارث ومخاطر في الوقت الراهن. وهنا أود التركيز بالدرجة الاولى على جوانب إيجابية ضرورية فحسب، دون تقديم دراسة عن السلبيات والاخطاء التي أرتكبها الحزب، وبالارتباط بما يعاني منه العراقيون من عنف خطير وتشظي في المجتمع وتناحر قد يصل الى حالة الحرب الاهلية والبربرية التي تطغي على عقلية البعض من العراقيين ومن يدفعهم من خارج الحدود. فالحزب الشيوعي هو بحق حزب العراقيين، حيث لا نجد مثيلاً له في تركيبته وأطيافه عبر كل التاريخ المعاصر لوادي الرافدين. فالحزب إحتضن في صفوفه العربي والكوردي والفيلي والتركماني والآشوري والكلداني وكل الاقوام القاطنة في العراق. كما ان هذا الحزب هو الحزب الوحيد الذي ضم المسلم بكل طوائفه والمسيحي بكل مذاهبه واليهودي واليزيدي والمندائي والشبك. وغالباً ما احتضنت منظماته مواطنين عراقيين من كل هذه الاطياف مما ساعده على إتخاذ القرار المناسب دون التعدي على حقوق الآخرين بل المحافظة عليها. إن هذا التنوع في الحزب ساعد ويساعد، خاصة في هذه الفترة العصيبة التي نحن أحوج به الى إحترام هذا التنوع، أقول ساعد على تعريف العراقيين ببعضهم وأضفى قدراً كبيراً من الغنى الثقافي والتسامح في العلاقات بينهم. لقد تسنى للقارئ العراقي على سبيل المثال التعرف على ما هو جديد في الخصوصيات الأثنية والمذهبية والطائفية للعراقيين حتى في صحف الحزب الشيوعي العراقي السرية ذات الصفحات الصغيرة المعدودة، وهي ظاهرة ينبغي أن نأخذ بها الآن خاصة في ظل انتشار حمى الاحزاب الطائفية والمناطقية والقومية والعشائرية الطاغية في المجتمع الآن والعزف على هذا النغم وجعله المطلق في علاقات العراقيين. اننا لنجد في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، خلافاً لتشكيلة غالبية الاحزاب الأخرى، أعضاء ينحدرون من كل زوايا العراق، من عانة وراوة في أقصى الغرب الى مندلي وجصان في اقصى الشرق ومن زاخو وأربيل في اقصى الشمال مروراً بالموصل وتكريت حتى بغداد والنجف والبصرة في أقصى الجنوب. هذا المنحى كان له دور كبير في المساعي لتشكيل مقومات الهوية العراقية وروح المواطنة حيث أخذ أعضاء الحزب وأنصاره ينظرون الى العراق وإزدهاره وتقدمه نظرة واحدة بعيداً عن الانانية والتعصب المذهبي والقومي والمناطقي والعشائري وكل ما يؤدي الى تشظي المجتمع العراقي ويتجاهل جوهر التناقضات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العراقي. فالتخلف والظلامية والاستبداد وكبح التنوير والتطور لا يتكرس الا في ظل مثل هذا التشظي المذهبي والقومي والعشائري. فالمبالغة في الاختلاف في هذا الجانب على حساب وحدة العراقيين هو ما نعاني منه الآن والذي يقود الى أنفلات العنف والارهاب والمجازر البشعة.

وهناك جانب آخر في مسيرة الحزب الشيوعي العراقي وله مغزى كبير في الظرف الراهن هو موقف الحزب من الايمان والمعتقدات المذهبية. هذا الموقف الذي إتسم بالاحترام والدعوة للتسامح والتعايش بين المذاهب وعدم زج هذه المعتقدات الروحية والوجدانية في متاهات مضاربات "سوق" النشاط السياسي كما هو حاصل الآن. إن أكبر إساءة توجه للدين هو إستغلاله كواجهة للعمل السياسي والصراعات السياسة الذي قد يؤدي الى تناحرات خطرة يصعب السيطرة عليها وهو ما نشهده في الزمن الحالي البالغ الخطورة. كما عمل الحزب بجدية ضد من يحاول تحويل المعتقد الديني الى مجموعة من الخرافات والجهل والممارسات العنفية التي تسئ الى تراثنا الديني ورموزه وملاحمه بهدف فرض قيم التجهيل والاستبداد والتكفير وثقافة قطع الاعناق وضرب الهامات بالقامات واللطم والبكائيات وتسويد الجباه التي لا علاقة لها بالايمان الديني. لقد حاولت التيارات الاستبدادية والظلامية التشكيك في دعوات الحزب لإحترام المعتقدات الدينية وبثوا الافتراءات تلو الافتراءات ضد الشيوعيين العراقيين في محاولة لتصوير الشيوعيين وكأنهم أعداء للايمان والمعتقدات الدينية متجاهلين كون العديد من رجال الدين الافاضل ساهموا الى جانب الحزب الشيوعي في نضاله الوطني والاجتماعي ومنهم الشيخ عبد الكريم الماشطة والطيب الذكر الشيخ محمد الشبيبي والد الشهيد حسين الشبيبي وشيوخ افاضل آخرون. وهكذا جرى تزوير الحقائق خاصة بعد ثورة تموز عام 1958 وروجوا لاكذوبة حرق القرآن أو رمي "القضاة" في النهر على يد الشيوعيين وما شاكلها من هذه الخزعبلات. إلا أنهم لم يعثروا على أية بينة تسعف أحلامهم الشريرة لإقامة المزيد من "مراسيم" سفك دماء الشيوعيين العراقيين وأنصارهم والقوى الديمقراطية. وما زالت فلول هذه الزمر وأنصار حكم صدام المنهار لحد الآن تردد هذه الافتراءات لتروج مثل هذا الزيف وتغتال الشيوعيين وتحرق مقراتهم تماماً كما حدث بعد ثورة 14 تموز لإشاعة الفوضى والبلبلة في المجتمع وإزاحة تلك القوى المستنيرة التي تحترم بحق المعتقدات الدينية بإعتبارها حق ديمقراطي للفرد وليس إكراه أو فرض.

وبغض النظر عن حالات من القصور أو الخطا أحياناً في التعامل مع تيار التنوير والثقافة والعلم العراقي، الا أن الشواهد التاريخية تشير الى أن الحزب الشيوعي دعم هذا التيار بشكل لم يستطع أي تيار سياسي عراقي القيام به. ان الظروف التي تمتع فيها الحزب بقدر من الثبات والاستقرار في نشاطه، سواء أكان هذا النشاط علنيا أو سريا، فقد إقترنت بنهوض ملحوظ في النشاط الثقافي والابداعي في عموم البلاد. أما فترات الردة والاستبداد وغياب الحزب لاسباب تتعلق بطغيان آلة القمع ضده، فقد رافقه إرتداد واضح في حركة التنوير وسيادة ثقافة رجعية عادت بالبلاد الى عهود مظلمة. ولعل أبرز مثل على ذلك ما شاب الثقافة والفنون من أنحطاط وما لحق بالمثقفين والمبدعين من إضطهاد وتصفيات في ظل نظام البعث في عهديه ونشهد ذيوله الى الآن. ولذا وليس من باب الصدفة ان يرتبط بالحزب الشيوعي العراقي أو يمر به أو يكون على صلة قريبة منه أعلام الثقافة والفن والعلم في بلادنا خلال فترة تزيد على نصف قرن. فالشخصية الوطنية البارزة الحاج جعفر ابو التمن كان على صلة وثيقة مع مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد)، كما ان شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وعبدالله كوران ومظفر النواب ويوسف الصائغ والروائي ذوالنون ايوب وغائب طعمة فرمان والفنان اللامع جواد سليم والفنان التشكيلي محمود صبري والمسرحي يوسف العاني و زينب وناهدة الرماح والعشرات من أعلام الفن والثقافة في بلادنا ممن كانوا على صلة قريبة بالحزب أو أعضاء عاملين فيه. وبرزت كفاءات إعلامية بارزة في الصحافة العراقية والشيوعية ومنهم عبد الرحيم شريف وعامر عبدالله وعبد الجبار وهبي وعدنان البراك وعزيز الحاج وشمران الياسري والعشرات غيرهم. وكان للعلماء والمربين العراقيين دورهم ايضاً في دعم الحزب والمساهمة في الحركة التنويرية ويقف على رأسهم عالم العراق البارز البروفيسورعبد الجبار عبدالله والدكتور إبراهيم كبة والعشرات والمئات من رسل العلم والتربية والبحث والتنوير في بلادنا. وساهم الفنانون الشيوعيون في تقديم نماذج رفيعة من الغناء والشعر الغنائي والاوبريت على يد مبدعين قمعوا من قبل اجهزة القمع الابداعي كالشاعر الغنائي عريان السيد خلف والفنان فؤاد سالم وجعفر حسن وحميد البصري وكوكب حمزة وسامي كمال وكمال السيد وآخرون من الذين أرسوا بحق مدرسة غنائية رفيعة لم يتسن لها الاستمرار بسبب الملاحقات، وحل محلهم رجال "الطقطوقات" المبتذلة وهز "الكتف" التي تحرك مشاعر رخيصة وتنمي ذوقاً متدنياً لدى الجمهور. إن مجرد إهتمام قادة الحزب كالشهيد حسين الشبيبي بالادب والشهيد سلام عادل بالفن التشكيلي والمسرحي والتشكيليين العراقيين وعلاقة الشهيد جمال الحيدري بالتراث الثقافي والابداعي للكورد يعبر عن نماذج متواضعة مما أرساه الحزب من تقاليد في الحفاظ على ما أبدعه العراقيون من فن وثقافة. ومن المهم الاشارة هنا ان توجه الحزب الى غرف الثقافة والرجوع الى التاريخ الثقافي الانساني قد إجتذب الضباط الشيوعيين العراقيين الذين إنفردوا بين أقرانهم الضباط العراقيين بالمستوى الثقافي والمعرفي والمهني الرفيع والنزاهة كالشهيد جلال الاوقاتي قائد القوة الجوية والشهيد ماجد محمد أمين والشهيد فاضل المهداوي ووصفي طاهر وخضر الدوري والعديد من الشهداء العسكريين الشيوعيين والديمقراطيين في القوات المسلحة العراقية.

واذا كان هناك ما ينبغي التأكيد عليه من حسنات الحزب الشيوعي العراقي فهو موقفه من المرأة وحقوقها. وكان الحزب قد دعم بقوة دعوات رموز التنوير في بلادنا من أمثال الشاعر جميل صدقي الزهاوي ومحمد مهدي الجواهري وآية الله النائيني والكثير من الشخصيات الديمقراطية العراقية التي ناصرت المرأة العراقية من أجل حقوقها وهي التي تشكل أكثر من نصف مجتمعنا. وليس من باب الصدفة أن "تقتحم" الشيوعيات العراقيات لأول مرة في تاريخ المرأة العراقية زنزانات السجون السياسية في العهد الملكي وأمتلأت زنزانات عهد 8شباط الاسود بخيرة ممثلي النساء العراقيات ومنهن من تعرضن للموت أو الاغتصاب المشين. "واحتكرت" السجينات الشيوعيات زنزانات عهود الطغيان لغاية عام 1970 عندما لحقن بهن سجينات من أحزاب التيار الديني ليقاسمهن المعاناة ثم يتعرضن مع سجينات التيار القومي الكردي الى بشاعات يندى لها الجبين وتصفيات لم تشهدها أنظمة الطغيان في العالم مما تشكل وصمة عار على جبين من مارسوا هذه الجرائم. وأزاء ذلك تم إختيار الشيوعية الدكتورة نزيهة الدليمي كأول وزيرة في العراق والعالم العربي في عام 1959 كإعتراف بدور المرأة العراقية والمرأة الشيوعية في النضال من أجل سعادة شعبها. ان البعض من أنصار الظلامية وأعداء الديمقراطية يريدون الآن تصفية كل المكاسب التي حققتها المرأة العراقية بنفس ذرائع إنقلابيي شباط 1963 وأحياء لتراثهم البغيض تحت ستار من التعاويذ الدينية المزيفة ويسعون الى تطويق المرأة، وهي التي تشكل أكثر من نصف المجتمع العراقي، وفرض الحجر والجهل والظلام عليها وبالنتيجة على أبنائها وبناتها بنفس الحجج.

ولا ينبغي ان يغيب عن بالنا تلك الحملات المضللة التي أطلقتها أبواق أدعياء القومية والتي نالت من سياسة الحزب على النطاق القومي حيث أُتهم الحزب بالتنكر للاماني القومية للعرب أو مناهضته لوحدتهم وتنكره لحق الشعب الفلسطيني وفي ظل إتهمات وتخريفات كالشعوبية واللاقومية. ان الشواهد التاريخية للحزب ترد بحسم على هذه الدعوات الرخيصة. فالحزب الشيوعي العراقي كان أول من دعى الى تشكيل كونفدرالية للشعوب العربية في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي تحت إسم "إتحاد الدول العربية" بإعتباره الحل الممكن لتوحيد العرب في كيان سياسي واحد. وعارض الحزب دعوات الوحدة الاندماجية بإعتبارها دعوات معادية للديمقراطية ولا تستند الى مقومات الديمومة والتي دشنت أول تجاربها في نحر الديمقراطية الوليدة في سوريا وتبعها إقامة أنماط من الوحدة لأنظمة إستبدادية راحت جميعها في مهب الريح وزرعت الفرقة والاحباط لدى الشعوب العربية. وتحول أنصار هذه الوحدة الاندماجية الى أشد أعداء أي تقارب مهما كان بسيطاً بين العرب وأبرز مثال على ذلك حزب البعث العراقي . أما موقف الحزب الشيوعي من قضايا أشقائه العرب فكان سجله الانصع بين الحركات السياسية في بلادنا. لقد بادر الشيوعيون العراقيون اليهود الى تشكيل منظمة "عصبة مكافحة الصهيونية" وأصدرت جريدتها "العصبة" خمسة أعداد والتي أغلقتها الحكومة العراقية عام 1947. وكان هدف المنظمة مناصرة الشعب الفلسطيني وإدانة طرد الفلسطينيين من وطنهم بذرائع وحجج دينية وعنصرية وصهيونية متطرفة ورفعت شعار"الصهيونية عدوة العرب واليهود". كما وقفت المنظمة ضد دعوات ترحيل اليهود العراقيين الى فلسطين والتي أطلقتها المنظمات الفاشية الصهيونية والحكومة العراقية والاحزاب القومية العراقية التي وقفت على مستو واحد لتغذي الاستيطان اليهودي في فلسطين وعلى حساب الشعب الفلسطيني . كما فضحت المنظمة أفعال المتطرفين والتكفيريين اليهود القادمين عبر الحدود والذين راحوا يزرعون العبوات الناسفة في المراكز اليهودية لحمل اليهود العراقيين على الهجرة وهم الذين رفضوها منذ البداية. ان تشكيل هذه المنظمة الفريدة والتي ليس لها مثيل في العالم ليدل على مدى إلتزام الشيوعيون العراقيون وبضمنهم العراقيون اليهود بحق الشعب الفلسطيني على أرضه. وتثبت الاحداث الراهنة ومعاناة الشعب الفلسطيني الحالية صحة ما طرحه الحزب من القبول بالتقسيم لوقف الزحف العارم للمتطرفين الصهاينة كخطوة لاعادة الحق للفلسطينيين على أرضهم . كما تثبت الاحداث المريرة التي مرت على الفلسطينيين خطل دعوات التطرف غير الواقعية للتيار القومي حول الحصول على الكل وعدم القبول بما هو متيسر ضمن توازن القوى اقليميا وعالميا آنذاك. وفي الاضراب العام الذي شمل بغداد والمظاهرات التي عمت العاصمة بمناسبة التضامن مع الشعب الجزائري في صيف عام 1956 إثر إختطاف القادة الجزائريين من قبل سلطات الاستعمار الفرنسي لم يخرج في المظاهرات الا الشيوعيون الذي تعرضوا للاعتقال والتعذيب، ومنهم كاتب السطور، في شارع الامين في بغداد بعد ان رفعوا الاعلام الجزائرية كتعبير عن التضامن مع الشعب الجزائري. ولم تزدحم السجون العراقية الا بالشيوعيين العراقيين في خريف عام 1956 عندما قاد الحزب التظاهرات والعصيان المدني في بعض المدن العراقية كتعبير عن التضامن مع الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي الفرنسي الانجليزي الاسرائيلي على مصر. في تلك الاحداث الكبيرة غصت السجون بالشيوعيين العراقيين فقط واعدم الشيوعيين العراقيين فقط في مدينة الحي، وهما عطا الدباس ومهدي الحمود، بسبب قيادتهما للعصيان الشعبي تضامناً مع الشعب المصري. ان إدعاء حزب البعث بالشهيد ناجي نعمة السماوي الذي إستشهد في الاحداث هو إدعاء كاذب حيث كان الشهيد عضواً في إتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية الموالي للحزب وخرج في مظاهرات نظمها الحزب وليس له أدنى علاقة بالبعث.

ولم يتردد الحزب في الدفاع عن حقوق الاقوام العراقية فبادر لاول مرة في الثلاثينيات من القرن الماضي الى طرح شعار حق تقرير المصير للكورد. وكان السباق بعد ان أندلعت الاشتباكات المسلحة بين الحكومة المركزية والحزب الديمقراطي الكردستاني الى عرض دراسة علمية للمشكلة القومية ورفع لاول مرة شعار "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان العراق" والذي جرى تبنيه لاحقاً من قبل القيادة القومية الكوردية، دون ان تقدم أي من الاحزاب العراقية الاخرى أي مشروع بذلك سوى أكتفاء البعض بإدانة مطاليب الكورد بتهم تتراوح بين العمالة للصهيونية أو الاجانب. وطور الحزب شعاره حول القضية الكوردية ليطرح قبل غيره في بداية التسعينيات من القرن الماضي شعار آخر هو "الفدرالية العراقية" كحل ينسجم مع التطورات التي طرأت على القضية القومية. هذا الشعار الذي تبنته غالبية القوى السياسية العراقية ودون في الدستور الدائم للعراق أخيراً.

لقد كان الحزب الشيوعي العراقي الاكثر شفافية من بين الاحزاب العراقية أمام المواطن العراقي . فعلى الرغم من أن عمل غالبية سنواته التي تجاوزت السبعة عقود كانت في ظروف السرية الشاقة، الا انه كان في غالب الاحيان حريصاً على مصارحة الشعب العراقي. وكان الحزب الشيوعي العراقي هو العراقي الوحيد الذي اقر نقداً ذاتياً لاخطاء او ممارسات إرتكبها خلافاً لقواعد العمل السياسي السليم. فقد نشر نقداً صريحاً في عام 1956 وعام 1959 وعام 1970 وعام 1985 حول سياسات وتقديرات أضرت بالعمل السياسي العراقي وجلبت عواقب على البلاد وعلى الحزب نفسه بالدرجة الاولى . إننا لم نشهد ممارسة مماثلة لاحزاب عراقية تحملت مسؤولية الكوارث، كحزب البعث، أو مهدت للكوارث أو تركت الساحة السياسية خالية ليعبث بها من هب ودب أو صمتت على جرائم كبيرة أُرتكبت أو نفذت "فتاوى" تدعو للقتل والابادة خلافاً للقوانين المدنية. ولم تصدر هذه التيارات السياسية أية إشارة نقدية للذات. ان غالبية الاحزاب العراقية، بإستثاء قلة، لا تطبق القواعد الديمقراطية في حياتها الداخلية بحيث ان غالبية هذه الاحزاب لا تعرف المؤتمرات الحزبية ولا إنتخاب الهيئات القيادية. وبعد إنهيار كابوس نظام القبور الجماعية، تحولت حتى بعض المؤسسات شبه الحكومية، مثل دائرة الاوقاف السنية والشيعية ومنظمات خيرية أخرى، الى أحزاب سياسية تدخل معترك النشاط الانتخابي وترفع صور وبوسترات مديري هذه المؤسسات. والغريب في واقعنا العراقي ان بعض الاحزاب تحولت الى أحزاب"عائلية" على شاكلة حزب صدام حسين، حيث لا يتربع على قيادتها الا أفراد العائلة "النوابغ" وليس غيرهم من أعضاء الحزب. هذا في الوقت الذي نرى انه قد توالت على قيادة الحزب الشيوعي كل عناصر الطيف العراقي بعيداً عن صفة العائلة أو القوم أو المذهب أو القدرة المالية أو المهارة في إستخدام السلاح والسيارات المفخخة والعنف وهو ما يجري الآن في عراقنا المنكوب. لقد أعلن الحزب الشيوعي العراقي صراحة تقيده بقرار الجمعية الوطنية بحل الميليشيات الحزبية المسلحة بعد ان رحل الطغيان الصدامي. ولكن كما يبدو فإنه أصبح الحزب الوحيد الذي طبق القرار إحتراماً لقرار المؤسسات المنتخبة وللدولة التي عليها تقع مسؤولية حفظ الامن. فإلى جانب عصابات الاجرام من فلول النظام البائد والتكفريين العراقيين والاجانب فهناك سرايا وجيوش وفيالق وميليشيات في كل أصقاع العراق تقود بعضها أحزاب مشاركة في العملية السياسية وفي الحكم بعيداً عن سيطرة الدولة المركزية لها الاكاديميات العسكرية والمعاهد وترسل افرادها للتدريب خارج الحدود وبدعم من جهات خارجية. وقد زادت هذه المظاهر في ظل حكومتنا الانتقالية. لقد سرت أمراض النظام السابق الى بعض هذه الاحزاب المتنفذة. وهذا هو أحد أسباب الفوضى وشيوع العنف والارهاب في البلاد.

ان محك هام لشفافية الحزب وصدق تعامله وصراحته مع المواطن العراقي يتحدد في الملف المالي. إننا لو نظرنا الى ما نهبه قادة البعث من أموال الدولة العراقية والتي هربت الى دول الجوار أو نقلت الى البنوك العالمية ونرى الترف الذي يعيشه البعثيون المتنفذون في الخارج وقد "إنهارت دولتهم" لادركنا حجم الانحطاط السياسي والاخلاقي ونهب المال العام في بلدنا. هذا الانحطاط الذي أنتقل الى بعض الحركات السياسية بحيث أصبحت هي التي تتبرع بالاموال لمرافق الدولة وليس العكس !!. ومما يروج لهذه المأساة هو إنعدام أي قانون للاحزاب السياسية يراقب رصيدها المالي ومصادر تمويلها. ان جميع كوادر الحزب الشيوعي العراقي، والبعض منهم من كان له حال في دنيانا الفانية، لا يملكون دوراً خاصة بهم ولا رصيد مالي ولا قصور ولا شركات أو توظيفات هنا وهناك. ان جميع قادة الحزب وكوادره مكشوفون أمام المواطن العراقي ولا حاجة هناك لمن يؤكد نزاهتهم. ولعل أصدق تعبير عن ذلك هو ما جرى في يوم التاسع من نيسان عام 2003 عندما خرج صنفان من الناس الى الشارع، الحواسم والحرامية الذي نهبوا الدولة وما فيها وآخر يستبشر بالمنعطف الجديد ويعبر عن فرحته برحيل الطاغية كما هو حال الشيوعي أبوتحسين الذي ظهر على شاشات التلفزيون وهو يضرب بنعاله صورة الطاغية إنتقاماً من شرور النظام. في حين ظهرت وفي نفس اللقطة التلفزيونية صور الحرامية وهم يسرقون المال العام. وعندما سأل مراسل إحدى القنوات الفضائية لاحقاً العزيز أبوتحسين حول السبب في عدم المشاركة في النهب والسطو؟ فأجاب أبو تحسين : إنني أخاف أن اُطرد واُعاقب من قبل الحزب على هذه الفعلة النكراء فنحن لم نتربى على هذه الاخلاقيات والافعال المشينة.

انني في هذه المقالة لم أقصد الدعاية للحزب الشيوعي العراقي الذي يحتفل بعيده الثاني والسبعين، فالانتخابات قد تمت وبإنتظار أربعة سنوات أخرى لكي تجري الانتخابات القادمة وتبدأ الدعاية لهذا الحزب او ذاك. ولا كنت أريد ان أعدد مناقب الشيوعيين وتجاهل أخطائهم. ان كل همي وانا اُراقب ما يجري على أرض السواد هو المقارنة بين نهجين لكي نصل الى قدر من الاستقرار والنزاهة في العمل السياسي . كما إنني أود هنا الاشارة الى ان حزباً، وهو الوحيد في العراق، تعرض قادته مرتين الى حبال المشنقة وزنزانات التصفيات الجسدية في عام ، 1949 ، فهد ورفاقه، وعام 1963، سلام عادل والآلاف من رفاقه، هو قادر ولديه الفرصة الآن وان لا يتردد في إختيارها لصالح كل العراقيين ولكي يسهم في إضفاء قدر من السلامة والعقلنة على العمل السياسي الديمقراطي العراقي بشرط ان ندرك بدقة ما جرى ويجري من تحولات في عالم اليوم. كما أقترح على الحزب السير بخطوات ثابتة على طريق الاصلاح والتحديث الذي بدأه وبعيداً عن أدلجة السياسة والنصوص الدوغمائية لكي يعود الحزب الى موقع أكثر فاعلية ويستجمع قواه في إدارة العملية الديمقراطية الوليدة في بلاد الرافدين ويساهم في إعادة البسمة من جديد على وجوه أطفالنا وأحبتنا العراقيين.