20-06-07 12:18
لو أن
جيفرسون كان حيّاً !
رضا
الظاهر - بينما تزداد معضلات البلاد
استعصاءً، يتجلى، على نحو أسطع، تناقض التصريحات الأميركية بشأن وجود
قوات الاحتلال وآفاق الخروج من المأزق. ووسط تلك التناقضات تشيع
معلومات عن توجهات لوجود أميركي طويل الأمد، متجسد في إقامة قواعد
عسكرية دائمية. وتميزت الأسابيع الأخيرة بتصاعد ضغوط واشنطن على بغداد
وتوجيه إنذارات للحكومة العراقية في التصريحات وفي الزيارات المتلاحقة
لمسؤولين أميركان، على أساس أن "العراقيين فشلوا" في إنجاز ما هو مطلوب
منهم، وأن التقدم في العملية السياسية لابد أن يتحقق في الحال، وقد
أعذر من أنذر ! ولم يعد الحديث عن وجود أميركي دائم وراء الكواليس أو
همساً. وراح محللون كثر يتحدثون عما يصفونه بانتقالات حادة في سياسات
وسيناريوهات واشنطن التي تؤسس لإقامة قواعد عسكرية تشير تقارير الى
أنها أربع، ناهيكم عن سفارة في المنطقة الخضراء ستكون الأكبر في
العالم. ويلفت الانتباه، ارتباطاً بذلك، حدثان بالغا الدلالة. أولهما
تعيين دوغلاس لوت "قيصر حرب" في البيت الأبيض، مما أثار جدلاً واسعاً
الى حد أن البعض اعتبره تغييراً ستراتيجياً وليس هامشياً، بل وصفوه بـ
"انقلاب قصر". ويعتقد بعض المراقبين الأميركان أن "قيصر البيت الأبيض"
سيتولى، بشكل خاص، مهمة "تغيير الحكومة العراقية". أما الحدث الثاني
فهو اقتراح "قيصر" آخر هو الرئيس الروسي على نظيره الأميركي نشر درع
واشنطن المضاد للصواريخ في تركيا أو العراق بعد رفض موسكو نشره في
أوروبا الشرقية. وهكذا يبدو مصير العراق، المنتهَك السيادة، لعبة بين
"القياصرة" الجدد. ومرة أخرى تتجلى أمامنا تناقضات التصريحات على نحو
فاضح، ويبدو أن ذلك سمة من سمات عقل المحافظين الجدد. فقد كان زعيمهم
مولعاً بالقول إن القوات الأميركية ستبقى في العراق طالما أن الحاجة
اليها قائمة، لكنها لن تبقى يوماً إضافياً إذا ما انتفت تلك الحاجة،
وهي صيغة حمّالة أوجه اختفت أخيراً ليحل محلها الحديث عن "نمر آسيوي"
من النمط الكوري الجنوبي. وفي غضون ذلك قال بوش الشهر الماضي إن شهر
ايلول المقبل سيكون "لحظة مهمة" في تقييم مدى التقدم، في حين أن
المتحدث باسم البيت الأبيض استبعد الأربعاء الماضي توقع نوع ما من لحظة
محورية، محوّلاً الأمر الى مجرد فرصة تقييم. ولعل آخر التصريحات كان
يوم الجمعة الماضي حيث أبلغ وزير الدفاع روبرت غيتس، وهو في طريقه الى
بغداد، الصحفيين بأن واشنطن تشعر بـ "خيبة أمل" إزاء جهود الحكومة
العراقية لتمرير قوانين مهمة تهدف الى المصالحة السياسية. وهكذا فإنهم
يتخذون، مرة، موقفاً يبدو قاطعاً ويريدون شيئاً سحرياً، ومرة أخرى
يتحدثون عن انسحاب، وثالثة عن تهديد بالانسحاب، ورابعة عن بناء قواعد
ثابتة ووجود طويل الأمد، وما الى ذلك من مواقف تبدو مثل لعبة توزيع
أدوار. وبينما كان المحافظون الجدد ينظرون الى تقرير بيكر ـ هاملتون
على أنه وصفة للاندحار، بات بوش ومقربون منه ينظرون في اتجاه آخر.
ويبدو أنهم بدأوا، كالعادة، يهيئون لتراجع، حتى إذا ما سارت الأمور على
نحو مخالف لتوقعاتهم فسيلجأون الى التبرير. ولا ريب أن من بين الدلائل
على التخبط نزعة المقارنة التعسفية التي غالبا ما ميّزت المحافظين
الجدد وستراتيجييهم. فبعد إخفاق خطة إعادة إعمار العراق على غرار خطة
"مارشال" لإعادة إعمار ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية،
وعدا عن المقارنة مع عواقب حرب فيتنام، جاء الدور، الآن، الى النموذج
الكوري الجنوبي. ويعرف كل ذي بصيرة أن تشبيه بغداد بسيئول ينطوي على
مغالطة فاضحة. وتكشف هذه المقارنات العرجاء لا عن جهل بالواقع العراقي
حسب، بل وبالاستخدام السليم للمقارنة كمنهج للتحليل. * * * أيمكن أن
تحصل معجزات خلال ثلاثة أشهر، وفي بلد مثل العراق سبّب فيه "المحررون"،
وبإسهام من "المقررين"، كل هذه المعاناة المريرة ؟ أبناء العم سام
أنفسهم، مثل ساسة بلادنا، كلٌّ يغني في سربه، ولا يريد أن يسمع غناء
الآخر، بينما تقضي عناصر في ستراتيجية الدولة العظمى بالتهديد بقطع
الدعم العسكري والمالي عن الحكومة العراقية إذا ما "تخلفت" عن إنجاز
شروط واشنطن .. وأبناء العم سام هم الذين تجاهلوا خيارات القوى
السياسية الوطنية وفرضوا الحرب وسيلة وحيدة لإسقاط الدكتاتورية، بينما
لم يكونوا مستعدين لزمن السلم، ولم يكونوا قادرين على النظر في الأفق
.. وأبناء العم سام هم المسؤولون عن التداعيات التي بدأت ملامحها تتضح
منذ الأشهر الأولى على "التحرير" .. وهم الذين أوغلوا، وما يزالون، في
منهجيتهم التي قادت الى نشوء فراغ سياسي وأمني خطير، وأدت الى كل هذا
الموت اليومي والاضطراب والفوضى والانهيار وشريعة الغاب .. وهم الذين
أسسوا منهجية المحاصصات المقيتة، التي عمقت التخلخل العاصف في التوازن
الاجتماعي والسياسي، وهي في أساس المآسي والمعضلات .. لو أن توماس
جيفرسون كان حيّاً وقيض له أن يشهد فظائع أحفاده لأدرك أن زعماء البلاد
التي أسس دستورها ضلّوا طريقهم، وهم، اليوم، يسيرون على غير هدى !