08-06-07 11:55
تأملات
عودة الجثث
الى عاصمة أشباح !
رضا الظاهر
كلما مرّ يوم مرّ ضحايا جدد في قوافل تتعاظم .. ومن جديد يحل موسم
الجثث حتى لكأنه فصل آخر، عراقي، يضاف الى فصول السنة الأربعة، لتتميز
سنة العراق ذات الفصول الخمسة.
وكل هذا الموت اليومي وسيل الدماء الذي لا يتوقف، وكل هذه المحن التي
تطحن الملايين، والناطقون باسم حكومة المحاصصات وخطة فرض القانون
يؤكدون، بصورة تعكس الاستهانة بذكاء الناس، على أن "الخطة تسير بوتائر
تصاعدية" وأن "النتائج إيجابية وتبشر بخير". ولا بد أن أفضل دليل على
هذا "الخير" العميم عودة الجثث وسط انفلات أمني وفواجع تجسد تعمق
وتفاقم أزمة البلاد على كل الصعد.
ومن المروّع أن يصل عدد الجثث التي عثر عليها خلال شهر أيار الماضي
وحتى السابع والعشرين منه الى 631 جثة مجهولة. ما الذي يريد "البطران"
أسطع من هذا الدليل على "بشائر الخير" !؟
أما المجرمون، على اختلاف أنواعهم، فانهم يخرجون من الأزقة ليعودوا الى
الأوكار بعد "إنجاز المهمة" سواء كانت قتلاً أو تمثيلاً بالجثث أو
خطفاً ومساومة على فدية، أو شكلاً آخر من أشكال الموت والترهيب، بينما
لا يندر أن تكتفي قوات أمنية بالتفرج، وربما بالتواطؤ المتعدد الصيغ.
لستم، بالطبع، بحاجة الى تذكيركم بالفظائع التي جرت وما تزال في ديالى
البرتقال حيث ذُبحت نساء في هبهب ومثَّل الوحوش بأجسادهن، وبصرة
التسامح حيث كشفت وزارة الداخلية، من بين فضائح أخرى، عن فوجين وهميين
للجيش والشرطة. أما "دار السلام" فباتت عاصمة أشباح.
أتريدون مزيداً من الأدلة على "الخير" ؟ هاكم، إذن، جريمة تفجير ضريح
الشيخ الجليل عبد القادر الكيلاني، في محاولة جديدة لإذكاء نيران حرب
المراقد والطوائف .. أنظروا الى ترويع المسيحيين والصابئة واليزيديين،
في محاولة للقضاء على جذوة التسامح العراقي. هل نضيف جرائم اغتيال
العلماء والأكاديميين والصحفيين في مسعى لإفراغ البلاد من العقول
النيرة ؟ هل رأيتم كيف أن العراق "النموذج"، الذي خلقه العم سام، راح
يضيف الى "امتيازاته الملهمة" جديداً يتمثل، هذه المرة، في إعادة تصدير
الارهاب الى الخارج، وهو إرهاب عابر للجدران الخرسانية وللقارات أيضاً،
مروراً بالجيران الذين كانوا قد "تفننوا" في تصديره إلينا وما يزالون ؟
أما سيد البنتاغون، روبرت غيتس، فقد أكد، الأربعاء الماضي، على أن
واشنطن تتوقع البقاء مطولاً عن طريق اتفاق مماثل لذلك الذي أبرمته مع
كوريا الجنوبية والذي يسري مفعوله منذ عام 1954، بينما يريد رئيسه، سيد
البيت الأبيض، للعراق، الذي "أُنجزت فيه المهمة" منذ زمن بعيد، أن
يتحول الى واحد من "النمور الآسيوية" !
ويحق للمرء أن يتساءل: أبوسع العجزة عن حماية "منطقتهم الخضراء" أن
يخلقوا "نمراً" آسيويا في بلاد الرافدين، وهم دائخون وسط تخبطهم وجهلهم
وإخفاقهم ؟
وأما حكومة المحاصصات فتواصل "التبشير بالخير". ولا ريب أن صور هذا
"الخير" باتت معروفة للقاصي والداني، بحيث لا يحتاج الناس المكتوون
بنيران المحن اليومية التحديق فيها.
ومن طريف ما يروى أنه منذ كانون الثاني جرى اعتقال ما يقرب من 18 ألف
شخص بتهمة الارهاب، واكتشاف حوالي 2500 مخبأ أسلحة، وما من أحد يعرف كم
هو عدد الارهابيين المتبقين .. وما من أحد يعرف من هم المزروعون في
قوات الأمن والمتسللون اليها والمخترقون صفوفها من مجندي الارهاب
ومتطرفي المليشيات، والمساهمون بين أفرادها في تقديم معلومات وتسهيل
تنفيذ مهمات الموت، بل وممارسة هذه المهمات، أيضاً، من جانب من يرتدون
أزياء عسكرية عراقية .. وما من أحد يعرف أسباب تحدث قوات التحالف
والقوات العراقية، علناً ومسبقاً، عن عملياتها الهجومية، وعلى نحو
يسهّل على الارهابيين حركتهم ..
وربما لم يعد كثيرون بحاجة الى التساؤل: أين الحكومة مما يجري في قلب
بغداد ؟ فقد "غابت" بعد أن غيَّبت إرادة الملايين، مثلما تواصل تغييب
الشفافية والاستهانة بالرأي العام ..
* * *
أولئك الوحوش من ظلاميي الارهاب ومتطرفي المليشيات يحقدون على الأبرياء
فيسلبونهم حياتهم ويرمون جثثهم في المبازل .. ويحرِّمون حق النساء في
التفكير وفي الحياة فيغطوهن ببراقع "إسلامية"، أو يقطّعون رؤوسهن
إمعاناً في الترويع .. ويمقتون الثقافة فيحصدون أرواح مبدعيها ..
ويخشون النور فيقتلون من يحمل شمعة .. ويكرهون الجسور إذ يؤرقهم
التواصل بين البشر فيفجرونها ..
أما "المحررون" و"المقررون" فسيظلون عاجزين عن إيقاف قوافل الجثث ما لم
يكفّوا عن الأوهام، ويوقفوا سياسات التخبط والغطرسة والاستحواذ
والتجهيل ..
فلا مكافحة حقيقية للارهاب بدون اجتثاث جذوره وتجفيف منابعه .. ولا أمن
حقيقي بدون التخلي عن منهجية المحاصصات واللهاث وراء النفوذ
والامتيازات، وبدون التوجه المسؤول لتحقيق مصالحة وطنية وتوافق سياسي
حقيقي مدعوم دولياً .. ولا حل لهذه الأزمة بالاعتماد على الأساليب
العسكرية وتجاهل الاجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية
..
وما من مخرج من المأزق بدون إنهاء معاناة الناس، وإشراك الملايين من
المحرومين والمغيَّبين والمهمَّشين في تقرير مصائر البلاد ومستقبلها ..