الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار
البيت العراقي المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة

حكاية احتفال في ذكرى تاسيس الحزب تحت غيوم الخردل
 


يوسف أبو الفوز

يوم16 آذار 1988 ، يوم دخل التاريخ . دخل وصمة عار في تاريخ النظام الديكتاتوري المقبور ، وفكره العفلقي الشوفيني . ذلك اليوم ، وبتحد سافر لكل الأعراف والمواثيق الدولية والأخلاق الإنسانية ، أرسل النظام الديكتاتوري المقبور ، طيور شره الحديدية لتخترق سماء مدينة حلبجة الكردية الوادعة ، لتنثر غيوم الموت ، ولتمطر السماء سموم الخردل والسيانيد وليكون حصيلة ذلك موت حوالي خمسة آلاف مواطن واصابة سبعة آلاف آخرين ، والغالبية كانت من الأطفال والشيوخ والنساء . بين شهداء المدينة كان العديد من مناضلي الحزب الشيوعي العراقي ، وفي ضواحي مدينة حلبجة الشهيدة ظلت العديد من عوائل الشهداء تدور تبحث بين الجثث عن ذويها ، ويتشبث بعضهم بأمل ان يكون ابنائهم من الناجين .

الكادر الشيوعي ، علي فتاح درويش ، والمعروف بأسم " اسطة علي " ( مواليد 1936 ) ، واثناء قصف المدينة ، ورغم كونه كان موجودا في مكان امن نسبيا ، رفض مغادرة المدينة ، قبل ان يطمأن على رفاقه وعوائلهم في مركز المدينة. كانت طائرات الموت تحوم في سماء حلبجة ، والقصف مستمر حين ترك اطفاله في ملجأ امن في طرف المدينة ، بعيدين عن مركز القصف ، وقرر الذهاب لانجاز مهامه الحزبية . قبل المغادرة وعند باب الملجأ توقف قليلا ، عاد وشد على كتفي ابنته الكبرى بقوة ، وقال لها :
ــ اذا لم اعد اهتمي بأخوتك !
ذهب ولم يعد. ابنته الكبرى ، شادمان علي فتاح ( مواليد 1970 ) ، وبعد ان بحثت وتأكدت من استشهاد والدها ، تحزمت بكبريائها ، واخفت دموعها عن اقرب الناس اليها ، خاصة اخوتها الذين صارت مسؤولة عنهم ، وواصلت حياتها بأصرار. ورغم كل الحزن والدمار وشبح الموت الذي يحيط بالمدينة الشهيدة ، الا ان الثقة بالمستقبل لم تغادر قلوب الشيوعيين الاحياء وابنائهم ، الذين بقوا في المدينة واطرافها . وهاهو يوم 31 اذار يقترب . انه يوم تأسيس الحزب الشيوعي العراقي ، الذي عرفت مدينة حلبجة جيدا نضاله وبطولة انصاره ومناضليه ، ولطالما شهدت المدينة مظاهر احتفالية عديدة بمناسبة حلوله. حفلات تقيمها بعض العوائل مجتمعة ، منشورات توزع ليلا ، واحيانا وبتحد في وضح النهار. عوائل الشيوعيين واصدقائهم يرتدون اجمل الملابس ، ويغالي الشباب منهم فيرتدون ملابس باللون الاحمر ، والانصار في الجبال القريبة يزورون المدينة للقيام بفعاليات سياسية وعسكرية في تحد لقوات النظام الديكتاتوري ومرتزقته الجحوش. تلك الايام ، والحزن يخيم على المدينة ، قررت الشيوعيتان شادمان علي فتاح ، ابنة الشهيد علي فتاح ، وزيان ابراهيم محمود ( مواليد 1966) ابنة النصير الشيوعي في الجبل ، قررتا ان يقمن احتفالا بعيد الحزب الشيوعي العراقي ، وان كان عدد المدعوين محدودا . ربما بدا الامر غريبا ، واشبه بالبطر لدى البعض : كيف يمكن اقامة احتفال تحت غيوم الخردل ، وفي تلك الاجواء ؟ لكن الرفيقة زيان ابراهيم محمود قالت لنا :
ـ كنا ايامها بدون صلة بالتنظيم الحزبي ، كنا مقطوعين ، ولا نعرف اخبار الحزب في بقية المدن وفي مواقع الانصار في الجبل ، ولكننا اعتبرنا انفسنا الحزب ، وكان علينا ان نقول لانفسنا وللاخرين من حولنا ان الحزب باق ومستمر ، ومن هنا جاءت فكرة الاحتفال ، وصار يعني بالنسبة لنا شيئا كبيرا .
وتحكي زيان ابراهيم محمود وشادمان علي فتاح ، كيف ان مجموعة الشباب ، الذين وجدوا انفسهم بدون صلة حزبية تلك الايام ، ولكنهم يعيشون على مقربة من بعضهم البعض ، واذ كانوا يتوقعون عودة قوات النظام الديكتاتوري الى المدينة ، كانوا مشغولين بتفتيش بيوت الشيوعيين والاصدقاء ويبحثون عن وثائق ما ، اضطروا لتركها او نسيانها قبل ترك المدينة ، وكيف انهم وبحكم معرفتهم باساليب العوائل الشيوعية في اخفاء الوثائق ، عثروا على وثائق فأحرقوها ، ونقلوا كميات من الكتب واخفوها في اماكن امنة .
كانت بقايا غيوم الخردل لا تزال تحوم حول المدينة ، وكانت روائح الموت في كل مكان ، فجثث شهداء المدينة لم تدفن كلها بعد . ليلة 31 اذار ، اجتمع حوالي عشرة من الشباب ، ما بين شاب وشابة. كان الحزن يتكسر في ثنايا الروح ، وخيوط الدمع في العيون ، لكن القلوب كانت عامرة بالثقة بالمستقبل وبالحزب . في غرفة من احد البيوت ، زينوها بما توفر لهم ، ورسموا بالقلم وببساطة شارة المطرقة والمنجل ، ودار نقاش : هل يصح ان نقدم العصير ، وكان القرار: نعم ، فجهز البعض كؤوس العصير وابتدأ الحفل . وقف المشاركون على شكل دائرة . تقول شادمان :
ـ كانت دقيقة الحداد طويلة ، على غير العادة في الاحتفالات والاجتماعات الحزبية . لم يبك منا احد ، كنا نحدق بعيون بعضنا البعض ، وكل واحد منا يطلب من الاخر ان يتماسك.
وتقول زيان :
ـ كنت الاكبر سنا بينهم ، فأخذت على عاتقي ، مسؤولية القاء كلمة الحفل . وفيها قدمت التحية لشهداء الحزب ، وشهداء حلبجة ، وقدمت التحية لذكرى تأسيس الحزب ، وتحدثت عن جريمة الديكتاتورية ، وايضا عن المستقبل .
وبدأت الجميع بالانشاد. غنت الحناجر الحزينة ، مجتمعة و بحماس نشيد " 31 اذار " المعروف جيدا في كردستان ، ثم بدأت المساهمات على التوالي . كل الحاضرين ساهموا في الحفل . ثمة من قرأ قصيدة شعر . وثمة من اراد الغناء ، فلم تطاوعه حنجرته ، فقرأ كلمات نص الاغنية كقصيدة . وثمة من حكى عن بطولة الشهداء والانصار. تعانقوا وتبادلوا القبلات والتهاني . وشربوا كؤوس العصير. وبعد ان اعلن عن نهاية الحفل ، وتناولوا وجبة العشاء المتواضعة التي طبخوها معا ، ووزعت كؤوس الشاي ، راح البعض وبصمت يمسح دموعه .