الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار
البيت العراقي المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة

واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!!

محمد الحنفي

sihanafi@gmail.com

www.elhanafi.com

إلـــــــــى :

جريدة المحرر الممنوعة من الصدور منذ 20 يونيه 1981.

جريدة المسار المتوقفة بموجب حكم قضائي جائر.

جريدة الطريق العاجزة عن الاستمرار لانعدام الموارد المالية.

كل وسائل إعلام حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

كل منبر تقدمي يقاوم من أجل أن يستمر في نشر الوعي المتقدم، و في شروط تكاد تمنع وجود أي إمكانية لنشر ذلك الوعي.

الاخوة في إدارة جريدة الحوار المتمدن الإليكترونية في عيدها السنوي الرابع.

من اجل أن يستمر الوعي المتقدم في الوجود.

من اجل أن يستمر ذلك الوعي في الانتشار.

من اجل استحضار الوفاء للشهداء، شهداء الحلم بتحقيق الحرية و الديمقراطية و الاشتراكية.

من اجل أن يستمر الأمل في قلوب، و في فكر، و في ممارسة كل الشعوب المقهورة.

محمد الحنفي

 

 

 

 


 

مقدمة :

 

تعرف الصحافة التقدمية تراجعا خطيرا، مما ينعكس سلبا على اليسار، و على الجماهير الشعبية الكادحة في نفس الوقت، ليبقى المجال فارغا أمام الصحافة الرجعية المتخلفة بصفة عامة، و أمام أنظار الظلاميين المغرقين في أدلجة الدين الاسلامي بصفة خاصة.

 

و نحن عندما نقف بدقة على راهنية الصحافة التقدمية، سنجد أن ما تبقى منها يعاني من البؤس، و التخلف، و القهر، بسبب الاحباط، و الارتداد، الذي صار سمة الغالبية العظمى من الكتاب التقدميين، الذين تحولوا، بفعل انتهازيتهم، إلى كتاب رجعيين، رغبة في الوصول إلى تحقيق مكاسب معينة، لا تتناسب  مع الدور الاعلامي، الرائد، الذي تم التخلي عنه جملة، و تفصيلا، و بعض من عرفوا بكتاباتهم التقدمية، تحولوا بقدرة قادر إلى كتاب مغرقين في الظلامية، و منظرين لها، و عاملين على إشاعتها في المجتمع، و التواجد في قيادة التنظيمات المؤدلجة للدين الاسلامي، حتى تصير تلك االحركات، بأولئك الكتاب المرتدين، سيدة في الواقع، ساحبة البساط من تحت أرجل الحركة الديمقراطية، و التقدمية، اللتي صارت تراوح مكانها، بسبب غياب إعلام ديمقراطي/تقدمي، هادف، و متطور، و معبر عن إرادة الجماهير الشعبية الكادحة التي صارت عاجزة عن مواكبة االتطور الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و السياسي، بسبب انسياقها في الاستغراق في استهلاك الإعلام المتخلف.

 

و سعيا  منا إلى  مقاربة واقع الصحافة التقدمية، و اليسارية، و الملتزمة بقضايا الكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة، و مصير الصحافة الجادة. و في هذا  الاتجاه، سنتناول مفهوم الصحافة، و مفهوم الصحافة الملتزمة، و الدور الريادي لتلك الصحاافة، و عوامل انحسارها، و دور الحوار المتمدن، كعلامة مستقبلية رائدة، في عالم الصحافة الاليكترونية، الملتزمة، المنفتحة على مختلف التوجهات الديمقراطية، و التقدمية، و العلمانية، سعيا إلى تحقيق أمل الجماهير الشعبية الكادحة، في تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، و اعتبار الحوار المتمدن صحيفة كل اليساريين، على اختلاف ألسنتهم، و ألوانهم، و لغاتهم، و من أجل أن تقف وراء انتشار الوعي الحقيقي، في ربوع الأرض، و  في ربوع البلاد العربية، و بلاد المسلمين، و في صفوف الكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة.

 

و التعامل مع صحيفة الحوار المتمدن الإليكترونية، كواجهة اعلامية للجبهة الوطنية التقدمية و الديمقراطية العريضة. لتصير بذلك صحافة كل الديمقراطيين، و كل العلمانيين، واجهة اعلامية علمانية متميزة ... محاولين الاجابة على السؤال : ما العمل من اجل استعادة مكانة الصحافة الملتزمة  ؟ و ما العمل من اجل دعم الصحافة الاليكترونية الملتزمة بقضايا الحرية،  و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية،  و المتميزة بأدائها الجاد، و المسؤول، و الهادف ؟ و ما العمل من اجل حماية الصحافة الملتزمة و الاليكترونية المتميزة،  حتى نصل إلى ضرورة العمل  على دعم الصحافة المعبرة عن ارادة الشعوب على جميع  االمستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و السيااسية، و حتى تلعب تلك الصحافة دورها الرائد في انبثاق وعي متقدم و متطور بضرورة الالتفاف حول  الحركة الديمقراطية و التقدمية الساعية إلى تحقيق الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية.

 

مفهوم الصحافة :

 

فماذا نعني بكلمة الصحافة التي تملأ أسماعنا صباح مساء، و عبر وسائل الاتصال المختلفة، التي  تعتبر الصحافة نفسها جزءا لا يتجزأ منها ؟

 

إننا عندما نرتبط بهذا  المفهوم، نرتبط في نفس الوقت بوسيلة التعبير عن الرأي الفردي، و الجماعي، تجاه القضايا المطروحة على المستوى الاقتصادي، و الاجتماعي،  و الثقافي،  و السياسي، وطنيا، و قوميا، و على المستوى الدولي.

 

و الصحافة، بطبيعة الحال، تعتبر الوسيلة الانجع، لاتاحة الفرصة أمام إمكانية التعبير عن الرأي،  و العمل على إشاعته بين الناس، حتى يصير متداولا فيما بينهم،  و حتى يقف وراء خلق حوار بينهم، حول القضايا  موضوع إبداء  الرأي، و اللجوء إلى الصحافة نفسها، من أجل اشاعة ذلك الحوار.

 

و انطلاقا من هذه المهمة الموكولة إلى الصحافة، وسعيا إلى جعلها مهمة منجزة بامتياز، فإن مفهوم الصحافة يعني الوسيلة/المجال، الذي يمكن اعتماده، من قبل جهة معينة، أو من قبل جماعة، أو من قبل فرد معين، لإتاحة الفرصة، أمام جميع الناس، لاثارة مختلف القضايا، التي تهم تلك الجهة، أو الجماعة، أو الأفراد. و هي لذلك مجموعة من المنابر المتاحة أمام جميع المستهدفين بتلك الصحافة، من أجل التعبير عن الرأي الفردي، و الجماعي، و  من أجل خلق  رأي عام، حول مجمل القضايا المطروحة، يقف وراء تحقيق الوحدة الفكرية،  أو الأيديولوجية، أو السياسية، تجاه تلك القضايا، تلك الوحدة التي تكون دافعا أساسيا لإيجاد تواصل معين، وفي مستوى  محدد، بين المتعاطين مع المنابر الصحفية، التي تفسح لهم المجال للتعبير عن رأيهم.

 

و هذا  المفهوم، و بهذا التصور الذي عرضناه،  هو الذي كان يجب أن ينسحب على مختلف المنابر الصحفية. إلا أن الصراع الطبقي، الذي تعرفه المجتمعات البشرية، تدخل لصياغة مفهوم ضيق للصحافة، يرتبط بالتوجه الأيديولوجي، و السياسي، لطبقة اجتماعية معينة،  يقوم  حزبها أو أحزابها، باصدار صحف معينة، لا تعبر إلا عن وجهة نظر معينة، لا احترام فيها لمبدأ الاختلاف، أو  للرأي الآخر، و بطريقة معبرة عن وجهة نظر الحزب، أو  الطبقة، التي تسعى إلى فرض استبدادها، على المجتمع، عندما تتمكن من الوصول إلى السلطة، لتصير الصحافة بذلك وسيلة قمعية للرأي الآخر، و محاصرته، و أداة  لتضليل الناس و تدجينهم، في أفق فرض الاستبداد بهم على المستوى الاعلامي، من اجل الاستبداد بواقعهم الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، وصولا إلى الاستبداد بأجهزة  الدولة، التي تسخر، بالدرجة الاولى، لقمع الرأي الاخر، بجميع الوسائل الايديولوجية، و القمعية. و هذه المسلكية  هي التي تحرف المعنى الصحيح لمفهوم الصحافة.

 

فما هي السمات المميزة  لمفهوم الصحافة الصحيح ؟

 

و من خلال طرحنا لمفهوم الصحافة، كما تصورناه، و كما يجب أن نعمل على أجرأته، نجد أن هذا التصور، يتحدد من خلال السمات المميزة للخط العام، سواء كانت هذه الصحافة حزبية، او غير حزبية، و سواء كانت الأحزاب المتبنية لتلك الصحافة ممثلة للطبقة الإقطاعية، أو البورجوازية، أو للطبقة العاملة، أو للبورجوازية الصغرى. و من هذه السمات نجد :

 

1) أن الصحافة  لا تكتسب مصداقيتها إلا من خلال الانفتاح على الجماهير الشعبية الكادحة، و من خلال تناولها لقضاياها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و السياسية، حتى تستطيع أن تجد مخاطبا يهتم باستهلاك تلك الصحافة. و إلا فإنها إذا بقيت  منحسرة داخل ما هو حزبي/طبقي، ستجد نفسها مع -مرور الايام- محاصرة جماهيريا، و ستضطر إلى التوقف، لعدم جدوى صدورها.

 

2) أنها تعرض الرأي، و تقبل في نفس الوقت بعرض الرأي الآخر، تكريسا لمبدأ الاختلاف، الذي يعتبر شرطا لديمقراطية الصحافة، حتى تترك للقارئ إمكانية الحكم، و الاختيار، او الرفض لرأي معين، من الاراء المعروضة، مما يكسب الجريدة قبولا، و تتبعا  من قبل الرأي العام، الذي تبقى له الكلمة الاولى، و الاخيرة، في اعتبار صحافة معينة صحافة ديمقراطية، أو غير ديمقراطية.

 

3) أنها تعمل على بث القيم الوطنية، و الإنسانية، في صفوف القراء، حتى تصير تلك القيم مرتبطة بالوجود البشري نفسه، تعبيرا عن الوجه الانساني للصحافة، و سعيا إلى تأكيد الانتماء الوطني، حتى تتجنب أن تصير مخربة للكيان الانساني، و حتى يتأتى لها  أن تتجنب الانحياز إلى خدمة جهات خارجية، تسعى إلى السيطرة على الخيرات المادية، و المعنوية للبلاد.

 

4) انها تعتمد على التمويل الذاتي، للجهات التي تقف وراء اصدار تلك الصحافة، حتى لا يتم توجيهها إلى ما لا يتناسب مع المفهوم الصحيح للصحافة، التي تنفتح على الرأي، و الرأي الآخر. لأن الصحافة التي تمولها الدولة، لابد أن تكون رهن اشارة الدولة، و التي تمولها جهات خارجية، لابد و أن تكون رهن اشارة تلك الجهات، التي تحولها إلى بوق لها، ناطق باسمها، و مروج  لأطروحاتها، و عامل على الدعاية لها، بين أفراد الشعب المستهدف بتلك الصحافة. و هو ما يقف قطعا، وراء إلغاء الرأي الآخر، ووراء انغلاق العديد من الصحف على نفسها. و لذلك كان التمويل الذاتي شرطا لاستقلال الصحافة، و انفتاحها على الرأي الآخر، ما لم يكن ذلك التمويل حقا قانونيا.

 

و  بهذه السمات، و غيرها يمكن أن نقف على أن المفهوم  الصحيح للصحافة، يقتضي الانفتاح على الرأي، و الرأي الآخر، حتى  و إن كانت هذه الصحافة مغرقة في الحزبية. و هذا الانفتاح ليس إلا وسيلة لتربية المستهدفين على استيعاب الممارسة الديمقراطية، و بمضمونها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي. تلك التربية التي يمكن اعتبارها الغائب الاكبر في الحياة العامة، و في الحياة الخاصة على السواء.

 

و نظرا لأن الحزبية الضيقة، تلغي الرأي الآخر، فإن الصحافة بصفة عامة، و الصحافة الحزبية بصفة خاصة، تصير وسيلة لنشر الفكر المستبد، في الممارسة اليومية للافراد و الجماعات، و هو أمر لا يخدم، في نهاية المطاف، إلا مصالح الطبقة التي تفرض الاستبداد القائم في كل دولة، و مصالح مؤدلجي الدين الساعين إلى فرض استبداد بديل. و هو ما يجعل الحديث عن الصحافة، بمفهومها الصحيح، غير وارد، في ممارسة، و في عرف المشرفين على إصدار الصحف المختلفة.

 

مفهوم الالتزام :

 

و تبعا للتصور الذي حاولنا بسطه حول مفهوم الصحافة، فإننا نجد أن مفهوم الالتزام يحيلنا مباشرة إلى مفهوم الصحافة كما نتصوره، و هو ما يعني أن انفتاح الصحافة – أنى كانت الجهة التي تصدرها – على الرأي، و الرأي الآخر، يعتبر التزاما، و أن عدم انفتاحها على الرأي، و الرأي الآخر، يعتبر إخلالا بالالتزام.

 

 و انطلاقا من هذا الفهم نجد أن مجرد رفع الشعار، لا يمكن أن  يعتبر التزاما، لأن رفع الشعار يجب أن يرتبط بالممارسة الهادفة إلى تحقيق ذلك الشعار على أرض الواقع، حتى يمكن القول بوجود الالتزام.

 

فالالتزام، اذن، هو ممارسة يومية، تهدف إلى الربط الجدلي بين النظرية التي تقتنع بها طبقة معينة، أو حزب معين، أو شخص معين، أو جماعة معينة ، و بين الممارسة، حتى تتطور النظرية بالاستفادة من الممارسة، و تتطورالممارسة بالاستفادة من النظرية.

 

و هذا الربط الجدلي بين النظرية، وبين الممارسة هو الذي يؤدي إلى تحصين النظرية، وتحصين الممارسة  في نفس الوقت. و هو ما يضمن تجنب التحريف الذي يلحق النظرية، أو  يلحق الممارسة. و لا يهمنا  إن كانت النظرية إقطاعية أو بورجوازية، أو نظرية الطبقة العاملة، كما أنه لا يهمنا إن ككانت الممارسة المرتبطة بالنظرية إقطاعية  أو بورجوازية، أو عمالية. لأن الالتزام في جميع مستويات النظرية، و في جميع مستويات الممارسة، يهدف إلى تكريس الوضوح الأيديولوجي، و التنظيمي، و السياسي، و يوفر إمكانية امتلاك كل طبقة لوعيها الطبقي، مما يعطي للصراع الذي يجري على أرض الواقع، و في مستوياته الأيديولوجية، و التنظيمية، و السياسية، مشروعيته الطبقية، و يبتعد به عن أن يتحول إلى صراع ديني- ديني، أو عرقي عرقي، أو لغوي لغوي، أو مذهبي مذهبي، كما تسعى إلى تكريسه شرائح البورجوازية الصغرى، و أحزابها المختلفة، و المتلونة، و الأحزابوسلامية، التي لا يمكن اعتبارها إلا أحزابا بورجوازية صغرى تؤدلج الدين و تستغله سياسيا.

 

و  في مثل حالة الصحافة، فالالتزام بالنسبة  إليها، لا يعني الا  الربط بين القول بالانفتاح على الرأي، و الرأي الآخر، و بين ممارسة ذلك الانفتاح على أرض الواقع، حتى تكتسب مصداقية إعلامية, و تصير محتضنة من قبل الجماهير الشعبيية الكادحة، و  من  جميع الطبقات  الاجتماعية. لأن ذلك الربط هو الذي يؤمن سلامة الصراع  الأيديولوجي، و السياسي، و  التنظيمي، من السقوط في مهوى التحريف، و يجنب إصابة المتعاملين مع الصحافة بالتضليل الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و السياسي، الذي لا تستفيد منه الا الجهة التي تمارس الاستبداد، أو  تسعى الى فرض استبداد بديل.

 

و لذلك يكون الربط الجدلي، بين القول بالانفتاح على الرأي و  الرأي الآخر. و بين ممارسة ذلك الانفتاح على أرض الواقع، ممارسة ديمقراطية متميزة، و مدخلا لتربية مستهلكي تلك  الصحافة على الممارسة الديمقراطية، وهي تربية لابد أن تنعكس إيجابا على تحقيق الديمقراطية بمضمونها الاقتصادي، و الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، حتى يتأتى تجاوز ظاهرة الجمود، و تكريس التخلف، و الانتقال بالمجتمع إلى مستوى الحركة المنتجة، و السعي إلى تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، التي هي ملاذ الديممقراطيين الحقيقيين، و الهدف  وراء الالتزام بالانفتاح على الرأي، و الرأي الآخر على جميع المستويات، و في جميع المجالات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و السياسية.

 

 

 أما الصحافة التي لا تنفتح على الرأي، و الرأي الآخر، حتى و إن كانت صادرة عن يساريين، و عن أحزاب يسارية، فلا يمكن وسمها بالالتزام. لأنها تربي مستهلكيها على الأخذ بالرأي الواحد فقط. و هو ما يؤدي إلى التمرس على القبول بتكريس الاستبداد، و فرضه على أرض الواقع، أو السعي إلى فرض استبداد بديل، ليكون بذلك دورها سلبيا، و لتقف وراء الجمود  الذي يتخذ مظاهر اقتصادية، و اجتماعية، و ثقافية، و سياسية. و هو جمود لا يمكن أن يؤدي بالجماهير الشعبية الكادحة إلا إلى فقدان القدرة على الرؤيا الواضحة لما يجري  في الواقع، و لما يمارس عليها. و هي بسبب ضبابية الرؤيا عندها تبقى فريسة لكل ما  يحاك  ضدها من أجل تعميق استغلالها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و السياسي.

 

و نجاح شيوع، أو انحسار الصحافة الملتزمة لا علاقة له  بمستوى شيوع الوعي الطبقي في المجتمع،  أو بانحسار هذا الوعي أو غيابه في معظم الاحيان.

 

و لذلك، نرى أن توفير مناخ سيادة صحافة ملتزمة، بالمعنى الذي عرضناه، يبقى رهينا بالدور الذي تلعبه الحركة التقدمية، و الديمقراطية بصفة عامة، و الحركة اليسارية بصفة خاصة، في افق قيام ديمقراطية حقيقية، من الشعب، و إلى الشعب، و في كل بلد، و على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، والمدنية، و السياسية، و في كل بلد من البلاد العربية، و باقي بلدان المسلمين، حتى تتمكن الجماهير الشعبية الكادحة من امتلاك الوعي الديمقراطي، الذي يمكن اعتباره مدخلا لكل أشكال الوعي الاخرى، التي تساهم كلها في بلورة الوعي الطبقي الحقيقي، في فكر و ممارسة الكادحين.

 

مفهوم  الصحافة الملتزمة :

 

و انطلاقا  من فهمنا  لمعنى الصحافة، و لمعنى الالتزام، يمكننا القول: بأن الصحافة في حالة أخذها بالرأي الواحد، لا تكون ملتزمة، و في حالة أخذها بالرأي، و الرأي الآخر، تمارس الالتزام بمعناه الواسع. و لذلك فالصحافة الملتزمة، هي صحافة تحرص على الأخذ بالرأي، و بالرأي الاخر. و ما  دامت الطبقات المستفيدة من الاستغلال تحرص على قيام صحافة مضللة للجماهير الشعبية الكادحة، حتى تقبل الاستغلال الممارس عليها، و مادام مؤدلجو الدين الاسلامي يسعون الى الاستبداد بالمجتمع، فإن صحافة مؤدلجي الدين الاسلامي، تسعى إلى تجييش جميع  أفراد المجتمع ، و جعلهم في خدمة مؤدلجي الدين الاسلامي، بممارسة التضليل الهادف إلى جعل المجتمع يقبل بالاستغلال الممارس عليه من قبل المؤدلجين، و باستبدادهم به، و مادامت أحزاب البورجوازية  الصغرى تسعى إلى اتخاذ الجماهير الشعبية الكادحة مجرد مطية لتحقيق تطلعاتها الطبقية، فإن صحافتها تزرع الوهم في صفوف الكادحين بمجيء الذي يأتي، و لا يأتي، حتى يعبر البورجوازيون الصغار إلى بر الأمان، ليتم تنكر صحافة البورجوازية الصغرى للجماهير الشعبية الكادحة، التي تترك أوهامها في مهب الريح، و مادامت التيارات المتياسرة إنما تطرح الشعار دون الالتزام  به، فإن صحافتها لا  تتجاوز رفع الشعارات  المتياسرة و المتطرفة لإيهام الجماهير بأن المتياسرين يسعون إلى تحقيق القيام بالثورة "الجذرية"، بالاعتماد على الجماهير الشعبية الكادحة، لقلب القيم القائمة، و استنبات قيم نقيضة، ليتحول بذلك المتياسرون، إلى مجرد سماسرة لاستثمار "نضالهم"، في تحقيق تطلعاتهم الطبقية، بحكم انتمائهم إلى شرائح البورجوازية الصغرى، و تتحول صحافتهم إلى مجرد مرجع للشعارات التي لم  يعتنقها أو يصدقها أحد.

 

و  نظرا لأن صحافة الأحزاب و التوجهات التي أشرنا إليها، تعتبر الجماهير الشعبية الكادحة، مجرد مطية لتحقيق شراسة الاستغلال الهمجي، دون مقاومة تذكر، باعتبار ذلك الاستغلال قضاء و قدرا، أو لتحقيق التطلعات الطبقية، على أساس زرع الوهم، و إشاعته بين الجماهير الشعبية الكادحة، فإن هذه الصحافة، و مهما كانت الجهة التي تقف وراء وجودها،  و مهما كان اللسعي  الذي تعتمده، تفقد إمكانية صيرورتها صحافة ملتزمة، لأنها تمارس التضليل على الجماهير الشعبية الكادحة، من جهة، و تجعل هذه الجماهير  تفقد الثقة في كل شيء، مما يجعل منها مجرد فريسة للاستغلال الطبقي.

 

و لذلك، فالصحافة الملتزمة هي صحافة اليسار الملتزم بقضايا الجماهير الشعبية الكادحة، قولا، وعملا، و انطلاقا من إيديولوجية الكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة، و  سعيا إلى توظيف القوانين العلمية في التحليل الملموس للواقع الملموس، و توظيف تلك الصحافة اليسارية، و جعل الكادحين يستوعبون نتائج التحليل، التي تجعلهم يمتلكون وعيهم المتقدم بالواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و السياسي، مما يجعلهم ينخرطون في تنفيذ البرنامج  النضالي الذي  يعمل اليسار على تحقيقه، لتتحقق بذلك الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

 

و الصحافة اليسارية التي يمكن اعتبارها وحدهها هي الملتزمة بقضايا الكادحين، و بإشاعة الفكر الديمقراطي،  و القاضي بالقول بالرأي، و بالرأي الآخر، الذي لا يلغي اعتبار الصحافة اليسارية صحافة ملتزمة بالمعنى الذي حددناه.

 

و أهم ما يميز صحافة اليسار الملتزمة :

 

1) أن هذه الصحافة تتبنى قضايا الجماهير الشعبية الكادحة، الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، والمدنية، و السياسية، و ترصد معاناتها، و تفضح ما يمارس عليها، و تدفع بها في اتجاه امتلاك وعيها الطبقي، والانخراط في مختلف أشكال النضال النقابي، والحقوقي، والثقافي، والسياسي، من أجل تحسين أوضاعها المادية، و المعنوية، حتى تمتلك قيم المقاومة، في أفق امتلاك قيم الهجوم، التي تمكنها من فرض احترام حقوقها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، والمدنية، و السياسية.

 

2) إنها صحافة ديمقراطية، تأخذ بالرأي و الرأي الآخر، و تتحول إلى منبر للحوار بين الرؤى، والتصورات المتقاربة، أو المتناقضة، أحيانا، من أجل أن تجعل الجماهير الشعبية الكادحة، قادرة على بلورة الرأي المناسب لها، حتى تستطيع التمييز بين الرؤى، و التصورات، و حتى تكون في مستوى مواجهة تحديات الصراع القائم في الواقع، و بطرق ديمقراطية، حقيقية، يمكن تسميتها بالديمقراطية من الشعب، و إلى الشعب، و حتى تستطيع تلك الجماهير المعنية تقرير مصيرها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، والمدني، و السياسي، و من أجل أن تطمئن على مستقبلها.

 

3) أنها تلامس التعبير عن إرادة الجماهير الشعبية الكادحة، حتى لا نجانب الصواب، إذا  قلنا: إن عليها أن تعبر عن إرادة الجماهير الشعبية الكادحة، لأنها حينها سوف لا تعبر عن وجهة نظر الحزب، و لا عن مصالح الطبقة التي يمثلها  ذلك الحزب.

 

 والصحافة الملتزمة هي التي تحرص على أن تحضر إرادة الجماهير في الرؤى الحزبية، و في خدمة الاعلام الحزبي، لمصالح طبقة معينة، من خلال احتضان رؤاها، و تصوراتها المختلفة، حتى لا تكون شاذة، و منعزلة، و مقموعة، لا تدري ماذا تفعل بتقرير مصيرها، و حتى تكون مالكة لوعيها الديمقراطي، و الطبقي، و حتى تكون الجماهير الشعبية الكادحة في مستوى التعاطي، مع الأحداث المختلفة، الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، والمدنية، و السياسية، و تفرض إرادتها من خلال التعاطي مع تلك الأحداث.

 

4) أنها تهتم بطرح المشاكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، والمدنية، و السياسية لجميع أفراد المجتمع بصفة عامة، و للكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة، بصفة خاصة، و لأجل جعل الجماهير الشعبية مقحمة، في  طرح مشاكلها المختلفة، سعيا إلى جعل تلك المشاكل، محط اهتمام، من قبل المسؤولين، حتى يعملوا على  حلها، و حتى يتجنبوا الاستمرار في قيامها، و تفاقمها، و من أجل أن تشعر الجماهير الشعبية، بأهميتها، و أهمية حركتها عن طريق اهتمام الصحافة بطرح مشاكلها.

 

5) أنها تعمل على اقتراح الحلول لمختلف المشاكل المطروحة، من وجهة النظر القائمة وراء وجود اعلام معين، و من وجهات النظر النقيضة، و المحتملة،  و العمل على جعل الجماهير الشعبية الكادحة قادرة على بلورة حل مختلف المشاكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، والمدنية، و السياسية، و النضال من أجل إيجاد حلول لتلك المشاكل تنسجم و طموحات الجماهير الشعبية الكادحة.

 

و هذه السمات، و غيرها –مما لم نذكر- هي التي تحدد إلى أي  حد، يمكن أن نعتبر أن الصحافة الملتزمة الحقيقية هي التي تتبنى قضايا الجماهير الشعبية، و بطريقة ديمقراطية، تلامس التعبير عن إرادة الجماهير الشعبية، و تهتم بطرح مشاكلها، و تقترح أوجه الحلول المحتملة لمختلف المشاكل  المطروحة، حتى ترتبط بها  الجماهير، و تدعمها، و تعمل على ملء الفراغ الإعلامي الذي تعني منه هذه الجماهير.

 

 

الدور الريادي للصحافة الملتزمة :

 

فما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الصحافة الملتزمة ؟

 

هل ينحصر في مجرد إتاحة الفرصة أمام إمكانية إبراز الرؤى و التصورات التي قد تكون متناقضة أحيانا ؟

 

هل تنتقل إلى مستوى التحول إلى مدرسة تهدف  إلى مد الجماهير بالمعارف الاقتصادية: و الاجتماعية، و الثقافية، والمدنية، و السياسية، التي تمكنها من امتلاك وعيها بمختلف المشاكل التي تعاني منها ؟

 

هل تعمل على تحريض الجماهير الشعبية الكادحة على طرح مشاكلها من خلال المنظمات الجماهيرية المختلفة، و الانخراط في تلك المنظمات، و العمل على إيجاد حلول لتلك المشاكل ؟

 

هل تعمل على تعبئة الجماهير لخوض النضالات المطلبية ؟

 

هل تفضح ما يمارس على الجماهير من قمع، و ما يرتكب في حقها من خروقات ؟

 

هل تتحول فعلا إلى صحافة للجماهير، و مع الجماهير و من أجل الجماهير ؟

 

إننا عندما نرتبط بالصحافة الملتزمة، نرتبط في نفس الوقت بالدور الذي يمكن أن تلعبه تلك الصحافة، و على جميع المستويات، و في مختلف المجالات الايديولوجية، و السياسية، التي تستهدف مد الجماهير الشعبية الكادحة، بالخصوص، بالسلاح الايديولوجي، و السياسي، الذي يساعدها على مواجهة من يمارس عليها التضليل، و يعمل على وضع حد للاستغلال الايديولوجي، و السياسي، كمقدمة لمقاومة الاستغلال الاقتصادي، و الاجتماعي، في أفق القضاء عليه، و بصفة نهائية.

 

و لذلك نجد أن دور الصحافة الملتزمة يتجسد في :

 

1) ارتباط هذه الصحافة بالجماهير،  حتى تسير بها، و تتقدم بدعمها، و تتطور باحتضان قضاياها، و بتحولها إلى لسان معبر عن إرادتتها، لتصير بذلك صحافة جماهيرية بدون منازع.

 

2) جعلها مجالا لإبراز الرأي، و الراي الآخر حتى تتمرس على احترام الرؤى، و التصورات المخالفة، و حتى تتربى على الممارسة الديمقراطية، التي هي جوهر الصراع المنتج، و خاصة في عصر العولمة، و وسيلة لممارسة التربية على حقوق الانسان، التي تعتبر السند الأهم للنضال الجماهيري الوااسع من أجل التمتع بالحقوق الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، والمدنية، و السياسية، لأن النضال الديمقراطي، و النضال الحقوقي، وجهان لعملة واحدة، و ما على الصحافة الملتزمة، بافساحها المجال لبروز الرأي، و الرأي الآخر، مهما كان التناقض القائم بينهما، إلا أن تعمل على إعداد الجماهير الشعبية الكادحة، للقيام بدورها في تحقيق الممارسة  الديمقراطية الحقة، و في فرض احترام حقوق الانسان، كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان العامة، و الخاصة.

 

3) و الصحافة الملتزمة، عندما ترتبط بالجماهير، و تتحول إلى مجال لإبراز الرأي، و الرأي الآخر، تصير بمثابة مدرسة  تعمل على مد الجماهير الشععبية  الكادحة، بالخصوص، و طليعتها الطبقة العاملة، بالمعارف الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، والمدنية، و السياسية، التي تمكنها من امتلاك وعيها بمختلف المشاكل التي تعاني منها، لأن مشكلة الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة، هي جهلها بواقعها، الذي يفرض عليها من قبل الطبقة الحاكمة، عن طريق التضليل الايديولوجي، الممارس عليها، من قبل الطبقة الحاكمة، عن طريق التضليل الايديولوجي الممارس عليها، من قبل مختلف الأجهزة الاعلامية الرسمية، و الحزبية الموالية، مما يجعلها عاجزة عجزا مطلقا عن فهم ما يجري على جميع المستويات، و في جميع مناحي الحياة، حتى يتأتى للطبقة الحاكمة: أن تمارس الاستغلال الذي تشاء، و دون رادع من أحد. و لذلك كان دور الصحافة الملتزمة، بطرح قضايا الجماهير الشعبية، و في مختلف المجالات، و على جميع  المستويات، و إبراز المشاكل التي تعاني منها، لجعلها تقحم نفسها في الاهتمام بواقعها، و تحرص- عن طريق الصحافة الملتزمة، في إقحام نفسها، في معرفة ذلك الواقع معرفة علمية دقيقة، ترفع عندها، و تيرة الرغبة في طرح مطالبها، و النضال من أجل تحقيقها، لتنتقل بذلك الجماهير الشعبية الكادحة من وضعية إلى وضعية أخرى.

 

4) و هذه الصحافة عندما تلعب دورها المعرفي، فإنها  تتحول تلقائيا إلى لعب دور الموجه، و المحرض للجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة، حتى تسعى الجماهير المعنية بالتوجيه، و التحريض، إلى التمتع بحقوقها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، عبر الارتباط بالمنظات الجماهيرية الملتزمة بالدفاع عن الجماهير، و السعي إلى تحقيق مطالبها المختلفة، و خاصة تلك التي تتخذ طابعا حقوقيا، و عبر الانخراط في الاحزاب السياسية الديمقراطية، و التقدمية، و من أجل تحقيق ديمقراطية حقيقية، من الشعب، و إلى الشعب، حتى يتم فرض احترام إرادة الجماهير الشعبية الكادحة، من خلال دستور ديمقراطي، و عبر انتخابات حرة، و نزيهة، لإفراز مؤسسات تمثيلية حقيقية، و من أجل إيجاد حكومة تخدم مصالح الجماهير الشعبية الكادحة، الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية.

 

5) و الصحافة الملتزمة، عندما تقوم بدور التوجيه، و التحريض، الذي يجعل الجماهير الشعبية الكادحة تحقق مكاسب معينة، هي نفسها التي تعمل على جعلها تحرص على المحافظة على تلك المكاسب، بإمدادها بالوعي اللازم، لإدراك  أهمية تضامنها، و تكافؤها، و تلاؤمها مع التحولات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، التي تخدم مصلحتها، في الحفاظ على ما تحققه من مكاسب، و العمل على تطويرها، حتى تصير خير وسيلة لمحاصرة الاستغلال، و التقليص من حدته.

 

و جعل المستغلين يتراجعون إلى الوراء. و يحترمون إرادة الجماهير الشعبية الكادحة، و يعترفون لها بحقوقها الإنسانية كما هي في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان، لتكون الصحافة الملتزمة، بذلك، قد ساهمت بشكل كبير في جعل االجمااهير تبني حصانتها بنفسها،  انطلاقا من تشبعها بوعيها الحقيقي.

 

و هكذا  نجد أن الدور  الذي يمكن أن تلعبه الصحافة الملتزمة يبقى واردا، و أن هذا الدور، لابد أن يسترد من التجارب التاريخية، التي كانت فيها الصحافة الملتزمة الموجه الأساسي لوعي الجماهير الشعبية الكادحة، و المغذي له، و المحرض على التحرك في اتجاه بلورة الرؤى، و التصورات، و المواقف التي تعتممد في النضال الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و السياسي، الجماهيري، من أجل تحقيق الحرية، و االديمقراطية، و  العدالة الاجتماعية.

 

عوامل انحسار الصحافة الملتزمة :

 

و قد كان في الإمكان أن تستمر الصحافة الملتزمة في القيام بدورها الرائد، لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، لولا تكالب مجموعة من العوامل التي أدت إلى انحسارها، و تقوقعها، و تحكم الرؤية الضيقة في مسارها. و من أهم العوامل التي وقفت وراء انحسارها نجد :

 

1) قيام أجهزة الدول القمعية بالتضييق على الصحافة الملتزمة، و قمع المفكرين العاملين على نشر الفكر المتنور، و العلمي، و حرمان الجهات التي تقف وراء صدور الصحافة الملتزمة، من التمتع بحقهم في الحرية الكاملة، التي تمكنهم من القيام بدورهم الإعلامي المتميز، حتى يجعلوا الجماهير المعنية متنورة، و مالكة لأشكال وعيها الطبقي الحقيقي، و قادرة على الدفاع  عن حقوقها، و العمل على فرض الاستجابة لمطالبها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، لأن أجهزة الدولة الطبقية القمعية، باعتبارها أجهزة فاسدة، لا يروقها أن تقوم الصحافة الملتزمة بدورها كاملا، بما في ذلك فضح مختلف الممارسات التي تقوم بها تلك الأجهزة، و التي تلحق الاضرار المختلفة بمصالح الجماهير الشعبية الكادحة.

 

    2) غياب ديمقراطية حقيقية من الشعب، و إلى الشعب، في ظل وجود دستور ديمقراطي، و غياب قوانين انتخابية، بضمانات كافية لإجراء انتخابات حرة، و نزيهة، و عدم إفراز مؤسسات تمثيلية، حقيقية، من الشعب، و إلى الشعب،  حتى يتأتى دخول تلك المجالس في خدمة مصالح الجماهير الشعبية، التي تفتقد الوساائل التي تعبر من خلالها، عن رأيها، حول مختلف الاوضاع الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و تلك الوسائل، ليست إلا الصحافة الملتزمة، المسموعة، و المرئية، و المقروءة.

 

3) تسلط العناصر البورجوازية الصغرى على قيادات الأحزاب الديمقراطية، و التقدمية، و استئثارها، بإعلام تلك الأحزاب، و توظيف كل ذلك لصالح تحقيق تطلعاتها الطبقية، و الانتقال إلى التموقع إلى جانب الطبقة الحاكمة التي تتداخل مصالحها مع مصالح البورجوازية الصغرى. و هذا التسلط هو الذي لعب، و يلعب، دورا  كبيرا، في جعل الجماهير الشعبية الكادحة تفقد ثقتها بنفسها، و بالمنظمات الجماهيرية، و بالأحزاب السياسية، لأن الطبيعة الطبقية للبورجوازية الصغرى تجعل هذه البورجوازية تنتهز مختلف الفرص، و تسعى إلى تحقيق تطلعاتها  الطبقية، عن طريق تواجدها في مختلف القيادات الحزبية، و التقدمية، و عن طريق استغلالها للمنابر الإعلامية الحزبية اللاديمقراطية، و اللاشعبية، لممارسة الضغط، و لتضليل الجماهير الشعب الكادحة، في افق تحقيق تلك التطلعات.

 

4) انعدام الدعم المقدم للصحف الملتزمة بقضايا الجماهير الشعبية الكادحة، حتى تبقى تلك الصحف  عاجزة عن أداء دورها اللازم لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، في الوقت الذي يقدم دعم لا حدود له لصالح الصحف الحزبية، و الرجعية، و المساهمة في تكريس ديمقراطية الواجهة، حتى يقال: إن " الديمقراطية " قائمة في الواقع، و لا خوف على المستقبل من "الديمقراطية"، التي لا تتجاوز أن تكون ديمقراطية الواجهة،  لتبقى الجماهير الشعبية الكادحة فاقدة لوعيها الحقيقي، و عاجزة عن امتلاك ذلك الوعي، و غير متمكنة من فهم ما يجري في الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي.

 

5) غياب إطار جبهوي، جماهيري، يهدف إلى المطالبة بتحرير الاعلام السمعي، البصري، و المقروء، من التبعية، و من   السيطرة الرأسمالية التبعية، و البورجوازية، و البورجوازية الصغرى، و الحزبوسلامية، و النضال من أجل إعلام جماهيري، ملتزم،  يهدف إلى جعل الجماهير الشعبية االكادحة تملك وعيها الطبقي الحقيقي الذي يجعلها تسعى إلى التمتع بحقوقها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و تعمل على تقرير مصيرها، عن طريق فرض دستور ديمقراطي، و فرض إجراء انتخابات حرة، و نزيهة، تعبر نتائجها عن احترام إرادة الجماهير الشعبية الكادحة، التي تصير مالكة لوعيها الطبقي، الحقيقي.

 

فغياب هذا الاطار الجبهوي الجماهيري، و عدم السعي إلى تحقيق بنائه المتكامل، على جميع االمستويات التنظيمية، و المطلبية، و البرنامجية، لا يستفيد منه إلا من يكرس تضليل الجماهير، واستغلالها اقتصاديا، و سياسيا، و تضليلها إيديولوجيا.

 

6) التراجع المتوالي للعديد من المثقفين، المحسوبين على الصف التقدمي، و انحيازهم إلى جانب الرجعية،  و الظلامية،  و تحولهم إلى  سلاح فاعل، ضد اليسار، و ضد الحركة التقدمية، و مساهماتهم، المعتبرة، في تشويه صورة  الصحافة الملتزمة، و انخراطهم في تنظيم الهجوم على الفكر العلمي، و التنويري، و استغلالهم للمنابر الرجعية، و الظلامية، و الرأسمالية، لإشاعة الارتداد في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة، و عملهم على إلغاء الرأي الآخر، و اعتبارهم  أن فكر الاستبداد هو الحل، من خلال دعم الدولة المستبدة القائمة، أو من خلال دعم رفع شعار "الاسلام هو الحل"، الذي يسعى الى فرض استبداد بديل، مما يجعل هذا النوع من المثقفين المتراجعين، أو المرتدين، او المتنكيرين للفكر العلمي، أو التنويري، من أخطرأنواع الاسلحة التي توظفها الرجعية، و الظلامية، و الرأسمالية، للتضييق على الصحافة الملتزمة، و من خلالها، على  الفكر العلمي الملتزم، و على الحركة الديمقراطية، و التقدمية، و اليسارية الاشتراكية العلمية، حتى يصير الفكر الرجعي، الظلامي، المتخلف، هو السائد في البلاد العربية، و سائر بلدان المسلمين، و في جميع البلدان المتخلفة، و تصير االصحافة الملتزمة في خبر كان.

 

و هذه العوامل ليست إلا بعضا من كل، مما يحول دون قيام الصحافة الملتزمة بدورها، في جعل الجماهير الشعبية الكادحة، تقول بالرأي، و تحترم الرأي الآخر. ومما يؤدي في نفس الوقت الى اختفاء هذه الصحافة من الوجود الاعلامي المتميز، و الديمقراطي. و هو ما يطرح، و بشدة على المثقفين، و من تبقى من  الاعلاميين الملتزمين، ضرورة التفكير، و بعمق، في الوسائل التي يمكن اعتمادها، لجعل الصحافة الملتزمة تستعيد مكانتها، في جعل الجماهير الشعبية الكادحة تقول بالرأي، و تحترم الرأي الآخر، و تمارس حقها في الاختلاف االمجسد للصراع الاعلامي، الذي يعتبر امتدادا للصراع الإيديولوجي، و السياسي، الذي ليس إلا ممارسة للصراع  الطبقي بشكل سليم.

 

دور الصحافة الاليكترونية في فك الحصاار المضروب على الصحافة الملتزمة :

 

و في  هذه الإطار نجد أن العديد من المثقفين المتنورين، و الملتزمين بقضايا الجماهير الشعبية، صاروا لا يجدون متنفسا  في الصحافة المكتوبة، أو المسموعة، أو المرئية، بفعل الحصار المضروب عليهم، و بفعل الممارسة الانتهازية، التي صارت تطبع العمل الصحفي السائد، إلى أن ظهرت الصحافة الاليكترونية الملتزمة، التي تفتح، فعلا، صدورها لهم، ولكل الآراء التي قد تكون متناقضة، في بعض الأحيان، حتى تعبر عن ديمقراطيتها، و حتى تساهم في جعل متتبعيها يمتلكون وعيهم الطبقي الحقيقي.

 

و الصحافة الاليكترونية الملتزمة ،لا تخضع للرقابة كما هو الشأن بالنسبة للصحافة المقروءة؟، و المسموعة،، و المرئية، و لا يمكن محاصرتها، أو التضييق عليها،  أو منعها من نشر موضوع  معين، لأنها تتخطى كل الحدود, و تتجاوز كل المعيقات، و  تعمل على الدفع  في اتجاه أن تصير سائدة، و  أن  تكون تلك السيادة لكتابها، و قرائها، و المشرفين عليها، من  أجل تسييد  الرأي الديمقراطي المعبر عن  إرادة الجماهير الشعبية الكادحة.

 

و  لذلك نجد أنه إذا كان للصحافة الإليكترونية دور يذكر، فإن هذا الدور يكمن  في فك الحصار عن الأقلام  الملتزمة بطرح قضايا الجماهير  الشعبية الكادحة، حتى  تجد الجماهير متنفسا للتعبير عن رأيها، الذي يصل إلى جميع أنحاء العالم، و من أجل أن تمتلك تلك الجماهير وعيها بقضاياها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، حتى  يكون ذلك الوعي سلاحا معتمدا في مواجهة أشكال التخلف الرجعي الاقطاعي، و الرأسمالي، و الظلامي الممارس عليها، من قبل الطبقات الرجعية المتخلفة، ومن قبل الظلاميين، و في إطار ممارسة الصراع الطبقي اليومي.

 

و  قد يقول قائل : إن الصحافة الاليكترونية محدوودة الأثر، فنرد عليه بأن  تلك المحدودية لها علاقة بالأمية، و الجهل، و  الفقر، و عدم القدرة على استيعاب كيفية التعامل مع الحاسوب، أو مع الشبكة العنكبوتية. و هذه المسألة تعتبر ظرفية في تاريخ الشعوب . لأن الحواسيب ستصير من مستلزمات التجهيزات المنزلية، و سيملك جمميع أفراد كل أسرة على حدة، القدرة على التعامل مع الحاسوب، و مع الشبكة العنكبوتية. و هو ما يعني أن المستقبل للصحافة الإليكترونية، و هو ما تدركه معظم الصحف التي تتخذ لها مواقع إليكترونية، خاصة،  و أن مستقبل الصحافة الإليكترونية ينبئ بأنه سيصير في متناول الجميع، و بمقابل زهيد، أو بدون مقابل، في الوقت االذي تصير فيه الصحافة المقروءة، بالخصوص، صحافة مكلفة لمنتجها،  و لقرائها في نفس الوقت.

 

و انطلاقا من هذا التوقع، فإن الصحافة الإليكترونية ستلعب دورا رائدا يتمثل في :

 

1) إتاحة الفرصة للرؤى، و التصورات المختلفة، التي تلعب دورا في جعل الجماهير الشعبية الكادحة تبلور تصوراتها المختلفة حول مجمل القضايا الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، حتى يتأتى لها  معرفة  ما  يجب عمله، من أجل مواجهة  ما يمارس عليها من تضليل إيديولوجي، و سياسي، بسبب ما يمارس عليها من استغلال طبقي، و من أجل أن تتمتع بحقوقها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، كما هي في المواثيق الدولية، و في إطار دولة الحق، و القانون، التي ليست إلا دولة الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

 

2) جعل المعلومة في متناول الجميع، حتى لا تبقى حكرا على طبقة اجتماعية، دون سائر الطبقات الكادحة، التي يستفيد أبناؤها من التعامل مع نوادي الشبكة العنكبوتية، أولئك الأبناء الذين يحتاجون إلى التوجيه الحسن، حتى يصيروا قنطرة مرور المعلومة الإليكترونية من الشبكة العنكبوتية إلى جميع  أفراد الأسرة، و حتى يصير الجميع قادرا على التعامل مع الحاسوب، و متمكنامن فهم الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، مما يجعله قادرا على الخروج بالخلاصات الضرورية، لترتيب ما يجب عمله في أفق تحسين أوضاعها المادية، و المعنوية، و سعيا إلى تغيير واقعها بما فيه مصلحتها.

 

3) العمل على فضح، و تعرية الاستغلال الهمجي، الذي تتعرض له الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة، حتى تزول الغشاوة عن أعين الكادحين الذين يمارس عليهم الاستغلال المادي، و المعنوي، و حتى تنكشف أحابيل المستغلين، و ما يمارسونه من تضليل إيديولوجي، و سياسي، على الكادحين. ليصير ذلك الفضح خير وسيلة لتعبئة الكادحين، في أفق طرح مطالبهم المختلفة، و النضال من أجل تحقيق تلك المطالب، وفي إطار وحدة طبقية متراصة، تقف سدا منيعا أمام ما تمارسه الطبقات المستفيدة من الاستغلال الهمجي.

 

4) العمل على فضح و تعرية الانتهاكات الجسيمة، التي تصدر عن أجهزة الدول المختلفة بتوجيهه  من الطبقات الحاكمة في تلك الدول، حتى تتم إثارة اهتمام الرأي العام المحلي، و الوطني، و القومي، و الدولي بتلك الانتهاكات، فتعمل مختلف الهيئات الحقوقية، و في مستوياتها المختلفة، على محاصرة،  و فضح، و تعرية تلك الانتهاكات، و تعبئة الرأي العام ضد مرتكبيها، و الدفع في اتجاه  محاكمتهم حتى يتخلص الناس من مختلف الانتهاكات الجسيمة التي يجب أن تدخل في ذمة التاريخ.

 

5) التعريف بالتراث النضالي للشعوب الذي تسترشد به الجماهير الشعبية الكادحة، وبالفكر المتنور، و الفكر الاشتراكي العلمي، الذي يتحول سلاحا ضد الفكر الظلامي، و الرجعي المتخلف، و الفكر البورجوازي التابع، و البورجوازي،  و البورجوازي الصغير، الذي لا يرقى إلى مستوى مواجهة الفكر المتخلف، بسبب توفيقيته، و تلفيقيته، و نظرا لحربائية البورجوازية الصغرى.

 

فالتعريف بما هو جميل في تاريخ البشرية  يعتبر ضرورة تاريخية، و أساسية بالنسبة للصحافة الاليكترونية الملتزمة، حتى تكتسب مصداقيتها. و حتى تلقى إقبالا متزايدا من المتعاملين معها، و على جميع المستويات المحلية، و الوطنية، و القومية، و العالمية، لأن ما هو جميل في تاريخ االشعوب، و  في تراثها، و في فكرها، يوجد في كل مكان.

 

و هكذا  نجد أن دور الصحافة الاليكترونية، يبقى واردا، بفعل التطور الذي تعرفه البشرية، و الذي لا يمكن أن يكون إلا في صاالح الجماهير الشعبية الكادحة، رغماعن الإقطاع المتخلف،  و عن الظلامية  المغرقة في التخلف، و رغما عن البورجوازية التابعة، و البورجوازية، و البورجوازية الصغرى، حتى يتأتى زوال التضليل،  و حتى تتضح الرؤيا، أمام الكادحين الذين يزدادون، مع مرور الأجيال، ارتباطا بالصحافة الإليكترونية التي ستصير في متناول الجميع،  بعيدا عن أي رقابة يمكن أن تقوم بها الطبقات الحاكمة.

 

الحوار المتمدن كعلامة مستقبلية رائدة في عالم الصحافة الإليكترونية الملتزمة :

 

والمفهوم الذي حددناه للصحافة الملتزمة، نجده متجسدا فعلا في الجريدة الإليكترونية: الحوار المتمدن، التي ساهمت بشكل كبير،  و منذ صدورها، في الحوار المتمدن بين الآراء، و التصورات  الفكرية، و الإيديولوجية،  و السياسية، و التنظيمية، المتقاربة، أو المتماثلة، أو المتناقضة أحيانا،  لأنها، و  مهما حاول الكائدون النيل منها،  فإنها تبقى أمل القراء، و المتتبعين، الذين يسعون إلى الحصول على معلومة، و بزوايا النظر المختلفة، و التي لا  يمكن أن نجدها بسهولة،  و هكذا في مواقع اليكترونية أخرى. إما لأنها ليست صحافة  إليكترونية ملتزمة، أو  لفهمها الضيق لمفهوم الصحافة الملتزمة.

 

و لذلك نجد أن الحوار المتمدن كصحيفة إليكترونية، صارت منبرا للاراء المتصارعة،  و الديمقراطية،  و التقدمية، و اليسارية، والاشتراكية، حول مجمل القضايا الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و السياسية،  و حول قضايا حقوق الانسان على المستوى العربي، و الإسلامي،  و العالمي، و حول معاناة الأقليات في البلاد العربية، و باقي بلدان المسلمين، و حول ممارسات الأنظمة الرجعية المتخلفة، و النظام الرأسمالي العالمي. و هو ما يجعلها مساهمة فعلا في إثراء الثقافة العربية، و الإسلامية، و الانسانية،  و رفع مستوى وعي الناس المتعاملين مع ما ينشر فيها، حتى يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية، في العمل على تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، التي هي قوام دولة الحق، و القانون، و شرط للنضاال الديمقراطي، في أفق تحقيق الاشتركية.

 

و الحوار المتمدن، عندما  تطرح مختلف القضايا، و بوجهات نظر مختلفة،  و عندما تعمل على نشر الوعي المتطور، و المتقدم، الذي ينحو إلى أن يكون طبقيا، فلأنها تسعى فعلا إلى المساهمة الفعالة، و الرائدة، في التربية على الممارسة الديمقراطية، و  على حقوق الانسان، على المستويين النظري، و الميداني، و  في إشراك القراء، على اختلاف مشاربهم، في بلورة التصورات التي تعمل الحوار المتمدن على نشرها.

 

فما هي العوامل التي تجعل الحوار المتمدن جريدة إليكترونية رائدة، و ملفتة لنظر القراء، و  المتتبعين،  و لأعداء الديمقراطية، و الحرية، و العدالة الاجتماعية في نفس الوقت ؟

 

إن  الحوار المتمدن، التي جاءت في شروط عصيبة، و تاريخية، تتسم  بالتردي و سيادة القمع،  و في ظل سيادة القطب الواحد، في إطار ما يسمى بعولمة اقتصاد السوق، و لكن  كذلك  في ظل السعي إلى سيادة حقوق الانسان، و في ظل التحولات  الكبرى التي يعرفها العالم،  و على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و السياسية، ارتبط وجودها بمجموعة من العوامل نذكر منها :

 

1) الحاجة إلى وجود إعلام جاد، و مسؤول، و متميز، و ديمقراطي، و معبر عن إرادة الجماهير الشعبية الكادحة،  و عامل على نشر أشكال الوعي المتقدم في صفوفها، و حريص على أن يكون اللسان المعبر على لسانها، حتى ترتبط به، و تتغذى فكريا،  و إيديولوجيا،  و سياسيا،  منه، و حتى يتأتى لها أن تلعب دورا  رائدا في مواجهة  ما  يمارس عليها من قبل الحاكمين.

 

2) القمع الممنهج الممارس على الصحافة التقدمية،  و الديمقراطية، مما يجعلها غير قادرة على الاستمرار، بسبب ذلك القمع، و بسبب الحصار المادي و المعنوي المفروض عليها، مما  يجعل الأقلام الجادة، و الملتزمة بقضايا الجماهير الشعبية الكادحة،  لا تستطيع الاستمرار في الارتباط  بالجماهير المعنية بما تنتجه تلك الأقلام، و لا تملك  القدرة على مناهضة ذلك القمع،  نظرا لغياب  المنابر الصحفية القادرة على الوصول الى الجماهير المعنية.

 

3) الارتداد، الذي صار يسود بين الكتاب اليساريين، و التقدميين، و الديمقراطيين، بسبب الحصار المضروب على الصحافة الملتزمة، و رغبة في التخلص من الرقابة المرهقة لهؤلاء الكتاب، لينحازوا إما إلى الطبقة الحاكمة، أو إلى البورجوازية الصغرى، أو إلى الظلاميين، متنكرين بذلك لأفكارهم التي كانوا يعملون على إقناع الناس بها، حتى يتأتى لهم النجاة بجلدهم، و بمبررات واهية، كما حصل بالنسبة للعديد من الكتاب، و المفكرين، الذين لعبت كتاباتهم دورا معينا، فانتهوا مروجين لأفكار نقيضة.

 

4) استئساد الطبقات الحاكمة، و حلفاؤها، على الجماهير الشعبية الكادحة،  نظرا  لغياب وسائل الاعلام المعتمدة، في فضح الخروقات، التي تقوم بها الطبقات، مما يجعلها تتمادى في ارتكابها لمختلف الخروقات، المنتهكة للحقوق الإنسانية، لإرهاب الكادحين، و جعلهم يرضخون للاستغلال الممارس عليهم، من قريب، أو من بعيد، من الرأسمالية  المحلية، أو الوطنية، أو العالمية، عن طريق خدمة الدين الخارجي، أو عن طريق الشركات العابرة للقارات، التي يعتبر وجودها رادعا لكل فكر حر و متطور.

 

5) استفحال أمر الظلاميين، المغرقين في أدلجة الدين الاسلامي، بالخصوص، و المدعين للارتباط بالغيب، و الموظفين لأيمان المسلمين بالدين الاسلامي، من اجل الاستحواد على فكرهم، و على ممارستهم، و الشروع في تجييشهم، من منطلق الوصاية على الدين الاسلامي، و في أفق فرض استبداد بديل، باسم قيام "الدولة الاسلامية". لأن الظلاميين لا يهدفون من وراء أدلجتهم للدين الاسلامي، إلا إلى الوصول إلى فرض استبداد بديل، يسمونه "الدولة الاسلامية"، التي تتحقق في اطارها تطلعات الظلاميين الطبقية.

 

6) غياب القطب الاشتراكي، القائد للصراع العالمي، ضد القطب الرأسمالي، بسبب انهيار المعسكر الاشتراكي، بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق، الذي كان يتزعم الدول المناهضة للاستعمار الرأسمالي، بأشكاله المختلفة، و من أجل تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، على المستوى العالمي، و هو ما كان يعطي للصحافة الملتزمة إمكانية كبرى، لا حدود لها، في الترويج للفكر الاشتراكي العلمي، الذي بدونه لا يكون هناك وعي طبقي، و لا تقوم حركة ديمقراطية، و لا حركة تقدمية، و لاحركة عمالية، و لا يظهر من يحرص على قيام صحافة ملتزمة، و لا من يدعم تلك الصحافة، في حالة وجودها، مما يؤدي بها إلى الانحسار، ثم الاختفاء، كما هو حاصل الآن على المستوى العالمي، بسبب عملية الاستئصال الرأسمالي، و الرجعي، و الظلامي، للصحافة الملتزمة من الواقع.

 

7) شيوع عملية الارتداد، في صفوف البورجوازية الصغرى، و في صفوف أحزابها مما انعكس على صحافتها التي تحولت من صحافة ملتزمة إلى صحافة بورجوازية، أو رجعية، أو ظلامية، مما انعكس سلبا على الموقف من الصحافة، و من الاحزاب التي عرف عنها أنها تقود نضالا معينا، لصالح الجماهير بصفة عامة، أو  لصالح فئات معينة من المجتمع. و معلوم ما لهذا النوع من الارتداد، في صفوف الكادحين، من أثر سلبي عليهم، و على مستقبلهم، بسبب حالة اليأس، التي تجتاح صفوفهم، و تدفع بهم إلى السقوط في مهوى الرجعية، و الظلامية، ليصيروا مجالا للاستغلال المادي، و المعنوي، و للاستغلال الأيديولوجي في نفس الوقت.

 

و هذه العوامل مجتمعة، أو متفرقة، لا يمكن أن تكون إلا باعثا  على ضرورة إيجاد وسيلة ناجعة، لفك الحصار المضروب على الصحافة الملتزمة من جهة، و على الجماهير الشعبية الكادحة من جهة أخرى. و هذه الوسيلة ليست إلا الصحافة الإليكترونية الملتزمة، التي تأتي  في طليعتها صحيفة الحوار المتمدن، التي صارت،  فعلا، منبرا للرأي، و للرأي الآخر، و مجيبة على الكثير من الأسئلة التي يطرحها الكادحون، و المهتمون بقضايا الكادحين،  و على مختلف المستويات الإيديولوجية، و التنظيمية، و السياسية، وصولا إلى استعادة الوعي بضروررة وجود حركة داعمة للصحافة الملتزمة، و محتضنة لها، و مفعلة لوجودها، و في نفس الوقت بضرورة وجود حركة تقدمية، و يسارية، و ديمقراطية مناضلة، تعكس الغاية المتوخاة من وجود الصحافة الملتزمة، وفي طليعتها الحوار المتمدن الاليكترونية، لأن العلاقة بين الصحافة الملتزمة، و قيام حركة مناضلة، من أجل تحقيق أهداف محددة هي علاقة جدلية. و نحن لا نشك أبدا في أن قيام الحركة التقدمية بدورها  في استعادة مجد الصحافة الملتزمة، انطلاقا من تجربة الحوار المتمدن، التي تحتاج من كل المتنورين، و كل التقدميين، و كل اليساريين، و كل الديمقراطيين، إلى الدعم المادي، و المعنوي، اللامشروط، حتى تستمر في لعب دورها، و حتى تصير ذلك الموجه الجماعي، على المستوى العالمي، لعمل، و ممارسة الكادحين أينما كانوا، و حتى تصير عاملا من عوامل قوة الكادحين أنفسهم، حتى يتأتى لهم امتلاك السلاح الأيديولوجي، و السياسي، و التنظيمي،  لمواجهة الظلامية، و الرأسمالية، و في أفق تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

 

الحوار المتمدن صحافة كل اليساريين :

 

و باعتبار الحوار المتمدن صحيفة إليكترونية مجسدة للصحافة الملتزمة، وبالمفهوم الذي حددناه، و في هذه المعالجة، تصير الحوار المتمدن معبرة، فعلا، على لسان كل اليساريين، على على اختلاف مشاربهم.

 

فاليسار الاشتراكي العلمي، يسعى إلى إشاعة الفكر الاشتراكي العلمي، عن طريق الحوار المتمدن، كمنبر اعلامي متميز، يفسح المجال لهذا  النوع من الفكر، الذي يصير في متناول المعنيين به، حتى يتأتى لهم امتلاك وعيهم الطبقي، و حتى يتسلحوا بذلك الوعي، لمواجهة الاستغلال المادي، و المعنوي، الممارس عليهم، من قبل الطبقات الممارسة لذلك الاستغلال. ذلك أن ترويج الفكر الاشتراكي العلمي بالطرق التقليدية كالمطبوعات، و الجرائد، و المجلات، صار مسألة شاذة في ظل هذا التردي السائد. و بما أن تلك الوسائل التقليدية لم تعد تلقى ذلك الاقبال الذي كان ممارسا من قبل، فإن صفحات الحوارالمتمدن تصير مجالا لإشاعة هذا الفكر، و نظرا للاقبال المتزايد على الصحافة الإليكترونية بصفة عامة، و على الصحافة الملتزمة بصفة خاصة. و هو ما يمكن اعتباره فرصة مناسبة أمام هذا الفكر، من جهة، و أمام الراغبين في التسلح به، من جهة أخرى، و بعيدا عن أشكال الرقابة التي تلاحق الفكر الاشتراكي العلمي، عبر الصحف، و المجلات، و الكتب التقليدية، منعا، و تضليلا، كما حصل خلال القرن العشرين، و من قبل جميع التوجهات الإقطاعية، و البورجوازية، و البورجوازية الصغرى، والظلامية.

 

و ما قلناه عن صيرورة الحوار المتمدن مجالا لاشاعة الفكر الاشتراكي العلمي، نقوله عن كل أشكال الفكر اليساري، الاخرى، التي لها علاقة بالتجارب الاشتراكية المختلفة، المطبوعة بالخصوصية المحلية، كالتجربة اللينينية المبدعة، و المساهمة في إغناء الفكر الاشتراكي العلمي، انطلاقا من العمل في الميدان الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و السياسي، في واقع معين، و مختلف،  لاختلاف الشروط الذاتية، و الموضوعية، و كالتجربة الماوية، التي قدمت الكثير للإنسانية، و انطلاقا من توظيف الفكر الاشتراكي العلمي، لانجاز التجربة الاشتراكية الصينية، التي تبقى تجربة صينية، صرفة، لا يممكن أن تتكرر في واقع آخر، بقدر ما تبفى  مجالا للاستفادة بالنسبة للتجارب اللاحقة، و في  أماكن متعددة من العالم، و كالتجربة الفيتنامية، التي جاءت نتيجة للصراع التناحري، ضد الرأسمالية، في أبعادها المحلية، والجهوية، و العالمية، مما يجعل منها تجربة متميزة فعلا، و مثالا يقتدى به،  للوصول إلى إذلال قائدة النظام الرأسمالي، التي تلطخت سمعتها، بفعل ما قامت به في الفيتنام، على مدى عقود بأكملها من القرن العشرين، و كالتجربة الكوبية، الصامدة على مقربة من أقدام أكبر قوة، و أعظم جبروت في العالم، بالاضافة إلى التجارب التي قام بها أفراد معينون، أو أحزاب معينة، و في أماكن متعددة من العالم، و خاصة في أمريكا اللاتتينية، كالتجربة التي قادها تشيغيفارا، و تجربة المهدي بن بركة، و تجربة عمر بن جلون، ممن يعتبرون مساهمين بثاقب فكرهم، في ترسيخ الفكر الاشتراكي العلمي، في الواقع المحلي، و الجهوي، و على  المستوى العالمي.

 

و الحوار المتمدن، عندما يصير مجالا لإشاعة الفكر الاشتراكي العلمي، و في أبعاده المحلية، و الوطنية، و الجهوية، و العالمية، فلأنها تلتزم برسالتها، التي تدعو إليها الضرورة الموضوعية، التي تقتضي العمل على فك الحصار، في مستوياته المختلفة، و الذي فرض على الفكر الاشتراكي العلمي، و من قبل جهات متعددة، و متلونة، تتفق جميعها على  كيل العداء للفكر الاشتراكي العلمي.

 

فالضرورة الموضوعية، القائمة الآن، تقتضي العمل على فك الحصار على الفكر الاشتراكي  العلمي، و هو ما  تقوم به الحوار المتمدن، التي استعادت من عمق الواقع المتردي، الحديث عن الاشتراكية، و الاشتراكيين، و الفكر الاشتراكي، و عن التجارب الاشتراكية المنجزة، و عن الاحزاب الاشتراكية، و دور تلك الاحزاب، في زرع الأمل بين الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة.

 

فما هي الشروط التي أدت إلى اعتبار الحوار المتمدن، ضرورة موضوعية، لإشاعة الفكر الاشتراكي العلمي، و في هذا الظرف بالضبط، و مع بداية القرن الواحد و العشرين ؟

 

  إنني شخصيا، و كاشتراكي علمي، و كمقتنع بأن المآسي التي تعيشها البشرية، لا يمكن تجاوزها إلا بالتخلي عن استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، الذي لا يتم إلا في اطار تحقيق المجتمع الاشتراكي، الذي هو حلم المقهورين، و المكلومين، و المنتجين الحقيقيين، للثروات التي تذهب إلى جيوب المستغلين، الذين يمارسون همجية الاستغلال على الكادحين.

 

و لذلك أرى: أن الشروط التي تحكمت  في جعل صحيفة الحوار المتمدن الإليكترونية، ضرورة موضوعية،  لإشاعة الفكر الاشتراكي العلمي، تتمثل في :

 

1) الحاجة إلى ايجاد منبر إعلامي يخترق جميع الحواجز، مهما كانت موصدة، و بدون استئذان. لايصال الفكر الاشتراكي العلمي إلى المعنيين به، العاملين على نشره بين الطبقات الاجتماعية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة، حتى يلعب الفكر الاشتراكي العلمي، دوره، في بث الوعي الطبقي الحقيقي، في صفوف المعنيين به، الذين يتسلحون بذلك الوعي، لمواجهة ما يمارس عليهم من استغلال همجي، في ظل عولمة اقتصاد السوق.

 

2) سيادة الرجعية، و الظلامية، التي تتوفر لها إمكانيات ضخمة، على مستوى الإعلام السمعي-البصري، و الإعلام المكتوب، مما يجعل هذا الاعلام، يكسب اهتمام المتتبعين، على جميع المستويات الفكرية، و العقائدية، و الايديولوجية، و السياسية، فيتجيشون إما وراء ما ترغب فيه الطبقة الحاكمة، و إما وراء الظلاميين، المغرقين في أدلجة الدين الاسلامي، الأمر الذي يشكل سدا منيعا، أمام الفكر الاشتراكي العلمي، الذي يسلك نفس مسار الوسائل السمعية البصرية، و المكتوبة.

 

 

و لذلك كانت الصحافة الإليكترونية ضرورية، من أجل اختراق كل الأماكن التي يرتاد، فيها، الناس الوسائل الاليكترونية. و في هذا الاطار، تأتي أهمية جريدة الحوار المتمدن الاليكترونية، كأهم جريدة تنال اهتمام المتتبعين حتى الآن.

 

3) افتقاد الكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملةن و سائر الفصائل اليسارية، و التقدمية، و الديمقراطية، ومن يتكلم باسمهم، و  يعكس طموحهم،  و يعبر عن رأيهم، على جميع المستويات التنظيمية، و المطلبية، و النضالية، و يفضح ما يمارس في حقهم من خروقات، مما يجعل الحوار المتمدن، كجريدة اليكترونية، هي المعبر الفعلي عن سائر الكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة، الذين يجدون، فيما ينشر على صفحاتها، يوميا، من مقالات، و دراسات، و أبحاث، و أخبار، و بيانات، و مواقف، لمختلف التنظيمات الحزبية، و الجماهيرية، خير معبر عن إرادتهم على مستوى الوطن العربي،  و على مستوى البلدان الإسلامية،  و على المستوى العالمي، حتى يتأتى لهؤلاء الكادحين، أن يلتمسوا من جديد، و من خلال ما ينشر على صفحات الحوار المتمدن، امتلاك وعيهم الطبقي، و ينهضوا من جديد  للانخراط، كل حسب مستوى وعيه، في الأحزاب العمالية، و التقدمية، و الديمقراطية، و في المنظمات الجماهيرية، من أجل النضال، في أفق تحسين أوضاعها المادية، و المعنوية، و سعيا إلى تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و الاشتراكية، التي هي أمل الكادحين في كل مكان من العالم.

 

4) الحاجة إلى منبر إعلامي شامل، و جامع، يكون رهن إشارة جميع الأحزاب العمالية، و اليسارية، و  التقدمية، و  الديمقراطية، من أجل إشاعة جميع أنشطتها، أينما كان تواجدها، و كيفما كان، و هذا المنبر لا يمكن أن يكون هو الصحف المحلية، أو  الحزبية، أو الوطنية، أو القومية. لأن مستهلكي تلك الصحف، يبقون معدودين على مستوى كل صحيفة.

 

و لذلك كانت، و ستصير الحوار المتمدنن، هي المعبر عن مختلف التوجهات الحزبية، العمالية، و اليسارية، و التقدمية، و الديمقراطية، التي تنشر بياناتها، و مواقفها، و الأخبار عن انشطتها المختلفة، عبر  منبر الحوار المتمدن، لتتجاوز بذلك حدود تواجدها، و ليصير الإعلام الحزبي ببعد كوني، و يصير المتتبع على علم بما يقوم به كل تنظيم حزبي، في أي نقطة من العالم.

 

5) الحاجة إلى التزود بالمعرفة العلمية، التي يمكن أن تفيد في تطور الواقع، أو تساعد على تطويره، و في تطور التنظيمات الحزبية، أو تساعد على تطويرها، حتى تلعب دورها التاريخي، في إعداد الكادحين،  و طليعتهم الطبقة العاملة، للعمل  على تحسين أوضاعهم المادية، و المعنوية، باستمرار، في  افق القضاء على الاستغلالن و تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و  العدالة الاجتماعية.

 

ذلك ان التزود  بالمعرفة العلمية، يعتبر سلاحا أساسيا في محاربة كل معيقات التطور، و التقدم الايديولوجي، و السياسي، و التنظيمي، و المعرفي، الذي يساعد على ترشيد الحياة  العملية، التي تصير بفعل المعرفة العلمية، متطورة، في جميع المجالات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و في جميع مناحي الحياة، مما ينقل الواقع، من مستوى، إلى مستوى آخر، و يجعل الانسان يأخذ طريقه في اتجاه التماس الفكر المستنير، كمقدمة للتسلح بالفكر العلمي، الذي يساعد بشكل كبير على إغراق البشرية في التخلف المادي، و المعنوي، و العقائدي، الذي لا علاقة له بمتطلبات العصر.

 

و بإنضاج الشروط  الموضوعية، و العمل على تكريسها، تصير الحوار المتمدن، صحافة كل اليساريين، الذين يفتقدون القدرة على إيجاد منابر إعلامية تعكس رأيهم في الساحة الاعلامية، و تجعلهم يتمكنون من المساهمة في استعادة الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة، لوعيها الطبقي الحقيقي، الذي صار مفتقدا في الساحة الجماهيرية، بصفة عامة، و في صفوف الطبقة العاملة بصفةخاصة، نظرا لسيادة الإعلام الرجعي، و الظلامي المتخلفين، و بدعم من الطبقة الحاكمة.

 

و الحوار المتمدن، هي الصحيفة، التي يمكن أن تلعب ذلك الدور المفتقد مستقبلا، بفعل اتساع خريطة المتعاملين معها. و هو ما يجب أن يسعى إليه اليساريون جميعا، على مستوى  الوطن العربي، و على المستوى العالمي. حتى تتوحد رؤاهم، و  تصوراتهم، حول مختلف القضايا  المطروحة، و التي لها علاقة بواقع الكادحين و طليعتهم  الطبقة العاملة.

 

الحوار المتمدن جبهة إعلامية يسارية متميزة :

 

و انطلاقا من اعتبار صحيفة الحوار المتمدن الإليكترونية، صحيفة كل اليساريين على اختلاف إيديولوجياتهم، و تنظيماتهم، و مواقفهم السياسية، على المستوى القومي، و  على المستوى العالمي، فإن حوار أفكار اليساريين، بتوجهاتهم السياسية، قد يؤدي  إلى بلورة قواسم مشتركة، بين جميع اليساريين، سواء  تعلق الأمر بالمستوى  الوطني، أو المستوى القومي، أو المستوى العالمي.

 

و هذه القواسم المشتركة، ستتبلور هكذا، و بطريقة تلقائية على مستوى الساحة الإعلامية،  و من خلال  صحيفة الحوار  المتمدن الاليكترونية. و هو أمر لابد و أن يكون خطوة أساسية  في اتجاه بناء  جبهة إعلامية توحد خطاب اليساريين، أينما  كانوا، و كيفما كانوا، سواء تعلق الأمر بالخطاب السياسي، أو بالخطاب الأيديولوجي،  أو بالخطاب التنظيمي، لأنه بدون وحدة الخطاب في هذه المستويات الثلاثة، سيصعب  العمل الوحدوي لليسار في الساحة الإعلامية أولا، ثم في الساحة الجماهيرية ثانيا،  و من أجل قيام  جبهة يسارية، تقود نضالات اليسار ثالثا. 

 

و لذلك نرى ضرورة اعتبار صحيفة الحوار  المتمدن، مؤطرا إعلاميا للجبهة اليسارية على المستوى الإعلامي لاعتبارات  نذكر من بينها :

 

1) أن جميع اليساريين، و على اختلاف  توجهاتهم الأيديولوجية، و مواقفهم السياسية، يتخذون من الحوار المتمدن، منبرا لهم، بقطع النظر عن اتفاقهم، أو اختلافهم، مع خطها الإعلامي الذي يعكس الرأي، و الرأي  الآخر، في نفس الوقت. ذلك الخط الإعلامي، الذي سمع باستقبال جميع المساهمات اليسارية  على صفحات جريدة الحوار المتمدن.

 

2) أن المنتمين إلى اليسار، صاروا أكثر ارتباطا بصحيفة الحوار المتمدن الإليكترونية، مما يجععلهم لا يقوون على تجاوز خطها الإعلامي، الذي يصير موجها لمسلكية جميع اليساريين، في مشارق الارض، و مغاربها، حتى يتم توحيد ممارسة جميع اليساريين الأيديولوجية و التنظيمية، و السياسية.

 

3) أن الحوار المتمدن صارت، و بفعل الواقع القائم، مصدر المعلومة الأيديولوجية، و السياسية، و التنظيمية، المحلية، و الإقليمية، و الوطنية، و القومية، و العالمية. و هو ما يجعل منها مرجع أساسيا لليساريين، بصفة خاصة، و للديمقراطيين، و سائر الناس، بصفة عامة.

 

4) أن كل اليساريين، و الديمقراطيين، يتحولون إلى كتاب في الحوار المتمدن، و مراسلين لها، سعيا إلى جعل الحوار المتمدن، جريدة معولمة، و معولمة للفكر الإنساني، و للفكر اليساري، و لكل ما هو جميل، مما يمكن اعتماده في مواجهة همجية عولمة اقتصاد السوق، الذي أذاق الكادحين، وعلى المستوى العالمي، المزيد من الكوارث الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية. و هو ما يجعل الحوار المتمدن أفضل وسيلة لعولمة مقاومة اقتصاد السوق.

 

5) أن المستقبل سيكون – و لاشك- للصحافة الإليكترونية، التي ستصير صحافة المستقبل، الذي تصير فيه الريادة  للحوار المتمدن، التي لا توجد جريدة أخرى منافسة لها على مستوى الإعلام الاليكتروني.

 

6) أن التطور العلمي، و التكنولوجي، سيزيد من أهمية الصحافة الإليكترونية، نظرا لسرعتها الفائقة في عملية التبليغ، التي  تجاوزت كل الحدود المرسومة، و غير المرسومة، مما يجعل المتتبعين يلتمسون الجودة، و المصداقية، في الاعلام الاليكتروني. و هذه الجودة، و المصداقية، متوفرتان في الحوار المتمدن، الأمر الذي يرشحها لأن تصير صحيفة كل اليساريين، و كل الكادحين، و كل العمال، أينما كانوا.

 

7) أن شيوع المعرفة الإليكترونية بين الشباب، و اليافعين بالخصوص، سيجعل المستقبل للصحافة، التي ستصير الجودة الإعلامية المقدمة، من خلالها، مجالا للمنافسة، و بما أن الحوار المتمدن، متفوقة في ميدانها، فإنها ستتمتع بالريادة في تقديم الاعلام الجيد، على جميع المستويات المحلية، و الاقليمية، و الوطنية، و القومية، و العالمية.

 

 

و بهذه الاعتبارات، و غيرها، يمكن القول، بأن الحوار المتمدن، تشكل فعلا جبهويا، إعلاميا، قائما في الواقع، و يفرض  نفسه فعلا بقوة، و بضرورة الحاجة إلى إعلام منفلت من الممارسة البيروقراطية، و من التوجيه الحزبي الضيق، و تتوفر من خلاله إمكانيات كبيرة، بجوار الأفكار، و  التوجهات اليسارية، من أجل الخروج بخلاصات تلقائية، كأرضية لعمل اليسار الوحدوي، و على تغيير ميزان القوى، لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، التي هي الهدف من إعلام متميز، و جاد، مثل إعلام الحوار المتمدن.

 

و لعل ما مورس مؤخرا ضد صحيفة الحوار المتمدن، من قبل الجهات التي ليس من مصلحتها شيوع إعلام من هذا النوع، خير دليل على أن الحوار المتمدن، تشكل جبهة إعلامية يسارية عربية، و غير عربية، و عالمية، و من أجل إيقاف هذا العمل الجبهوي حتى لا يقوم بدوره كاملا.

 

فهل تستمر الحوار المتمدن في كونها جبهة إعلامية متميزة و يسارية ؟

 

و هل تسعى إلى تطوير هذا العمل الجبهوي الإعلامي اليساري ؟

 

إننا واثقون في المستقبل، و واثقون أكثر في إرادة إدارة صحيفة الحوار المتمدن. و وثوقنا ذاك هو الذي يجعلنا نجزم بأن الحوار المتمدن، ستستمر جبهة اعلامية يسارية، و ستعمل على تطوير هذا العمل الجبهوي الاعلامي اليساري، في أفق ترسيخ قاعدة النضال من أجل الحرية، و الديممقراطية، و العدالة الاجتماعية، في كل مكان من العالم.

 

الحوار المتمدن صحافة كل الديمقراطيين :

 

و إذا كانت صحيفة الحوار المتمدن الإليكترونية تشكل بطريقة تلقائية جبهة إعلامية غير مقصودة، حتى وجدت نفسها كذلك، و إذا كان من طبع اليساريين الحقيقيين، أن لا يكونوا إلا ديمقراطيين، نظرا للالتزام القائم بين مفهوم اليسار، و بين الديمقراطية، وبمضمونها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و نظرا للتناقض القائم بين الديمقراطية، و اليسار من جهة، و بين الرجعية و التخلف من جهة أخرى، فإننا نرى، و انطلاقا من التلازم بين اليسار و الديمقراطية، و عن طريق انفتاح الحوار المتمدن على الرأي، و الرأي الآخر، أن صحيفة  الحوار المتمدن الإليكترونية، هي صحيفة كل الديمقراطيين، بقطع النظر عن كونهم يساريين، أو غير يساريين، و سواء كانوا ينتمون إلى البورجوازية الليبرالية، أو إلى البورجوازية الصغرى، و لا يهم إن كان هؤلاء يخلصون فعلا في الممارسة الديمقراطية، حتى و إن تناقضت مع مصالحهم الطبقية، أو مؤدلجين لها، كما هو الشأن بالنسبة لممارسي ديمقراطية الواجهة في العديد من البلدان، و التي لا تخدم في نهاية المطاف إلا مصالح الطبقة الحاكمة.

 

و اعتبارنا لصحيفة الحوار المتمدن الإليكترونية، هي صحيفة كل الديمقراطيين، مهما تعددت مشاربهم الفكرية، و الأيديولوجية، و السياسية، و التنظيمية، ناتج عن :

 

1) كون الاعلام الإليكتروني، إعلاما ديمقراطيا، إذا أراد أن يضمن لنفسه التواصل، مع جميع الناس، مهما كانت مشاربهم الفكرية، و الايديولوجية، و السياسية، و إلا فإن مصيره الإهمال، ثم الموت، و هو ما لا ترضاه الحوار المتمدن لنفسها، مهما كانت المصاعب التي تعترضها، و كيفما كانت التحديات التي تواجهها. و لذلك فهي لا يمكن أن تكون إلا ديمقراطية، و منفتحة على جميع الديمقراطيين.

 

 

2) أن جميع الديمقراطيين يعملون على أن تصير الحوار المتمدن صحيفتهم الأولى، لأنهم وجدوا فيها الامل الذذي  يفتقدونه، حتى في صحف الأحزاب التي ينتمون إليها، فهي تتقبل التعامل مع جميع الرؤى، و التصورات، حتى تجعلها في متناول كل الديمقراطيين، لا في البلاد العربية فقط، بل في جميع أنحاء العالم، نظرا لشمولية إعلام الحوار المتمدن، و كونيته، و تقبل الحوار المتمدن للتعامل مع الرؤى، و التصورات، مهما كانت متناقضة، و يؤدي بالضرورة إلى  القيام بالعمل على بلورة أفق جديد، للفكر الديمقراطي، و للممارسة الديمقراطية، بمضمونها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و العمل على عولمة ذلك الأفق الديمقراطي، حتى يصير مطلبا إنسانيا.

 

3) أن الحوار المتمدن، بصيروتها مستقطبة لكل الديمقراطيين، و مبلورة للأفق الجديد للديمقراطية، و معولمة له، تصير معبرا إلى جعل الإعلام الديمقراطي ديدن جميع المتتبعين، مهما كانت رؤاهم للديمقراطية مختلفة، و مخالفة، فيعملون على جعل مختلف المنابر الإعلامية، منابر ديمقراطية، على غرار منبر الحوار المتمدن، لننتقل بذلك إلى عولمة الإعلام الديمقراطي، و لتصير الديمقراطية، هي العلامة المميزة، لكل إعلام ديمقراطي يريد الاستمرار، و التطور، و استقطاب القراء، و توجيه الفعل الديمقراطي، الحقيقي، في الواقع، حتى يصير الناس منخرطين في النضال الديمقراطي العام، و في النضال الديمقراطي الخاص، و من أجل تحقيق االحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، كثمرة تقف الحوار المتمدن من وراء إنتاجها.

 

4) أن الصحافة الديمقراطية المتبلورة، عبر تجربة الحوار المتمدن، تتحول إلى آلية، من الآليات المعتمدة، للتربية على الممارسة الديمقراطية، التي تتسرب عبر ذلك  الإعلام الديمقراطي، إلى المسلكية الفردية، و الجماعية، و إلى نسيج العلاقات الاجتماعية، في أبعادها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية و السياسية، من أجل بناء إنسان ديمقراطي، و تحويل جميع أفراد المجتمع، أي مجتمع، إلى ديمقراطيين، يحرصون على بناء حياة ديمقراطية، تعمل على بناء دولة ديمقراطية، تكون في خدمة الشعب، في كل بلد من البلدان التي تطمع الحوار المتمدن إلى اشاعة الديمقراطية فيها.

 

و الدولة الديمقراطية، هي بالضرورة، دولة الحق، و دولة حقوق الانسان، التي تعمل على ملاءمة جميع القوانين المحلية، مع المواثيق الدولية المتعلقة  بحقوق الانسان، الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية. و الدولة عندما تصير ديمقراطية، تتيح فرصة كبيرة أمام إمكانية التحول إلى دولة اشتراكية، و خاصة في البلدان  التي عرفت أنظمة مستبدة، أو  تاابعة، تذيق شعوبها الكثير من المرارة.

 

و بذلك يتبين أن صيرورة الحوار المتمدن، منبرا  لكل الديمقراطيين، في البلاد العربية، و في غيرها من البلدان ذات الانظمة التابعة، و  في جميع أنحاء العالم، سيقف، و لاشك، وراء  مجموعة من التحولات، التي تتجسد بالخصوص، في اعتبار الحوار المتمدن  قدوة للصحافة التي تسعى إلى أن تصير ديمقراطية، كما تتجسد في تحولها إلى آلية من آليات التربية على حقوق الانسان، و على الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، كقيم كبرى، تسم الدولة الديمقراطية، التي لا يمكن  أن تكون إلا دولة الحق، و القانون، و ضامنة للنضال من أجل تحقق الدولة الاشتراكية، التي تكرس الديمقراطية الفعلية، و بمضامينها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و إلى الأبد الذي يقطع الطريق أمام عودة الاستبداد الرأسمالي التبعي ...

 

 

الحوار المتمدن  صحيفة كل العلمانيين :

 

 

و بما أن اليساريين الحقيقيين، لا يمكن أن يكونوا إلا ديمقراطيين،، و بما أن الديمقراطيين لا يمكن أن يكونوا الا علمانيين، فإن جريدة الحوار المتمدن الاليكترونية، هي في نفس الوقت صحيفة كل العلمانيين، مادامت تسعى إلى تكريس الفصل بين الدين، مهما كان هذا الدين، و بين الدولة، مهما كانت هذه الدولة، من خلال منهجها الإعلامي الهادف إلى بيان خطورة الدولة الدينية على مستقبل البشرية. لأن الدين في هذه الدولة يتحول إلى سيف على رقاب  الناس من جهة، و إلى إيديولوجية تخدم مصالح الطبقة الاجتماعية الممسكة بذلك السيف من جهة أخرى.

 

و إذا تأتي لنا أن نقف على تلك الخطورة من خلال الإعلام الإليكتروني، فإن الريادة  في ذلك الإعلام تكون للحوار المتمدن، التي يسعى منهجها الإعلامي، كذلك، إلى بيان الدولة المدنية، بالنسبة لمستقبل البشرية، باعتبارها دولة ديمقراطية، و دولة الحق، و القانون، قبل ان تكون دولة رأسمالية، أو اشتراكية. ففي هذه الدولة تكون السيادة للشعب المحكوم من قبل الدولة المدنية، فهو الذي يضع الدستور الديمقراطي، و هو الذي يختار ممثليه انطلاقا من بنود ذلك الدستور، و هو الذي يختار الحكومة التي تناسبه، و هو الذي يقرر  مصيره بنفسه، في جميع المجالات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، حتى يطمئن على مستقبله، و على مستقبل أبنائه.

 

و الحوار المتمدن، عندما تكرس منهجها الاعلامي، تعمل على بيان خطورة الدولة الدينية، و أهمية الدولة المدنية، بالنسبة لمستقبل البشرية، لأن الدولة الدينية لا تكون إلا دولة مستبدة، مهما ادعى الممسكون بأمورها، بأنها تخذم مصالح البشرية، التي لا تكون إلا مسلوبة الإرادة، في ظل هذه الدولة، التي توظف مصالح الأوصياء على الدين، الذي تتم أدلجته لأجل ذلك، عن طريق التأويلات المغرضة، التي تجعل كل شيء، في هذا الكون، محكوما بإرادة الأوصياء على الدين، الذين لم تنصبهم قوة غيبية، بقدر ما نصبو أنفسهم، لغاية في نفس يعقوب، كما يقولون، لتحصين مصالحهم، و لجعل البشرية في خدمة تلك المصالح، و باسم القوة الغيبية.

 

و على خلاف الدولة الدينية، فإن الدولة المدنية، في منهج الحوار المتمدن، لا تكون إلا ديمقراطية، و حتى إذا لم تكن كذلك ، فإن الدولة يمكن أن تصير ديمقراطية، بفعل النضال الديمقراطي المتواصل، لأن الحاكمين في هذه الدولة، لا يدعون حكمهم باسم دين معين، و لا يوظفون النصوص الدينية، لحماية مصالحهم الطبقية. و لذلك، فالبشرية يمكن أن تنتزع منهم حقوقها بالنضالات المطلبية، و الديمقراطية، حتى تتحول الدولة المدنية إلى دولة ديمقراطية، بعيدة عن وضع سيف الدين على الرقاب، و ممكنة للجماهير الشعبية، من تقرير مصيرها بنفسها.

 

و الحوار المتمدن عندما تختار أن تكون جريدة إلكترونية لكل العلمانيين، فلأنها تختار :

 

1) العمل المستمر، على مناهضة دولة الاستبداد، مهما كانت هذه الدولة، حتى و إن كانت دولة دينية، لأن الاستبداد، هو مصدر كل المصائب، التي تلحق المجتمعات البشرية، على مر العصور، و هو السبب في العذاب و الألم العميق الذي يلحق الجماهير  الشعبية الكادحة، و كل من يدافع عن مصالحها، و يناضل من  أجل الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية. و هو السبب في المعتقلات  السرية، و العلنية، التي يوضع بين جدرانها المعارضون للانظمة الاستبدادية، في مشارق الارض، و مغاربها.

 

و بما أن الدولة الدينية لا تكون إلا مستبدة، فإن الحوار المتمدن، تعمل على نشر كل ما يساهم في تفكيك  الخطاب المؤدلج للدين، أنى كان هذا الدين، حتى تساهم في جعل المتعاملين معها، يصيرون مصدر إشعاع  للفكر المتنور، و العلمي، و الديمقراطي، باعتبار هذه الأشكال من الفكر أشكال علمانية. و هو ما يعني أن العلمانيين، سيجدون في الحوار المتمدن منبرا إعلاميا علمانيا، و هذا ما  يعني أيضا أن جريدة الحوار  المتمدن الإليكترونية جريدة كل العلمانيين.

 

2) العمل المستمر على إشاعة الفكر التنويري، الذي يعتبر شرطا لبداية أحداث قطيعة بين العقل المثالي، و العقل العلمي، لأنه بدون التنوير يبقى الفكر الخرافي، و الفكر الغيبي، و المثالي، بصفة عامة، هو السائد، و هو المتمكن من العقول، و هو الموجه للمسلكية العامة، و  الفردية، حتى تتمكن من استئصال بؤر االتنوير، و الفكر العلمي.

 

و لذلك نجد أن التنوير يعتبر سلاحا، فعالا، ضد الفكر الإقطاعي، و الفكر الظلامي المتخلف. و يعد المجتمعات البشررية للارتباط بالواقع، و الانطلاق منه، من أجل إنتاج الأفكار المتناسبة مع الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي،  و الثقافي، و السياسي المتجدد، و إعداد الناس  للعمل على  بلورة رؤى، و تصورات جديدة، و متطورة عن الواقع، و العمل على أجرأة تلك الرؤى، و التصورات، على  أرض  الواقع، من أجل الانتقال من تشكيلة اقتصادية اجتماعية متخلفة، إلى  أخرى متقدمة، أو أكثر  تقدما، حتى نغادر، و بصفة نهائية، ما يمارس على المجتمع مما يجعله يعتبر التخلف قدرا لابد منه، كما هو حاصل بالخصوص في البلدان العربية، و في باقي بلدان المسلين، و في البلدان الإفريقية، و حتى في البلدان الرأسمالية المتطورة، التي تعتبر ما وصلت إليه نهاية للتاريخ، كما ذهب إلى  ذلك المنظر الرأسمالي "فوكو ياما".

 

3) العمل المستمر على ترسيخ الفكر العلمي، لأن معظم ما ينشر على صفحات الحوار المتمد،ن بالمنهج العلمي الذي ينتج الفكر العلمي، االذي يصير في متناول كل المتتبعين لما ينشر، ليصير من خلالهم في متناول كل  الناس؟، لأن الحوار المتمدن تعوض بذلك إغلاق منابر الفكر العلمي، في مختلف البلاد العربية، وفي باقي بلدان المسلمين، بسبب العجز المادي، و المعنوي، و بسبب الحصار الذي فرضته الأنظمة التابعة، و نظرا لكون التوجهات الحزبوسلامية، المؤدلجة للدين الاسلامي، تضع  في اعتبارها العمل على استئصال الفكر العلمي من الواقع، في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين، عن طريق مهاجمة رموز ذلك الفكر، و محاصرتهم، و فرض ارتدادهم، او اغتيالهم ليسود في مقابل ذلك، الفكر الظلامي، الذي يرجع بالمجتمع إلى الوراء، و يدخله في غياهب الظلام.

 

و دور الحوار المتمدن في الشروط الراهنة، هو  العمل على استعادة مكانة الفكر العلمي، عن طريق نشر اجتهادات رموزه التاريخيين، و اجتهادات المفكرين العلميين المعاصرين، حتى يستعيد ذلك الفكر مكانته بين المجتمعات المحكومة بالأنظمة الرأسمالية، و المحكومة بالأنظمة التابعة في نفس الوقت. و الفكر العلمي، عندما ينتشر من جديد بين الناس، فإنه يساعد على ترسيخ الفكر العلماني، لأن الفكر العلمي هو فكر علماني بالضرورة.

 

4) العمل المستمر على دعم الحركة المناضلة، العاملة على سيادة العلمانية في الواقع، عن طريق اعتماد برامج علمانية، و تنويرية، و علمية في نفس الوقت، مساهمة منها  في العمل على تغيير الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و  السياسي، بناء على ذلك  البرنامج العلماني، حتى يترسخ بين الناس  مطلب فصل الدين عن الدولة، الذي يصير، مع مرور الايام، ممارسة على أرض الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و السياسي، و يصير ما لله لله، و ما  لقيصر لقيصر، كما يقال، و يزول التفكير في  قيام الدولة الدينية و إلى الأبد، و يتم وضع الدساتير في البلاد العربية، و في باقي بلدان المسلمين، على هذا الأساس، و تراجع مختلف القوانين، من أجل بناء الدولة العلمانية، التي لا يمكن أن تكون إلا دولة ديمقراطية، و دولة الحق، و القانون.

 

و إذا كان للحوار المتمدن فضل في هذا الاطار، فإنه يتجسد في تحويلها إلى منبر لفضح، و تعرية، الانظمة الاستبدادية، التي تعتبر نفسها "دولا دينية"، أو تمثل الدول الدينية، و تشريح ممارستها السياسية، والاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، حتى  يطمئن المناضلون العلمانيون، على  مستقبل الفكر العلماني، و حتى يتراجع الفكر الظلامي المتخلف، و حتى تنخرط الجماهير الشعبية الكادحة في النضال من أجل الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، التي لا تتحقق إلا في إطار الدولة العلمانية.

 

5) العمل على دعم الحركة الديمقراطية، في البلدان العربية و في باقي بلدان المسلمين، حتى تتحول الدولة الاستبدادية، في كل بلد على حدة، إلى دولة ديمقراطية، قائمة على أساس دستور ديمقراطي، و إجراء انتخابات حرة، و نزيهة، و تحقيق طموحات الجماهير الشعبية الكادحة، بناء على تحقيق الديمقراطية.

 

 فالديمقراطية شرط لقيام المجتمع العلماني، و الحوار المتمدن عندما تدعم الحركة الديمقراطية، و تجعل صفحاتها رهن اشارة مناضليها، فلأنها تؤدي رسالتها بامتياز، حتى تتحقق الديمقراطية الحقيقية،  و يتم وضع حد  للاستبداد الديني، و غير الديني، و إلى الأبد، و تتمكن الجماهير الشعبية الكادحة، من فرض  إرادتها على أرض الواقع، و يصير الواقع بذلك متطورا باستمرار، و في مستوياته المختلفة، حتى يتبين المسار، الذي يجب أن يأخذه التطور الحقيقي، و دون عراقيل تذكر، في اتجاه تحويل التشكيلة الاقتصادية، و الاجتماعية، القائمة إلى تشكيلة اقتصادية اجتماعية أرقى، ينتفي فيها استغلال الإنسان للإنسان.

 

و بذلك يتأكد فعلا، أن الحوار المتمدن، و إلى جانب كونها صحافة كل الديمقراطيين، فهي كذلك، بالضرورة، صحافة كل العلمانيين، الذين لا يتخذون من العلمانية شعار الاستهلاك، بقدر ما يجعلونها منهجا في الحياة العامة، و في الحياة الخاصة، حتى يتأتى تحويلها إلى وسيلة لتحويل المجتمع إلى الأفضل، بفضل الدعم اللامشروط، و التلقائي، الذي تقدمه الحوار المتمدن للعلمانيين، بوضع صفحاتها المختلفة رهن إشارتهم.

 

 

ما العمل من أجل استعادة مكانة الصحافة الملتزمة ؟

 

 

إن تجربة الحوار المتمدن هي تجربة فريدة، و رائدة، و لابد أن تكون في مستوى هذا التحول المعولم، و لابد أن تصير قدوة للصحافة الملتزمة بصفة عامة، و للصحافة الإليكترونية الملتزمة بصفة خاصة، حتى يصير تأثيرها واسعا في الساحة الإعلامية الملتزمة، أو في الساحة الإعلامية التي تدعي أنها ملتزمة بقضايا الجماهير الشعبية الكادحة.

 

فأزمة الصحافة الملتزمة، أنى كان توجهها، تكمن في سقوطها، في نفس ما تسقط فيه الصحافة الحزبية، ذات النظرة الضيقة، و خاصة تلك التي تسعى إلى فرض استبداد بديل، و لا تفسح المجال للرأي الآخر، و لا تمكن الطبقات الاجتماعية المقهورة، من إسماع صوتها، عبر الأقلام المعبرة عن رأيها على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، التي هي موضوع الضرر، بالنسبة لتلك الطبقات.

 

فما العمل من أجل أن تستعيد الصحافة الملتزمة مكانتها ؟

 

إن سعي الصحافة الملتزمة إلى استعادة نفس مكانتها، التي كانت تتمتع بها في عقود، معينة، من القرن العشرين، يقتضي:

 

 أولا أن تكون هذه الصحافة الملتزمة مبدئية، حتى تصير بطريقة مباشرة، و غير مباشرة، صحافة الجميع، شاء من شاء، و كره من كره، حتى تعكس الرأي، و الرأي الآخر.

 

كما يقتضي ثانيا، أن تصير معبرة عن إرادة الكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة، حتى يصير فعلها قائما في الواقع، رغم التحولات التي يعرفها، في اطار عولمة اقتصاد السوق.

 

و يقتضي ثالثا، أن يصير جميع أفراد المجتمع، الذين يجدون فيها ذاتهم، في حال ارتباطها بالواقع، و قيامها بالكشف عما يعتمل فيه، على جميع المستويات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، حتى يصير الواقع مكشوفا، و واضحا، أمام الجماهير الشعبية الكادحة بالخصوص، التي تسعى إلى اعتمادها مما يساعدها على تغييره.

 

و لذلك نجد أن مبدئية الصحافة الملتزمة، حتى و إن كانت معبرة على  لسان حزب معين، يفرض أن تكون هذه الصحافة :

 

1) ملتزمة بقضايا الجماهير بصفة عامة، و بقضايا الكادحين بصفة خاصة، حتى تساهم في إبراز تلك القضايا، و تجعلها حاضرة على المستوى العالمي، و القومي، و الوطني، و المحلي، و من أجل أخذها بعين الاعتبار، في كل القرارات التي تتخذ في الإطارات الرسمية، مما يجعل مكانة الجماهير الشعبية، و مكانة كادحيها بالخصوص، حاضرة في الممارسة اليومية للمهتمين على اختلاف مستوياتهم.

 

2) ديمقراطية، تفسح المجال أمام الرؤى المختلفة، و المخالفة، ولم لا المتناقضة ،  و أن تترك للمتتبعين، و للجماهير الشعبية الكادحة، أن ترجح، أو تجعل على ترجيح الرأي الذي تراه مناسبا لها، حتى تساهم في إعداد الجماهير الشعبية الكادحة، بالخصوص، إلى التربية على الممارسة الديمقراطية، التي صارت تعتبر شرطا لتحقيق التطور في التشكيلة الاقتصادية، و الاجتماعية، في ظل عولمة اقتصاد السوق، لأن عدم ديمقراطية الصحافة الملتزمة، سوف يجعلها عاجزة، عن أن  تعد الجماهير الشعبية الكادحة، إعدادا جيدا، لمعرفة ما يجب عمله لتغيير أوضاعها المادية و المعنوية.

 

3) تقدمية، حتى تتمكن من تحويل مفهوم الإعلام، من مفهوم رجعي متخلف، إلى مفهوم  تقدمي متطور. يساهم بشكل كبير في تقديم إعلام نوعي، متقدم، و  متطور، و حامل لأشكال الوعي الإيجابي، الذي يجب أن يصير سلاحا للجماهيير االشعبية الكادحة، التي  تعتمده  في التعاطي مع واقعها، الذي تعمل على تغييره، لصالحها، على جميع المستويات، لأنه بدون قيام الصحافة الملتزمة بحمل ذلك الوعي، و بثه في صفوف المعنيين به، لا تكون تقدمية، و لا تعمل على إعداد الكادحين لتغيير أوضاعهم المادية، و المعنوية. فالتقدمية و الالتزام، وجهان لعملة واحدة.

   4) جماهيرية، تهتم بمختلف القضايا، التي  تتناول اهتمام مختلف الشرائح الاجتماعية، ومختلف الطبقات القائمة في المجتمع، لأنه باهتمامها بالقضايا المحلية، و الوطنية، و القومية، و العالمية، و الانسانية، و الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، تستطيع أن تجد لها  مخاطبا، متعدد الأوجه، و أن تجعل إعلامها متخللا لنسيج المجتمع، رغما عن المتربصين بالاعلام الملتزم، الذين سيسلمون بالامر الواقع، و سيعترفون، هم أنفسهم، بأهمية الإعلام الملتزم، و بضرورته، و بدوره، بالنسبة لاعداد الجماهير الشعبية الكادحة، و تربيتها على الديمقراطية، و التنظيم، لتصير بذلك جماهيرية الاعلام الملتزم قائمة في الواقع، لا يمكن التخلي عنها، و لا تجاوزها على مستوى ما يجري في الواقع.

 

5) مستقلة، حتى و إن  كانت حزبية، عن طريق التعامل مع مختلف الرؤى، و التصورات المختلفة، و المخالفة، المتفاعلة في الواقع، حتى  تثبت استقلاليتها عن الحزب، و عن الدولة، و أن لا يحضر في اهتمامها إلا مصلحة الجماهير الشعبية، حتى يتم احتضانها من قبل الجماهير، و حتى تعتبر اللسان المعبر عنها، و من أجل أن تصير وسيلة لفضح، و تعرية، ما يمارس عليها من  قبل الطبقات الحاكمة، و المستبدة، و من يقف إلى جانبها، و كل من يسعى إلى فرض استبداد بديل، حتى ترتبط الصحافة الملتزمة بالجماهير الشعبية الكادحة، و حتى تبقى بعيدة عن الوقوع تحت تأثير التوجيه الضيق، الذي يحد من تأثير الصحافة الملتزمة، و  من فعاليتها، و من ارتباطها بالجماهير الشعبية الكادحة.

 

6) وحدوية، بسعيها الدؤوب، و من خلال الإعلام الملتزم إلى تحقيق :

 

أ- الوحدة الوطنية في سلوك، و وجدان المواطنين، على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، و فئاتهم المختلفة، و عقلياتهم المتبااينة، و ألسنتهم، و ألوانهم، و جهاتهم، و أعراقهم حتى يصيروا مبلورين للوحدة الوطنية.

 

ب- الوحدة الطبقية، حتى تساهم في الفرز الطبقي، في المجتمع، حتى يتأتى الوضوح الطبقي، الذي يعتبر شرطا لقيام الممارسة  الديمقراطية، التي يقتضيها الوضوح في الصراع الطبقي، الذي يبلور وحدة كل طبقة على حدة، و في تحقق الوحدة الطبقية، تتحقق الوحدة الوطنية.

 

ج- وحدة الكادحين، عن طريق العمل على تجسيد الوحدة،  بين سائر الكادحين، على أساس إيديولوجي، و تنظيمي، و سياسي، و على  أساس النضال من أجل الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، و السعي المستمر إلى تحسين أوضاعهم المادية، و المعنوية، حتى يشعروا بأهمية وحدتهم، و بأهمية التضامن فيما بينهم، بفضل الدور الذي تلعبه  الصحافة الملتزمة.

 

د- وحدة الطبقة العاملة القائمة على أساس إيديولوجي، و سياسي، و تنظيمي، حتى تقوم  بدورها  كاملا، في تنشيط دورة الانتاج من جهة، و في تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، كطليعة المجتمع في أفق تحقيق المجتمع الاشتراكي، المؤهل وحده لأن تقوده دولة الحق و القانون.

 

و الصحافة الملتزمة عندما  تصير مبدئية تتحول بالضرورة إلى  صحافة الجميع، ومعبرة عن إرادة الكادحين بالخصوص، الذين من مصلحتهم سيادة تلك الصحافة، التي تصير مقاومة لعولمة اقتصاد السوق،  و عاملة على جعل الكادحين،  يمتلكون وعيهم الاقتصادي، و الاجتماعي، والثقافي، و المدني، و السياسي، مما ينعكس إيجابا على جعل الصحافة الملتزمة مهتمة ب :

 

1) تشريح الوضع الاقتصادي الرأسمالي، و الرأسمالي التبعي، و المتخلف، و ما  تبقى من الاقتصاد الاقطاعي، و ما يمكن أن يسود من اقتصاد يميني متطرف على يد مؤدلجي الدين الإسلامي حتى لا يمتلك الكادحون وعيهم بذلك الاقتصاد، و يصوغون مطالبهم الاقتصادية، التي يقومون بالنضال من أجل تحقيقها، في أفق التقليص من حدة الاستغلال من جهة، و في أفق العمل على تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، لإيجاد الإطار الذي يضع حدا للاستغلال، و يحقق التوزيع العادل للثروة، بين جميع أفراد المجتمع.

 

2) تشريح الوضع الاجتماعي، الذي يسود فيه التخلف، بجميع مظاهره الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و العمل على جعل الكادحين ينتظمون في الإطارات التي تصوغ مطالبهم، و تقودهم، في أفق تحقيق تلك المطالب، لقلب ميزان القوى، لصالح الكادحين، حتى يتأتى استفادتهم من مختلف الحقوق الاجتماعية، كالتعليم و السكن، و التطبيب و الشغل و الترفيه، و غير ذلك، مما يؤدي بالضرورة إلى خلق نوع من الرفاهية الاجتماعية للكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة.

 

3) تشريح الوضع الثقافي المترتب عن سيادة القيم الثقافية الرأسمالية، و الرأسمالية  التبعية، و عن سيادة النظام الرأسمالي على المستوى  العالمي، و عن استمرار سيادة الثقافة الإقطاعية،  و التعمق في سيادة الثقافة اليمينية المتطرفة، و المترتبة عن أدلجة الدين الاسلامي، وعن العمل على نشر القيم المتخلفة، و بناء ثقافة يسارية، تقدمية، لإنتاج قيم بديلة، تتناسب مع الرغبة في بناء مجتمع جديد، مجتمع الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، الذي ينعم فيه الكادحون بحقوقهم الثقافية، التي تؤهلهم  لامتلاك وعيهم الحقيقي، و خاصة الوعي الاقتصادي، و الاجتماعي، و السياسي، الذي يقودهم إلى الانخراط في عملية تغيير ميزان القوى لصالحهم.

 

4) تشريح الممارسة المدنية الرأسمالية، و الرأسمالية التبعية، و الإقطاعية، و التي ينظر لها مؤدلجو الدين الإسلامي، و العمل على نقض تلك الممارسة، و السعي إلى بناء ممارسة مدنية بديلة، تعكس المساواة بين الجنسين، في الحرية، و  الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، و في الحقوق المختلفة، كما  هي في المواثيق الدولية، المتعلقة بحقوق الانسان، التي لا تحترم بنودها في ظل المجتمعات الاستغلالية، و خاصة في ظل المجتمع  الرأسمالي، التبعي، الذي لم  يعد قادرا على الاستمرار على أساس إهدار مختلف الحقوق، و في مقدمتها الحقوق المدنية، التي لا تلقى نفس الاهتمام، من مختلف الشرائح الاجتماعية المتضررة، و خاصة منها تلك المستلبة بأدلجة الدين الاسلامي.

 

5) تشريح  الوضع السياسي، الرأسمالي، و الرأسمالي التبعي، و الإقطاعي، و الشبه الإقطاعي، و المؤدلج  للدين الاسلامي، باعتباره وضعا سياسيا متخلفا، لا يمكن أن يكون أبدا في خدمة الكادحين،  و لا يسير في اتجاه جعلهم يشعررون بكرامتهم الإنسانية، و العمل على جعل الكادحين يناضلون من أجل دستور ديمقراطي متلائم مع المواثيق الدولية المتعلقة  بحقوق الانسان، و الانطلاق منه لإيجاد مؤسسات تشريعية، تحترم في إيجادها إرادة الشعب، و قيام حكومة من الأغلبية البرلمانية، التي تفرضها  صناديق الاقتراع،  حتى  تقوم  بخدمة مصالح الشعب، بدل حماية مصالح الرأسمال، كما  هو حاصل الآن، و من أجل جعل الكادحين يكرسون سيادتهم على أرض الواقع في تجلياته المختلفة.

 

و بذلك  التشريح المتعدد للواقع، تقوم الصحافة الملتزمة  بدورها،  كاملا، في جعل الكادحين يتعبأون من أجل الانخراط الواسع في عملية تغيير ميزان القوى لصالحهم.

 

و معلوم أن صحافة من هذا النوع، هي صحافة جميع  أفراد  المجتمع، الذين يعتبرونها المنبر المعبر عن إرادتهم،  و عن مواقفهم، من مختلف ما  يعتمل في الواقع، حتى يصير ذلك التعبير الصادق، الوسيلة  المنسجمة، مع رغبتهم في الانخراط الواسع،  و من خلال التنظيمات الجماهيرية، المناضلة من أجل تحسين أوضاعها المادية، و المعنوية، و  من خلال الأحزاب الديمقراطية، و التقدمية، و اليسارية، من أجل  تغيير الواقع  لصالحها.

 

و إاقدام الصحافة الملتزمة على هذه الخطوات، تكون قد عملت  على استعادة مكانتها بين جماهير الكادحين، الذين يلتمسون، في تلك  الصحافة، كونها تجسد  رغبتهم في تشريح الواقع من جوانبه المختلفة، ذلك التشريح الذي يتحول إلى وسيلة تعبوية رائدة. و عمل من هذا النوع هو الذي تقوم به العديد  من  منابر الصحافة  الاليكترونية الملتزمة، و في مقدمتها صحيفة الحوار المتمدن، التي صارت مستهدفة، من قبل لوبي التخلف على المستوى  العالمي، الذي ليس من مصلحته قيام صحافة اليكترونية ملتزمة، تخرق جميع الحواجز لتصل إلى مختلف البيوت، و على المستوى العالمي.

 

ماالعمل من أجل دعم الصحافة الإليكترونية الملتزمة والمتميزة ؟

 

والجماهير الشعبية عندما ترتبط بالصحافة الملتزمة، فلأنها ترى أنها تعبر عن إرادتها. والصحافة الملتزمة تصير بذلك قوية وقادرة على مواجهة التحديات المختلفة، ومن جملتها التحدي المادي والأدبي.لأن الجماهير الشعبية الكادحة بالخصوص، تصير سندها، فتتحول إلى قوة مادية بجانبها، من أجل المحافظة على وجودها،  وسعيا إلى ضمان استمرارها .

 

وما نقوله عن الصحافة الملتزمة المباشرة، والمقروءة ، والمطروحة في الأسواق بمقابل رمزي معين، لا يمكن أبدا  أن  ينطبق  على الصحافة  الإلكترونية الملتزمة، وذلك لاعتبارات كثيرة نذكر منها :

 

الاعتبار الأول : أن الصحافة الإلكيترونية، تحتاج إلى تكوين خاص، حتى ولو كان أوليا، بسيطا، يمكن من القدرة على التعامل الجهاز الإليكتروني الذي يمكن من القدرة على التعامل مع الصحافة الإليكترونية بصفة عامة، ومع الصحافة الإليكترونية الملتزمة بصفة خاصة. و هذا التكوين يححتاج، من جهة، الى الاقتناع به، و من جهة أخرى، إلى إلإراادة و العزيمة، و من جهة ثالثة، إلى إمكانيات مادية، تساعد على الانخراط في المدارس الخاصة بذلك، حتى نتمكن من وجود أجيال متكاملة، و متعاملة مع الحواسيب، و مع الأنترنيت.

 

و الاعتبار الثاني : الاقتناع باعتبار الحاسوب، و لوازمه، من التجهيزات الأساسية، التي تعتبر جزءا، لا يتجزأ، من التجهيزات المنزلية. و بالتالي، فإن كل أفراد الأسرة، أو معظم افراد الاسرة، سيدأبون على التعامل مع الحاسوب، و من خلاله، مع الصحافة الإليكترونية الملتزمة، بالخصوص. و نحن نعلم أن معظم العوائل لازالت تعتبر الحاسوب مجرد كمالية من الكماليات، إما لجهل قيمته المعرفية، أو لاتخاذ موقف منه، أو لعدم معرفة التعامل معه، أو لعدم القدرة على اقتنائه، و في جميع الأحوال، فإن جميع الوقائع، و الحجج، تؤكد، يوميا، أن الحاسوب يجب أن يصير جزءا، لا يتجزأ، من التجهيزات المنزلية، حتى يتحول إلى وسيلة معرفية ناجعة.

 

و الاعتبار الثالث : أن الصحافة الإليكترونية الملتزمة تحتاج إلى طواقم من المراسلين، ومن جميع أنحاء العالم، و باللغات المختلفة، من أجل البحث عن المعلومات الدقيقة، التي يتم توظيفها في إيجاد مقالات، و دراسات، يمكن اعتمادها، في الصحافة الاليكترونية الملتزمة، التي تلقى إقبالا، من قبل المتتبعين على اختلاف مستوياتهم، و اختلاف مواقعهم الأيديولوجية، و السياسية، و الفكرية، و اللغوية، و القطرية، و غيرها.

 

و الاعتبار الرابع : تحول الصحافة الإليكترونية إلى  صحافة جماهيرية، قائمة، بقوة الواقع في كل البيوت، و بجميع اللغات، و تتتبعها جميع الأجيال، كنتيجة للتحول الذي صار يعرفه المجتمع على المستوى العلمي، و على المستوى التقني، و على المستوى المعرفي في نفس الوقت، مما يمكن من  جعل  الصحافة الملتزمة مطلوبة، و بالسهولة غير  المتوقعة، و من أجل أن تصير  هذه الصحافة، قادرة على توجيه حركة الصراع في الواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و  السياسي، و من أجل أن يصير ذلك الصراع  عاملا من عومل التطور، في جميع المجالات.

 

و الاعتبار الخامس: اعتبار الصحافة صحافة معتمدة كوسيلة لاقتناء المعلومة من قبل الحزبيين، و من قبل النقابيين، و من قبل الحقوقيين، و الجمعويين، بصفة عامة، حتى تصير الصحافة الملتزمة،  مرتبطة بالواقع الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، والسياسي، و حتى يصير ذلك الواقع، في مناحيه المختلفة، جزء لا يتجزأ من ما هو متناول في الصحافة  الاليكترونية الملتزمة، لتصير  الصحافة الاليكترونية بذلك وسيلة إعلامية جماهيرية واسعة، مؤثرة في الواقع، في ابعاده المختلفة، و متأثرة به.

 

و لذلك، فنحن عندما نستحضر في تعاملنا مع دعم الصحافة الإليكترونية الملتزمة، يجب أن نستحضر كذلك الاعتبارات المذكورة ، حتى نتبين بدقة، ما يجب عمله في عملية دعم الصحافة الإليكترونية التي يجب أن تتخذ طابع :

 

1) امتلاك الوعي بأهمية المعرفة الإليكترونية، و ضرورتها في الحياة العامة، و  في الحياة الخاصة. و بالتالي، فالانسان عندما يعمل على التعامل مع الصحافة الإليكترونية، يجد نفسه مؤهلا لذلك. و إلا فإن غياب تلك المعرفة في الأوساط الجماهيرية، سيؤدي بالضرورة إلى تغييب الاهتمام بالصحافة الاليكترونية بالخصوص.

 

2) النضال من أجل تحسين الأوضاع المادية و المعنوية للجماهير الشعبية الكادحة، التي تعجز عن امتلاك أجهزة التعامل مع الصحافة الإليكترونية، الأمر الذي  يقتضي أن نعتبر انتقال وضعية الكادحين، من مستوى متدن في المعيشة، إلى مستوى أرفع، سيخلق لديها الرغبة، في  التعامل مع الصحافة الإليكترونية.

 

3) اعتبار تتبع المعلومات ممكنا، في أي لحظة من لحظات العمر، و على مدار الساعة، و دون الحاجة إلى الانتقال من مكان إلى  مكان آخر، عندما يتم توفير الوسائل التي تمكن من امتلاك المعلومات المختلفة، التي يحتاج الناس إليها، عبر تغيير العادات، و التقاليد، و الاعراف، التي تمكن الناس من اعتبار البحث عن المعلومة تقليدا، يجب التشبع به، و استحضاره في أي لحظة من لحظات عمر الإنسان، حتى يعيش حياته مرتبطا بما يجري في الحياة، و مساهما فيه، و ساعية إلى تطويره اقتصاديا، و اجتماعيا، و ثقافيا، و سياسيا، و معلوماتيا، من خلال التأكيد على إبداء الرأي في كل ما يجري، و من خلال احترام الرأي الآخر، و سعيا إلى اعتبار الاختلاف في الرأي قائما في الواقع، و عاملا من عوامل تطوره.

 

 4) التربية على التضحية المتبادلة مع سائر الكادحين، و التمرس على دعم المتضررين، أنى كانوا، و أينما كانوا، و سواء كانوا ماديين، أو معنويين، حتى تصير التضحية، و الدعم قائمين في المسلكية الفردية، و الجماعية، و حتى يتأتى رفع مكانة الجماهير الشعبية الكادحة، عن طريق ذلك، مما يجعل تنظيماتها أكثر قوة، و أنجع دعما، و أفضل تحريكا، و أوفر قيادة، و أكثر خدمة للجماهير الشعبية الكادحة. و حينها نجد أن الدعم المادي للصحافة الإليكترونية، يعتبر مسألة أساسية بالنسبة للمرتبطين بها، لأن ذلك الدعم، سيصير مسلكية قائمة في الواقع، و ستصير الصحافة الملتزمة، مدعومة تلقائيا، كما تصير التنظيمات الجماهيرية، و السياسية، أكبر داعم لتلك الصحافة، و من أجل ضمان استمرارها كمنابر لتلك التنظيمات.

 

و بما أن هذا النوع من التربية غير قائم في الواقع،  فإن دعم الصحافة الإليكترونية على المستوى المادي، و على المستوى الأدبي، سيكون دون مستوى المهام التاريخية، التي تقوم بها هذه الصحافة، في إيصال المعلومة، و بأقصى سرعة ممكنة، إلى المعنيين بتلك المعلومة، و دون مقابل.

 

5) تنظيم حملات إعلامية واسعة، من قبل الصحافة الإليكترونية، الملتزمة من أجل إقناع المتعاملين معها، بضرورة المساهمات المادية البسيطة، من أجل ضمان استمرارها، و سعيا إلى فرض إعلامها كبديل  لهذا الإعلام المتردي القائم. و الحملات الإعلامية لا يجب الاكتفاء فيها بمجرد الاعلانات، بل لابد من إنجاز مقالات، ودراسات، في الموضوع، حتى تعمل على إقناع القراء بأهمية الصحافة الاليكترونية الملتزمة بالنسبة للاجيال الصاعدة، وللبشرية بصفة عامة، و للكادحين، و طليعتهم الطبقة العاملة،  بصفة خاصة، لأن الصحافة الإليكترونية الملتزمة تكون عابرة للحدود، و تنفذ إلى البيوت حتى بدون إذن أصحابها، و هو ما يعني في العمق: أن دعم الصحافة الإليكترونية الملتزمة، هو دعم للحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية.

 

6) ضروة اهتمام الصحافة الإليكترونية، و عبر كتابها، بالمشاكل الاقتصادية، و الاجتماعية، و  الثقافية، و المدنية، و السياسية، الآنية، و المستقبلة، حتى تساهم بذلك في إضعاف كابوس الاستغلال الهمجي، الممارس على الجماهير الشعبية الكادحة، التي سوف تتنفس بذلك الصعداء، و سوف تعمل على وضع حد للاستغلال الممارس عليها، بعد امتلاك وعيها الاقتصادي، و الاجتماعي، و الثقافي، و المدني، و  السياسي، بفعل ما تقوم به الصحافة الاليكترونية الملتزمة، وحينها سيرتبط الكادحون، عضويا بالصحافة الإليكترونية الملتزمة، و سيدعمونها، شاء من شاء، وكره من كره، و سيصير دعمها مسلكية يومية للكادحين، حتى يضمنوا استمرار المنبر الإعلامي المعبر عن طموحاتهم، و تطلعاتهم الآنية، و المستقبلية.

 

7) تقديم محاور إيديولوجية، و سياسية، و تنظيمية، و نقابية، و حقوقية، و ثقافية، عبر الصحافة الإليكترونية، حتى يجد المهتمون بتلك المحاور ضالتهم، و حتى يعملوا على الاقتناع بأهمية الصحافة الاليكترونية الملتزمة، و أهمية دعم هذه الصحافة من قبل أولئك المهتمين، و في جميع المجالات،  و جميع مناحي الحياة.

 

8) العمل على نشر  مختلف الوثائق، الصادرة عن المنظمات الدولية، الرسمية، و غير االرسمية، و من مختلف الهيئات، حتى تجعلها في متناول المتتبعين من جهة، و في  متناول الجماهير الشعبية الكادحة، من جهة أخرى. مما يكسب الصحافة  الإليكترونية، أهمية خاصة،  لدى المتتبعين، و لدى الباحثين، و لدى الجماهير الشعبية الكادحة في نفس الوقت،  لتوفير، و اختصار المجهود الذي يبذلونه في جميع المجالات، و لجعل الصحافة االاليكترونية  الملتزمة، بمثابة عامل من عوامل تخفيف  العبء على الجماهير، حتى يستجيبوا لدعم هذه الصحافة الإليكترونية الملتزمة.

 

9) تخصيص خانات، لنشر الكتب التاريخية الملتزمة، التي  صارت مفتقدة في الأسواق، حتى تكون في متناول الشباب بالخصوص، الذين لم يعودوا، في معظمهم، يعرفون عنها أي شيء، حتى يصير استهلاك تلك الكتب، وسيلة من وسائل الارتباط بالصحافة الإليكترونية، مما يكسبها أهمية خزانة البيت، إلى جانب أهميتها كصحافة إعلامية  الأمر الذي يقتضي ضرورة دعمها، ماديا، و  معنويا، حتى تتم المحافظة عليها، و حتى يتأتى دورها الدائم، في كل  لحظة من لحظات عمر كل مرتبط بها.

 

10) قيام الصحافة الإليكترونية، ببث وصلات إعلامية، لعناوينها الإليكترونية،  و لمضامينها التقدمية، و الديمقراطية، و الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، حتى يتعرف عليها الناس،  و بالدقة المطلوبة، و من أجل أن تصير مطلوبة، و من قبل قطاعات عريضة،  من الجماهير  الشعبية الكادحة بالخصوص، و من أجل أن تتبين أهميتها الإعلامية، و الأيديولوجية، و السياسية، و المعرفية،  و الحقوقية. الأمر الذي يعتبر دافعا أساسيا لدعم هذه الصحافة الإليكترونية الملتزمة.

 

و هكذا يتحدد لدينا ما يجب عمله، من أجل  دعم الصحافة الاليكترونية الملتزمة، الذي يعتبر في نفس الوقت دعما للجماهير الشعبية الكادحة، و سعيا إلى العمل على نشر الوعي  بضرورة العمل على تحقيق حريتها، و ديمقراطيتها، وعدالتها الاجتماعية، ورغبة في تغيير الواقع لصالحها.

 

ما العمل من أجل حماية الصحافة الإليكترونية الملتزمة ؟

 

و دعم الصحافة الملتزمة بصفة عامة، و الاليكترونية بصفة خاصة، و بكاافة  أشكال الدعم الممكنة، المادية، و المعنوية، ليس كافيا وحده، بل لابد من استحضار ضرورة حماية الصحافة الملتزمة، و الاليكترونية بالخصوص، حتى لا تتعرض  لما تعرضت له الحوار المتمدن، بمناسبة ذكراها الرابعة. و نحن هنا سوف لا نتكلم عن الحماية التقنية، التي لها علاقة بمجال آخر، و بالمتخصصين في تقنيات الإعلاميات، و إنشاء المواقع، و غير ذلك، مما له علاقة بمجالات نجد أنفسنا بعيدين عنها،بل عن حماية أخرى ومن نوع آخر.

 

فنحن نعتقد أن دعم الصحافة الإليكترونية، يعتبر خير وسيلة لحمايتها، مما يمكن أن تتعرض له من ضغوط مادية، أو معنوية، من قبل جهات معنينة، ترى في التضييق عليها، عن طريق تخريب مواقعها، مناسبة لحملها على التخلي عن نهجها، الذي يجعلها تلعب دورا معينا، لصالح الجماهير الشعبية الكادحة.

 

و لحمايتها من كل الآفات نجد أنه لابد من :

 

1) الارتباط بهذه الصحافة ارتباطا عضويا، و جعلها هي مصدر المعلومة، و مصدر التكوين المعرفي، و العلمي، و الايديولوجي، و السياسي، و مجالا للتواصل مع الآراء التي قد تكون متناقضة أحيانا، حتى يساعد ذلك على القول بالرأي، و احترام الرأي  الآخر.

 

و ارتباط من هذا النوع، هو الذي يؤيد الصحافة الاليكترونية الملتزمة، و يجعلها حاضرة في الوجدان، و في الممارسة اليومية للمتعاملين معها. و  هو حضور يعضد، و يقوي من شأن هذه الصحافة، و يفرض على الجهات المعادية لها، ذلك الحضور االذي  يصير مفيدا للجميع ماديا، و معنويا.

 

2) الحرص على مبدئيتها، حتى تحافظ على ديمقراطيتها، و تقدميتها، و جماهيريتها، و استقلاليتها، و من أجل أن يصير  اهتمام الجماهير العريضة بها حاضرا في الممارسة اليومية لتلك  الجماهير، مما يجعلها تتفاعل مع المضامين الواردة فيها، و العمل على تطوير تلك المضامين، حتى تستجيب للجاجيات الجديدة، و المتجددة باستمرار، و  حتى تقوى على مواجهة  التحديات الطارئة في الواقع الاعلامي بالخصوص، و سعيا إلى جعلها محط اهتمام جميع الجهات المختلفة، و المخالفة لنهج، و منهج الصحافة الاليكترونية الملتزمة.

 

 3) الالتزام بدفع اشتراك رمزي، سنوي، أو شهري، حسب  الامكانيات المتوفرة،  لكل متعامل مع هذه الصحافة، و مقتنع بها، حتى تقوى إدارة هذه الصحافة على مواجهة متطلبات الحماية التقنية، المستمرة، التي تضمن استمرار وجود هذه الصحافة، على المستوى الاعلامي. لأنه بدون ذلك الاشتراك المادي، ستعجز عن الاستمرار، و سيقع الضغط على الادارة،  التي قد لا تقوى  على مواجهة المتطلبات المختلفة. و قد تصير الصحافة الاليكترونية مهددة بالانهيار، الذي  قد يجعل  إجيالا بكاملها تسقط في استهلاك التفاهات الإعلامية، كما هو حاصل  الآن، في مختلف  نوادي الانترنيت، التي تستغل في الامور التافهة، و التي تؤدي إلى الانحراف، بدل تقويم المسلكيات المختلفة، أو تكريس انحرافها.

 

4) الحرص على مصداقية هذه  الصحافة الاليكترونية الملتزمة، عن  طريق إامدادها  بالمعلومة الموثقة، و الصادقة، و الواقعية، حتى يكون تأثيرها الإعلامي صادقا، و فاعلا في الواقع في نفس الوقت، و من أجل فرض احترامها بين الأعداء قبل الاصدقاء، حتى تصير المصداقية عنوانا لها، و لكل المتعاملين معها، و للمساهمين في الكتابة فيها، و  حتى تنتقل المصداقية من خلالها إلى المسلكيات الفردية، و الجماعية، و تصير كل صحيفة إلكترونية ملتزمة، مؤسسة تربوية قائمة بذاتها، تساهم بطريقة غير مباشرة، في التربية على المصداقية، و من خلالها على الديمقراطية، و التقدمية، و الجماهيرية، و الاستقلالية، التي تلعب دورا رائدا، في إعداد الناس للانخراط في النضال من أجل الحرية، و الديمقراطية، و العدالة  الاجتماعية، التي تعتبر شرطا لتحقيق مصداقية التاريخ.

 

5) اعتماد هذه الصحافة مرجعا أساسيا، من قبل الباحثين عن المعلومة، في المجالات الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، حتى تصير أكثر حضورا، و أكثر تأثيرا، و أكثر إحالة عليها، من قبل الباحثين في تلك المجالات، مهما كان مستوى البحث الذي يمارسونه، و مهما كان نوع الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها من وراء أبحاثهم، حتى يتأتى الحضور المستمر للصحافة الاليكترونية الملتزمة، في وجدان الأجيال المختلفة، و المتعاقبة التي تصير منغمسة في البحث أرشيف الصحافة الإليكترونية الملتزمة باستمرار، و بالسهولة المطلوبة رغبة في الاطلاع على محتويات ذلك الأرشيف.

 

و بالإقدام على هذه الخطوات، و الالتزام بها، نجد أنفسنا مساهمين بشكل مباشر، و غير مباشر، في حماية الصحافة الاليكترونية الملتزمة، مما قد تتعرض من ضغوط، من قبل الجهات المستفيدة من الاستغلال المادي، و المعنوي، و من أجل فرض استمرارها بقوة الواقع، في الشبكة العنكبوتية، و لجعل هذه الشبكة قائمة، في الأصل، على أساس التعامل مع الصحافة الاليكترونية الملتزمة، و بجميع اللغات.

 

و لذلك فحماية الصحافة الإليكترونية الملتزمة، يجب أن تصير مهمة جماهيرية، من خلال احتضان الجماهير الشعبية الكادحة، بالخصوص، لهذه الصحافة، باعتبارها مهتمة بقضاياها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و باعتبارها اللسان المعبر عن تلك الجماهير. و هو ما يعني ضرورة سيادة الوعي بضرورة، و أهمية الصحافة الاليكترونية الملتزمة، التي تصير كالماء، و الهواء، بالنسبة للجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطببقة العاملة، بالخصووص، و حينها ستصير محمية بقوة الجماهير، و بها، لدورها في  حماية الجماهير نفسها، و لدورها في رفع الحيف عنها.

 

خلاصة عامة :

 

و بهذه المعالجة المتأنية، نكون قد وصلنا إلى القول: بأن واقع الصحافة الملتزمة، هو واقع مترد، و أن هذا الواقع المتردي هو نتيجة موضوعية، لواقع الحركة التقدمية، و التنويرية، و اليسارية، التي تراجعت، بدورها، إلى الوراء، بفعل الخلافات الأيديولوجية، و التنظيمية، و بفعل تسلط البورجوازية الصغرى الحربائية، و المتسلقة، على قياداتها، فتشرع مباشرة في استغلال تلك القيادات، لصالح تحقيق تطلعاتها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، و بفعل الحصار الذي تضربه جهات متعددة على  الحركة الديمقراطية، و التقدمية، و التنويرية، و اليسارية، حتى لا تنفذ إلى أعماق الجماهير، و حتى لا تجسد أمل الجماهير على أرض الواقع.

 

و على الصحافة الملتزمة التي لم تعد قادرة، في معظم الاحيان، على الاستمرار، في ظل الضغوط المادية، و المعنوية، المفروضة عليها. و هو ما يفسح المجال و من بابه الواسع أمام ازدهار الصحافة الإليكترونية الملتزمة، التي صارت تستقطب الكتاب، و المتتبعين، في جميع أرجاء الارض، لتصير بذلك صحافة بديلة، و مستقبلية، و معولمة، و معبرة عن التطور المستقبلي.

 

و للوصول إلى هذه الخلاصة المركزة، تناولنا مفهوم الصحافة، باعتبارها وسيلة لإشاعة المعلومات بين الناس، حتى تصير متداولة فيما بينهم، و وسيلة لتحقيق الأهداف الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و المدنية، و السياسية، القائمة على أساس ترويج المعلومات بالوسائل المختلفة المناسبة، و تناولنا كذلك مفهوم الالتزام، باعتباره وسيلة لإشاعة الممارسة الديمقراطية، في مختلف تمظهرات الواقع، حتى يتم ضمان استمرار التفاعل الإيجابي، بين مختلف تمظهرات الواقع، و بين الرؤى، و التصورات، التي قد تصل إلى درجة التناقض، و تناولنا مفهوم الصحافة الملتزمة، التي تعمل على ترويج المعلومات، مهما كان مصدرها، حتى تكون في خدمة ما يسعى إلى تحقيقه الكادحون بالخصوص، في نضالهم المرير، الساعي إلى تحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، و وقفنا على الدور الريادي للصحافة الملتزمة، التي تمتلك القدرة على تحريك مختلف شرائح المجتمع، و على تحريك كادحيه بالخصوص، الذين يستجيبون لما ينشر بينهم عن طريق الصحافة الملتزمة، التي تكتسب ثقتهم، بسبب مصداقيتها، و التزامها بقضاياهم بالدرجة الاولى، قبل أي قضية أخرى، و عملنا على بيان عوامل انحسار الصحافة الملتزمة، المتمثلة فيما تقوم به الطبقات الحاكمة، و الاحزاب الرجعية، و الرأسمالية العالمية، من تضييق مادي، و معنوي، بالاضافة إلى التراجع  الذي عرفته الحركة الديمقراطية، و التقدمية، و اليسارية، و خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق، و بسبب ما تقوم به التيارات، و الاحزاب، و الدول المؤدلجة للدين الاسلامي، و تعرضنا لدور الصحافة الإليكترونية، في فك الحصار المضروب، على الجماهير الشعبية الكادحة، و على الحركة الديمقراطية، و التقدمية، و اليسارية، عن طريق فرض الحصارعلى الصحافة الملتزمة، و التضييق عليها، و بسطنا القول عن صحيفة الحوار المتمدن الاليكترونية الملتزمة، التي شكلت علامة رائدة في زمن التردي، و صارت مطلب كل الديمقراطيين، و التقدميين، و اليساريين، و سائر الكادحين على حد  سواء. و هي بذلك العمل الرائد الذي تقوم به، و الاستقطاب الواسع للجماهير الشعبية الكادحة، تصير صحافة كل اليساريين، كيفما كانت توجهاتهم اليسارية، كما تصير جبهة اعلامية يسارية متميزة، تحاول بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، التقريب بين الرؤى، و التصورات اليسارية المختلفة، من خلال ما تنشره من مقالات متميزة، و هادفة، و من خلال إحياء التراث الماركسي، الاشتراكي العلمي بالخصوص، و صارت كذلك صحيفة كل الديمقراطيين، الذين وجدوا فيها ملاذا لهم، و منبرا للحوار فيما بين توجهاتهم المختلفة، و المتباينة، و وسيلة للتواصل مع جميع التوجهات الديمقراطية، و التقدمية، و اليسارية، مما يساعدهم على تطوير منظورهم للديمقراطية من جهة، و للممارسة الديمقراطية من جهة أخرى. و اعتبارناها كذلك، صحافة كل العلمانيين، على اختلاف توجهاتهم، حتى تصير العلمانية مطلب كل الجماهير الشعبية الكادحة، و حتى تتحقق على أرض الواقع، حتى يصير ما لله لله و ما لقيصر لقيصر كما يقولون، و حتى يصير الحديث عن العلمانية، و بفضل الحوار المتمدن، و كل الصحافة الإليكترونية الملتزمة الأخرى، مسألة عادية، و يندحر أمامها كل فكر رجعي، و ظلامي متخلف، و تناولنا الاجابة المسهبة على السؤال : ما العمل من أجل استعادة مكانة الصحافة الملتزمة، التي لابد أن تتأتى لها العودة إلى مجدها، بتحقيق الحرية، و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية، باعتبارها الصحافة القادرة، وحدها، على فضح، و تعرية كل الخروقات التي تستهدف قيام الاستغلال الهمجي للبشرية، كما هو حاصل الآن، كما تناولنا الإجابة المسهبة على السؤال : ما العمل من أجل دعم الصحافة الإليكترونية، الملتزمة، و المتميزة ؟ و بينا أوجه الدعم الممكنة، ماديا، و معنويا، و أجبنا على السؤال : ما العمل من اجل حماية الصحافة الاليكترونية و الملتزمة، و المتميزة؟ و وصلنا إلى خلاصة: أن هذه الحماية هي مهمة جماهيرية بالدرجة الاولى، لأن الجماهير وحدها صاحبة المصلحة في وجود هذا النوع من الصحافة.

 

و بعد :

 

فهل يستوعب الديمقراطيون، و التقدميون، و اليساريون، المفهوم المتطور للصحافة الملتزمة ؟

 

و هل يعملون على أجرأة هذا الفهم،  على أرض الواقع، حتى تصير الصحافة الملتزمة صحافة جماهيرية بامتياز ؟

 

هل يعمل الديمقراطيون على استعادة مجد الصحافة التقدمية الحقيقية ؟

 

هل يعمل اليساريون على استعادة مجد الصحافة اليسارية الحقيقية ؟

 

هل يعمل هؤلاء جميعا على إقصاء الفكر الرجعي، و الرأسمالي، و البورجوازي الصغير، و المؤدلج للدين الاسلامي بالخصوص، بالعمل على إشاعة فكر نقيض ؟

 

إننا نسعى، من وراء هذه المعالجة، إلى إثارة الإشكاليات التي تثير الفضول النضالي، و من أجل قيام صحافة ملتزمة، ديمقراطية، و تقدمية، و يسارية، تسترشد بمنهجية الحوار المتمدن الاعلامية، و التي لابد أن تحدث أثرا  عميقا في الواقع على المدى البعيد.

 

 

ابن جريرر في 06/01/2006

محمد الحنفي