الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار
البيت العراقي المرأة الدستور عالمية رياضة منوعات مقالات علم و تكنولوجيا أقتصاد اخبار محلية مقـــدمــة

ضفة ألنهر ألثالثة - قصة قصيرة 

  قاسم فنجان

هذر مرعب راح ينساح من أفواه محتشدة حول جثة غريبة، جثة قال عنها حارس النهر، إنها له، أنني أتذكرها رغم ضباب ذلك الصباح البعيد،حصل ذلك عندما هاجَ ألنهرُ فجأَةً و أنطمرت ضفتيهُ تماماً ، حيث أندلقت من أعماق النهر حيواةٌ كثيرة إلى الضفاف ،مخلفةًً أبانَ تراجعها جثةً لغريقٍ لا يشبهُ الغرقى. جثةٌ طرحتها الأمواجُ بوداعةٍ على بساطِ الرملِ الساخنِ بعدَ أن أحنتْ لها جذوعها الفسفورية الباسقة، شاهدتها.. قالَ.. تُتمْتمُ بتراتيلٍ مُبهمةٍ سرت خلسةٍ في جسدي فحاولت الاقتراب منها وما ان دنوتُ حتى شعتْ بنورٍ لطخَ عتمة حياتي بالشك، حدثَ الأمرُ كما لو كان الآن، حدثَ وكنتُ الشاهد الوحيد..قال.. والمحتشدونَ يغفرون أفواههم ببلادةٍ وأمامهم تتَمَلملْ الجثة الساكنة بالبياض.....!

بريبةٍ أصغيتُ لهذاء الحارس و فتشتُ عن سبيلٍ آخرَ يرشدني لفكِ الطلسم المجهول، لم تكن امامي سوى الضفة الأخرى للنهرِ، عبرتُ نحوها وسألتُ حارسها الذي أجابني بعد أن سألتهُ عنها : إنها لهُ، إنني أتذكرها جيداً ،لقدْ اقترضتُ من اجلهِ مبلغاً للكفنِ وللدفنِ حينما أسرنيْ حارسٌ لا اعرفهُ في الرؤيا بنبأ انتحارهِ القريب، سألنيْ انتشالهُ والهروب بهٍ بعيداً عن غضبِ النهرِ وجبروتهُ ألعظيم ، قررتُ ان أنفذَ الوصيةَ لكن قرارَ النهرِ كان أسرع، لفظهُ حتى قبلَ ان انزعَ إزاريْ هذا.. قالها بحسرةٍ زعزعتْ غلالاتُ الضوءِ التي راحتْ تتصاعدُ بقوةٍ من الجثةِ المسجاةِ على الرملِ.

لم يسعفني الحارسُ الأخير بجوابٍ شافٍ عن الجثةِ التي باتَ أمرُ اكتشافِ سرها امراً مستحيلاً، لذلك قررتُ اللجوءَ إلىعرافة ألنهرٍِ ألتي تمعنتْ بأرتيابٍ في هيئتي ألقلقة و نصحتني باللجوءِ ألى  نفسي، فتشتُ في قيعانها عنهُ فتجلتْ ليْ من مكانٍ قصيٍ في الذاكرةِ ضفةٌ ساحرةٌ للنهرِ، حدثتُ حارسها الذي كانَ منشغلاً عني بها فقالَ: إنها ضفةُ النهرِ الثالثة ، ضفتهُ التي تظهرُ بظهورهِ وتختفيْ باختفائهِ، سألتهُ عنهُ فارتسمتْ معالم ضبابية على هيئتهِ ألنوريةِ وسمحَ ليْ بالعبورِ نحوها!

في  أثيرها ألشاسع حلقتُ  وحيداً فتجلى لي سديمها كاملاً، أطالع بإمعانٍ في افقهِ الأرجواني فأرى روحاً لدنةٍ تحبو في رحم ٍرقيق، يوجعني المشهدُ فانسفُ الزمنَ المتسلسل هناك، ادفعهُ إلى الأمامِ حيثُ ساعاتهُ المتأخرة وأعودُ بهِ للوراءِ حيث ُساعاتهُ الأولى ثمَ اضغيْ لتوسلاتٍ كانت تنبعُ منهُ لتستقرَ على لساني هكذا..

 أماهْ.. ها آنذا  اتعلمُ العومَ في دمكِ، أغوصُ عميقاً في أوجاعكِ، استنشقكِِِِ فتذوبينَ بنسغيْ، أماهْ لا تطبقِ على جسديْ الهش جدرانَ رحمكِ الرقيق فأنا لا اقوَ على فيضِ الحنان...

كانت تسمعهُ يتكلم من ملكوتهِ البعيد فتقول:

ولدي إنك جريء!

يسمعها ويقول:

أماه.بل انا شقيْ!

لقد رأى على لوحِ لحمها سفرَ مصيرهِ البائس، لذلك قررَ الغرقَ في دمها ، ارادَِ ان يختزلَ الألم فما استطاعْ، حاولَ الموتَ فيها فخانهُ الدم واسلمهُ للماءِ ، ما ان لامسَ جلدهُ الناشفُ جلدَ الماءِ حتى دلقَ النهرُ عليهِ سجاياه، علمهُ الحكمةَ ومكنهُ من الأسرارِ اخضع َلسطوتهِ رمال الشواطئ  واضفى على هيئتهِ الملساءِ مهابة السلاطينَ سيدهُ على الطيورِ وحدثهُ عن ذا النون اذْ ذهبَ مغاضباً... ثم  وهبهُ فطنة اللسانِ واسلمَ لهُ قيادة الأمواجِ. حدثها فاسلمتْ لهُ، امرها فأطاعتهُ ، تماوجتْ بجذلٍ من اجلهِ مدحرجةً ارواحها في الزبدِ العائمِ للشطآن.شاهدَ أستداراتها ألجميله فأنفرجتْ أساريرهُ ألحاده ، أعادهُ تكورها ألبض الى ألنشأةِ ألأولى و تاقت روحه ألمائعة من جديد ألى رحمها ألعتيق ،رحمُ أمهِ ألغافية هناك على ضفةِ ألنهر ألثالثة .

ضفةٌ قال عنها من استطاعَ الوصولُ اليها قبلي، انها فسحةٌ شاسعةٌ خاليةٌ إلا من كوخٍ تقطنهُ امرأةُ سوداء يتشح ُبدنها الهزيل بالسواد، اخالها الذي رآها ، حبيبتهُ عندما شاهدها تهدهدُ في حضنها القاتم دميةً زرقاء، ما ان دنا منها حتى ارتبكتْ من حضورهِ المريب وفرتْ متواريةً مع دميتها كالدخان.

التبسَ عليهِ امر ظهورها الحزين واختفاؤها المباغتْ فأشاعَ حكايتها للآخرين. احالَ الآخرون الحكايةَ بغرابتها إلى عجائزهم فامرنَّ بمطاردتها في الليل، لاحقوها باحلامهم البسيطة وتمكنوا بعد عناءاتٍ مؤرقةٍ من اصطيادِ هيئتها الأخيرة، هيئةٌ مسنةٌ وبائسةٌ وهزيلةٌ ادركوا من خلالها ان المرأةَ السوداء كانتْ الأمُ الحقيقيةُ لعبدِ الشطْ!!*

روعهمْ اسم العبدِ كثيراً واربكهم استنتاج الشطِ المرعب ، تداعتْ بصائرهم المنهوكة بالعبدِ وبالشطِ فرجعوا للشيوخِ اللذينَ فكوا لغزَ الظهورِ العجيب بحكاياتٍ اعجب.

تحدثوا عن ابيهِِ وظهورهُ وسطَ المحتشدين، قالوا انهمْ شاهدوهْ اثناءَ الفاجعةِ بهيئةٍ آدميةٍ، كان يجهشُ ويبكي بدموعٍ ماسخةٍ، تابعوه وهوَ ينظرُ بأسى لجثةِ ابنه الغريق، قالوا - ما ان قالَ بصوتٍ آدمي ياولدي حتى تمطتْ الجثةُ الباردةُ بالحياةِ، تثائبتْ وفاحتْ منها روائح النهر الغريبةِ، روائحٌ كانت لها اصوات تتحدثُ فيما بينها بلغةٍ مائيةٍ، لغةٌ طشتْ رذاذها الطائش في وجوهِ المحتشدين، شاهدوها..قال..ثم شاهدوا السنتها الملونة تتحدثُ وتخورُ في افقِ الحادثِ بهستيريةٍ ،ارتبكوا من هولِ ما سمعوا وما رأوا  فأزاغوا اجسادهم عن مساراتها المجنونة، فسحوا الطريقَ لها لتتجهَ صوبَ والده الحزين، تركوها تسربلهُ وتطوقهُ كالأغلال من كلِ صوبٍ لتطيَر بهِ من اليابسةِ وتحطُ  بهِ في  الماءِ وتطيرُ بهِ وتجطُ وتطيُر وتحطُ إلا ان غاصتْ  بهِ اخيراً في اعماقِ النهر. غابَ ابوهُ هكذا فايقن الجميعُ انَ للعبدِ ابٌ و امٌ ترعرعا معهُ على الضفةِ الغريبة ، ضفة النهر الثالثة....! كذلكَ تكلموا عن طفولتهِ البائسة، كيفَ كانَ يمضيْ صباحاتهُ هائماً وحيداً في صحراءِ مائهِ الشاسعة يبحثُ عمنْ يداعبهُ في ملكوتهِ الموحش.

كيفَ كانَ يلهوْ هناكَ ببراءةٍ مع الصيادين حيثُ كانَ يجرهمْ مازحاً للأعماقِ ليموتوا هادئينَ في قواربهم الغريقه ، تطفوا جثامينهم المتورمة فيأمرُ امواجهُ بدحرجتها، تذعنُ لأمر سيدها وتدحرجهُم للضفافِ وتنتظرُ معهُ مترقبةً عودتهم من جديد. عندما يغيبُ الصيادونَ طويلاً ينتابهُ الضجرَ ويشدهُ الشوقَ اليهمْ ، يغادرُ من اجلهم ملكوته المائيْ ثم يكمنُ بحذرٍ لهم حتى يقابلُ احدهم ليستدرجهُ للنهرِ او الموتِ و لا فرق.

قالوا عنهُ انهُ شاهدَ ذات مساء من مساءاتهِ الحزينةِ عاشقين يتعانقان على مقربةٍ منهُ، استغرقهُ مشهدَ العناق الذيْ لم يألفهُ من قبل فارخى مشاعرهُ السابتة لتأوهاتٍ كانتْ تسيحُ بغزارةٍ اربكتْ عالمهُ الخاويْ .شاهدهما متلاصقين كأنهما جسدٌ واحدٌ فادركَ  انهُ واحد بلا انثىْ . دنا منهما ليتعلمَ ابجدية الهوى فلطمتهُ دفقاتُ العشقِ بوجههِ ، دنا منهما اكثرَ فأحسا بحضورهِ المهيب وشاهدا شكلهُ الغريب، نفرا منهُ وهربا مخلفين ورائهما روائح حبٍ اثيره، روائح ما ان تشممها حتى دفعتهُ للنظرِ في فراغِ حياتهِ الشاسعة ، احسَ بنفسهِ وحيداً يتخبطُ مستوحشاً على شواطيء عمره ألمهجور ، بكى واغرورقتْ عيناهُ بزبدٍ لطخَ زرقةَ وجههِ الصافيةِ بأسى الحزن، غضبَ كما لمْ يغضبُ من قبل ثمَ انتفضَ وفضَ عن جسدهِ أصفاد الماء ، عامَ بوجعٍ  إلى ضفةِ النهرِ الثالثة حيث تقبعُ في فضائها الأثير قبةُ امهِ القصية، ولجها غاضباً فصدمتهُ جَلستِها المنكسرة، اقعى قبالتها حزيناً فمسحتْ كفُها السوداء وجههُ المتسخُ بالدموعِ ، ضمتهُ إلى صدرها بقوةٍ وبكتْ ، شاهدها  تبكي  فقال :

اماه...لماذا تبكين؟

قالتْ: عليكَ يا ولديْ!

قالَ :اماهْ! لماذا ؟لماذا ؟ لماذا ؟

غادرها مخترقاً قلب النهر كالشهاب، رجرجَ غضبهُ المسعور جرمَ الماءِ فقاءَ ما في احشائهِِ ، طفتْ على السطحِ  اسماك و اعشاب ، افاعي و اشنات ، سلاحف و غيالم ،قواقع و أخشاب و................! تلاطمتْ فيما بينها يدفعها الأحتضارُ للجنون، اضطربتْ واضطربَ الماء وماجَ ألنهرُ بصخبٍ مهووس، هاجتْ امواجهُ الساكنة واخذتْ تلطمُ الطيورَ المحلقة في سماءِ النهر، أفزعها الهيجان الوحشي فطارتْ عن افقهِ المشحون صوبَ سماواتٍ هادئة.

لم يأبه العبدُ للفوضى الذي خلفها عدوهُ المجنون ولم يزعزعهُ الحال الذي آل اليه النهر، راح يعدو عليه ويعود ويعود ويعدو حتى اخذَ النهرُ بالغليان، فارَ الماءُ بالروعِ فأمر امواجه الخانعة بالإنسحاب إلى ألأعماق، تقهقهرتْ مندحرةًً إلى قيعانها منهوكة من دوارهُ الشديد، قعت في التخوم خائفة تطالعُ بنظراتٍ حائرةٍ ثورة العبدِ على الماءِ، لاذتْ بالنهرِ الذي لاذَ  اخيراً  بأمهِ ، أمه التي كانتْ تراقبُ من على ضفتها مشهد انتفاضته القاسية ،  تشاهدُ وتدركُ بغريزتها انها حربهُ الأخيرة ، بكتْ عليهِ من هولِ تمرده المرعب ولوحتْ لهُ بالكفِ عن العصيانِ وامرتهُ بالخمود، استحلفتهُ بنقاءِ رحمها فلم يأبه ، ناشدتهُ بدمها الذي خانهُ فلم  يهدأ ، اخذَ يتمادى في عدوهِ المجنون على جرمِ النهرِ اللين ويدك بعنفوان على اعضائهِ اللدنة ، يدكُ فتسيح اشلاءُ النهرِ وشظاياه إلى الضفافِ ، تفيض الضفة الأولى للنهر وكذلك الثانية وتلوذ الضفة الثالثة بيّ ، تخزنُ في ذاكرتها الهلامية توسلاتْ الضفافِ وانين الأمواج واستغاثات النهر، تفيضُ وتأمرني ان ارسمَ بالسردِ ملامح الخلاص للعبدِ الذي ادركَ انهُ قد ادركَ النصر، فرحَ كما لم يفرحُ من قبل و ضحكَ كما لم يضحك من بعد، تناهتْ قهقاتهُ الساخرة لروح النهر الذي ادركَ ان المصير قد جاءَ يطلبُ العبدَ ، جاءَ ليستلبَ عبدهُ وحارسهُ وسيدهُ الذي سخَّر من اجلهِ كل شيٍء، تألمَ وهو يرى بألمٍ ان لامناصَ من الغيابِ ، انحنى النهرُ المفجوع  لرغبةِ المصير القاهرة وأمرَ امواجهُ ان تجردَ العبدَ من زرقتهِ ، اذعنتْ الأمواجُ منصاعةً للأجلِ الذي ارادهُ المصير للنهرِ وللعبدِ، تململتْ من اغوارها مثل أفاعٍ خرافيةٍ ثم زحفتْ واستقامتْ بقاماتها الفسفورية من الأعماقِ ، تساوقتْ هاماتها الباسقة مع الفضاءِ كالأكليل محاصرةً العبد، شاهدها تنحنيْ لهُ بانكسارٍ فأمرها ان ترفعَ رأسها عاليا ً،  امتثلت فأومأ لها بالنهايةِ ، اذعنت الأمواجُ لسيدها و سيد الشط ودارتْ ملتفةً على نفسها، دارتْ ترسمُ التوائاتها المدورة لوحةَ الوداعِ الأخير، دارتْ تراقصُ احتضارهُ المحتوم متموجةً بوجعٍ غزير، دارتْ فتلمستْ روحهُ وداعتها ألحنونه وهي تضمُ جسدهُ الرقيق ، مَسهُ حنان اكفها وهي تمضي به مرفوعاً كالسحاب ،  رآها تطبقُ بحنو على حياتهِ في الأعالي  ،تنـزع روحه الزرقاء وتطلقها لتحلق هائمة في سماءٍ بعيدةٍ ، تسمو روحهُ الشفافةُ عالياً مخلفةً ورائها امرأة متشحة بسوادِ الحزنِ، تراقبُ الأمواجُ  و هيَ تسجي جثةً بيضاءَ بلا  أنثى على شاطىٍء كانَ رملهُ ساخناً كالدمْ .

.

  * عبد ألشط : وهمٌ تردد أسمهُ في ألحكايات ألشعبية ألعراقية على أنه خرافة كان يرددها ألاباء أمام أبنائهم الصغار ، يزرعون من خلالها ألخوف في قلوبهم لئلا يرتادوا ألشوطىء عند حلول المساء ، لذلك سربلوه بملامح مرعبة وحددوا له وقتاً للظهور في اليل و ألأختفاء في ألنهار و أسموه عبد الشط لسواده ألشديد .