26-06-07 12:19
تأملات
كل هذه الفضائح
والعراق "ديمقراطي" !
رضا الظاهر
أثارت فضيحة المعلومات المنشورة عن أطفال دار "الحنان" للأيتام في
بغداد موجة عارمة من السخط، وما تزال تداعياتها تتفاعل، بينما ترتفع
أصوات تطالب بالتحري عن الحقائق وكشف الأسباب التي تقف وراء الانتهاكات
والإهمال والإستغلال.
وتأتي هذه الفضيحة الجديدة في ظل معاناة مروعة لأطفال بلادنا، وهي جزء
من الأزمة الاجتماعية والسياسية العميقة في المجتمع. فقد كشفت تقارير
للأمم المتحدة نشرت مؤخراً عن صفحات من الأوضاع المزرية، حيث يعاني
ملايين الأطفال، في بلد بات يمثل أعلى معدل لوفيات الأطفال في العالم،
من سوء التغذية، ولجوء البعض منهم الى النفايات بحثاً عن الطعام،
والبعض الآخر الى ترك الدراسة والوقوع ضحية لاستغلالهم في العمل
القسري، وتعرضهم للاعتداء الجنسي، ومعاناتهم من عواقب التفكك الأسري
والاجتماعي، ومن دمار سايكولوجي وحرمانات رهيبة جعلتهم من أتعس الأطفال
في العالم.
وإذا كانت الصدفة وحدها هي التي كشفت عن هذه الفضيحة، شأن فضائح كثيرة
أخرى، فلا ريب أن الأعظم ما يزال مخفياً، وأننا لم نرَ سوى الجزء
الظاهر من جبل الجليد. والأمر، ببساطة، يعود، في جانب منه، الى انشغال
أهل السلطة، حكومة وبرلماناً وسياسيين "مقررين"، في بلد خاضع للاحتلال،
بقضايا "أعظم"، وهذا شأن كل سلطة تغيب فيها الرقابة والمساءلة.
ومن المثير للأسى أن يعيد بعض أصحاب السلطة ممارستهم الضحك على ذقون
المساكين، فيطمسون، مرة أخرى، الحقائق في دهاليز لجان تحقيقية لا تعلَن
نتائجها لأسباب لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم !
وحتى لو أن محطة (سي بي أس)، كاشفة الفضيحة، ووسائل إعلام وجهات أخرى،
بالغت (وبعضها لحاجة في نفس يعقوب لا حرصاً على حقوق الانسان) في عرض
المعاناة وتضخيم الفضيحة، فهذا لا يصلح أن يكون منطلقاً لتبريرات، يجري
عبرها حجب الحقائق وإضاعة القضية الأساسية، وتحويلها من قضية انتهاك
لحقوق الانسان الى قضية "صراع سياسي". وهو ما يكشف عن مزيد من
الاستهانة بالرأي العام واستغلال مآسيه، التي قد لا توفر له فرصة
مواصلة وتطوير التعبير عن السخط، وخصوصاً في ظروف تغييب إرادة الملايين
وغياب دولة المؤسسات.
والحق إن هذا، بمعنى ما، نتاج لعقل المحاصصات الذي يدفع مسؤولين الى
ردود أفعال منفعلة وذرائع واهية، بدل الاعتراف بالخطأ وهو فضيلة،
والاعتذار الى الشعب عن التقصير وهو مبعث مصداقية، والوعد بالإعلان عن
نتائج تحقيق نزيه والكشف عن المسؤولين والمتسترين عليهم وإنزال العقاب
العادل بهم.
ويحق للمرء أن يتساءل: الى متى يغط هؤلاء "الحكام" في نومهم العميق
ليعلموا، ممن كشف لهم الفضيحة في العام الخامس على "التحرير"، بوجود
حلقة جديدة في مسلسل الفضائح التي لا تنتهي ؟ وأي برلمان هذا الذي لا
تعصف به مثل هذه الأحداث الجسام ؟ وأين صوت القضاء ؟
أما المحتلون، الذين هم في أساس المحنة العراقية، المتمثلة، من بين
مآسٍ أخرى، في الموت اليومي وغياب الأمن وسيادة الفوضى والانفلات وما
الى ذلك من أوضاع استثنائية ومعضلات مستعصية، فهم الذين أوجدوا،
بسياساتهم وإخفاقاتهم، المناخ الذي تعتاش عليه الفضائح والجرائم.
وأما الأمم المتحدة فتكتفي، كالعادة، بإصدار البيانات، بينما تصمت
وسائل إعلام مأجورة أقامت الدنيا ولم تقعدها على "فضائح" بحق الطاغية
والقتلة وأيتام "البعث" المقبور، بينما تتجاهل مأساة المعوقين واليتامى
الأبرياء.
وفي ظل شريعة الغاب لماذا يتورع من ماتت ضمائرهم وانحدرت قيمهم
الأخلاقية عن ارتكاب جريمة تجويع المعوقين والأيتام، وتحويلهم الى
أشباه موتى، وسرقة أغذيتهم وملابسهم وبيعها في الأسواق، بينما أطفال
أهل المناطق "الخضراء" محروسون بامتيازات وبركات "المحررين" !؟
* * *
كأن المشهد كان بحاجة الى مثل هذه الفضيحة حتى تكتمل صورة
"الديمقراطية" التي جاء بها محافظون جدد وطبّل لها سياسيون جدد، وفي كل
مرة ينكشف وهمها، غير أن صراخ المنتفعين من الوهم يظل يتصاعد، ولماذا
لا يتصاعد ما دام سبيلاً للنعيم !؟
ولحكومة المحاصصات قصب السبق في ابتكار نمط جديد من "المقابر
الجماعية". والجدة في هذا النمط أنه ليس تحت الأرض وإنما فوقها !
أيمكن لهذه الحكومة أن تتوقف، لحظة، عن نزاع الطوائف والنفوذ لتخبر
ملايين المغيَّبين عن سر بقاء هذا الميتم، المأتم، ومآتم أخرى لا تحصى
من أنماط أخرى، خلف الكواليس، فقد كان المغيَّبون يعتقدون أن ما خلف
الكواليس لابد أن يكون "منطقة خضراء"، لكنهم اكتشفوا منطقة رمادية،
فعلموا أنهم واهمون، وما أكثر الأوهام في بلاد الرافدين !؟
في هذا الوطن المحاصر بأسلاك "المحررين" وخصومات "المقررين"، ومزايدات
المتاجرين بالسياسة، ومن يلوون الحقائق ويمارسون غسيل أدمغة جديد،
ويستغلون محن البلاد وملايين بناتها وأبنائها المحرومين، لجني مزيد من
المغانم، أو خلق مزيد من الفوضى والدمار .. في هذا الوطن الذي أنزلت به
الأقدار أعظم البلايا، ينبغي أن لا تمر مثل هذه الجريمة دون حساب،
فيفتح مرورها نافذة جديدة لجرائم أخرى يرتكبها ميّتو ضمائر آخرون دون
خشية من عقاب الأرض أو عقاب السماء !