19-05-07 12:00
الوطنية المجبولة من
أشياء قابلة للالتهام
فالح عبد الجبار
في 18/05/2007
تبدو «الوطنية» كلمة ملتبسة، بل هي موضع تساؤل، أو ارتياب. ولهذه
الكلمة، التي دخلت الرواج في القرن العشرين، تاريخ محدود لا يزيد عن
قرنين. وهو في الأصل اللاتيني Patriotism مشتقة من كلمة Patre، أي
الأب. ولهذا البُعد القرابي في المعنى دلالة الانتساب الى جماعة،
وارتباط هذا الانتساب بالأرض. على عتبة القرن العشرين حل مفهوم القومية
nationalism، وراج، دون أن يلغي المفهوم الأول، صارت الوطنية، المقترنة
بالوطن، الوعاء الجغرافي للجماعة، ذات مدلول خاص، محلي، أو اقليم.
بينما مفهوم «القومية» المرتبطة بالقوم بُعد عابر نحو جماعة أكبر، ونحو
كيان سياسي أوسع.
في الحالين تنعم الكلمتان بموقع مقدّس في الخيال الجمعي. ففرق كرة
القدم ما تزال تسمى «المنتخب الوطني»، وما يزال «النشيد الوطني» يُعزف
في كل المناسبات الرسمية، المملة بالتعريف. ويفيد أحد أهم منظري
«الوطنية» و«القومية»، الانثروبولوجي الانكليزي بنديكت اندرسون، أن أشد
رموز الوطنية حضوراً في العصر الراهن هو نصب الجندي المجهول، وان ملء
هذه الأنصاب الفارغة برميم عظام حقيقية سيكون بمثابة فضيحة. وعلى حين
تزدهي العواصم بهذه الأنصاب، لا نجد نصباً واحداً لـ«الليبرالي
المجهول» أو «الماركسي المجهول» أو «الإسلامي المجهول».
وعلى غرار القومية، فإن الوطنية، قد تجد التعبير عنها في «نظريات»، كما
أنها تتجسد في حركات اجتماعية. في القرن التاسع عشر، كانت الوطنية في
عصر الصحيفة وسكك الحديد، حركة نخبوية، وفي مطلع القرن العشرين،
وبالتحديد من خلال الحرب العالمية الأولى تحولت الى حركة واسعة، بفضل
ظهور البث الإذاعي، والطائرة. أما اليوم، في عصر الانترنيت والفضائيات،
فقد ظهر ما يصح تسميته مجازاً بالأوطان «الافتراضية»، الأوطان العابرة
للجغرافيا، الأوطان القائمة في حقل ثقافي يحتل الأثير ويمتزج فيه،
وينتقل عبره، غير عابئ بانقطاعات الجغرافيا.
المعلم الثالث هو «باقلاء قدوري» والباقلاء بالدهن وجبة فطور بغدادية
دسمة يطلبها الحرفيون، حدادين وميكانيكيين، كما يلتمسها المثقفون (وان
يكن بدهن أقل حفاظاً على مستوى الكوليسترول). وهي تقدم في العادة مع
بيض مقلي، وبصل أخضر، وعصير النارنج الفواح. و«قدوري» هو شخص حقيقي من
لحم ودم، طلع من أحياء بغداد القديمة ليديم هذا التقليد في مطعم صغير
يطل على نهر دجلة، قريباً من جسر الجمهورية.
وطارت شهرة قدوري في بغداد الثمانيات، لتوازي همبرغر «أبو يونان»
انتشاراً مربحاً. أخيراَ ثمة «الجالغي» البغدادي، الذي تحول الى رمز
وطني عراقي مع دخول التلفزيون عام 1954.
غب الجالغي البغدادي يطالعك العازفون والمنشدون وقرّاء المقام وهم
بلباس تقليدي: «الصاية» و«الزبون» و«العرقجين» و«الغترة». أما الآلات
فتنتمي الى العصر الغابر: الجوزة (الشبيه البدائي للكمان) والسنطور
(شبيه القانون). كان قراء المقام من محمد القبانجي الى يوسف عمر يحتلون
ذارة الستينيين شأن عازف الجوزه شعوبي ابراهيم. أما اليوم فثمة جيل
جديد، يتعرف عليه المنفيون بشق الأنفس. أما الماكثون على الأرض فلا
يرون انقطاعاً.
لا تعني هذه الأطباق، بل هذه الآلات والموسيقى الكثير للمتذوق الغريب،
لكنها توقظ الزمن وترمم فجواته بالنسبة للكائن الرابض في هذا الحقل
الثقافي. ولعل لهذه الأطعمة أثر أعمق من كل ايديولوجيات الوطنية
والانتماء في إذكاء المشترك الاجتماعي، وادامته. فنسيج الانتماء هو
نسيج الحياة. ومادة الهويات مجبولة من أشياء يومية، هي بذاتها مبتذلة.
فمن ذا يصدق ان الباقلاء والسمن والنارنج والبصل الأخضر وكبة البرغل
وعصر الزبيب، هي لبنات في معمار شيء «مقدس» اسمه الوطنية. هل نسينا أن
ثمة أنصاباً مقدسة معمولة من تراب وجبص وحديد ومسامير وحجارة، ليست
لهذه الأشياء الدنيوية، العادية الى حد الابتذال، سحراً خاصاً قائماً
بها، لكننا نودع فيها معاني وجودنا كجماعة، فتفقد بذلك عاديتها، وتغدو
مستودعاً لرموز هوية، أياً كان فهمنا لهذه الأخيرة.
أما توقيرنا لها فلا يكاد يختلف عن توقير الجندي الذي يقف وقفة صارم
ليؤدي التحية أمام خرقة ملونة تسمى علماً. مع فارق أن بعض الرموز
العراقية، صالح للالتهام، شأن حال البلاد اليوم.
--------------------------------------------------------------------------------