الأعلام المعاصر وأدواره
الصالحة والكالحة // 13 ناجي نهر
الحلقة الثالثة عشر : ستكون مشابهة للحلقتين السابقتين كونها ستعطي
نماذج عملية فى الأعلام المعاصر ,والموضوع الذي إخترته للمناقشة هو -
نظرية العالم الأمريكي مارشال ماكلوهان - التي تعتبر من النظريات
الحديثة جدآ والتي يعتبر فيها ماكلوهان أن وسائل المواصلات لعبت
الدورالأساسي فى - مسيرة التطور الأنساني والحضاري العام ولازالت -
وسنقارنها بالنظريات الحديثة التي سبقتها أو عاصرتها حتى يومنا هذا ,من
أجل التعرف على من هي النظرية الصحيحة والأكثر دقة ,والتي برهن ,الواقع
على صحتها بالتطبيق ,وبرهنت عليها مختلف معطيات العلوم الرياضية
والفيزيائية والكيماوية والأجتماعية والعلوم المختصة الأخرى , وأصبحت
بمثابة قانون من القوانين العلمية والبحثية المسلم بها والمعترف
بصوابها من جميع المدارس العلمية ومن مختلف الباحثين والعلماء
الأختصاصين ,وأصبح مثلها كمثل النظريات العلمية فى التقلص والتمدد
,وقوانين نيوتن الجاذبية وقوانين التكامل والتفاضل وقوانين وحدة
الأضداد وغيرها ، وبعد التدقيق والتمحيص والمقارنات ,نستطيع القول أن
,نظرية ماكلوهان ,نظرية صحيحة فى أكثر معطياتها ,لكنها بذات الوقت
,ركيكة وتفتقر الى الدقة فى بعض جوانبها الأخرى , لذا سأعتمد فى
مناقشتها المقارنة بالنظريات الصحيحة المعترف بها من أكثرية العلماء
والباحثين ,وسأناقشها بأيجاز وموضوعية وكالآتي : -
1) - من حيث الأكتشاف التحليلي النظري ,فأن ما جاء بنظرية العالم
الأمريكي ماكلوهان من تناول نظري يميل الى الدقة من جانب التطورالعلمي
والتكنلوجي , لا يعود الى بنات أفكاره بالذات ,بل هو منقول من نظريات
عديدة لفلاسفة الثورة الصناعية التي إستهلت بواكيرها فى منتصف القرن
السابع عشر ,ثم جاء القرنان الثامن عشر والتاسع عشر حاميا الوطيس
بالمعارك والصراعات الفكرية ونظريات الحداثة والتغيير الصناعي
والأجتماعي والحضاري العام ,وفى الثورات التحررية المختلفة ,وقد إشتهر
من فلاسفة تلك الفترة - كانت وديكارت وهيكل وفيورباخ وماركس وإنكلس
وآخرين - وكان - ماركس - من أبرز إؤلئك الفلاسفة الذين اعطوا فى
أبحاثهم ونظرياتهم ,أدلة موضوعية مقنعة عن التفسير المادي للتاريخ وعن
تحليل صراع الطبقات الأجتماعية والتطور في مجال العلوم والتكنلوجيا عبر
ذلك الزمن وبينوا أن أسباب هذا الصراع وتداعياته وايجابياته ,وتوصلوا
الى أن من أهم تلك الأسباب هي الملكية الخاصة لوسائل الأنتاج والتأثير
المتبادل بين تطور ,عمل الأنسان وتطور وسائل الأنتاج على وعي الأنسان
,وما جره إستغلال الأفراد أو الطبقات أو الشرائح الأجتماعية المالكة -
لوسائل الأنتاج - لجمهرة العمال الأجراء الذين يعملون على تلك الوسائل
من مآسي وجرائم بشعة ومتوحشة ,لازالت قائمة حتى يومنا هذا ولو بدرجة
أرحم ,ولكن قسوة الأستغلال ومرارته أفرزت من الإيجابيات ما هو أهم من
ذلك الأستغلال فقد أفرزت زيادة الوعي ,فلكي يضمن العمال رضا الرأسمالي
عنهم ويحدوا من بطشه وتوحشه عليهم ,كانوا يتسابقون على تطوير وسائل
الأنتاج التي يعملون عليها ,فيحدثون بذلك نقلة نوعية فى تطويرها , كانت
فى الوقت ذاته ,ترفع من مداركهم ووعيهم درجة أعلى , وتؤدي الى تراكم
التطور بفضل - عملهم - الذى حدده ماركس بأنه العامل الحاسم فى التطور
الحضاري المتعدد الجوانب وقد كان التأثيير المتبادل بين تطوروسائل
الأنتاج وعمل الأنسان ولايزال سر إستمرارية حركة التطور المطرد و
سرمديتها ,بلا إنقطاع . ولكن حركة تطور المجتمعات كما يحدثنا التاريخ
لم يك مفروشآ بالورود والرياحين ,ولم يأتى ,دفعة واحدة وبتلقائية ,بل
جاءت سيرورته متدرجة تخللتها كوارث ومآسي ودماء ما أنزل الله بها من
سلطان ،كما أن هذه التطورات لم تكن إحادية الجانب ,ولم تكن معتمدة على
تطور وسائل اللأنتاج لوحدها ,بل كانت تطورات مترابطة ومتبادلة التأثيير
,وشاملة غطت مختلف نواحي الحياة وعلومها , وكان لتطور علم الأتصالات
والأعلام المعاصر شأنآ عظيمآ فى حركة التطور , أبهرت العالم الأمريكي -
مارشال مكلوهان - وزميله العالم الأمريكي - هارولدأنيس - ولوثت بعض
الحقائق التاريخية فى نظريتيهما التحليلية للتطور التاريخي والنظريات
الصحيحة الأخرى , فهما حينما يتكلمان اليوم عن محركات التطور المعاصر
ويربطانه بتطور علم الأتصالات ويعتبرانه هو العامل الحاسم فى مسيرة
التطور وليس هو تحصيل حاصل لعمليات التطور المتتالية,فأن هذاالتحليل
المبتور لعملية التطور ,هو ما شكل الجانب الركيك فى نظريتهما ,فعلم
الأتصالات ,برغم أنه مذهل حقآ ,لكنه يبقى تحصيل حاصل لتطور وسائل
ألأنتاج ووعي الأنسان ,فحتى مكلوهان وصاحبه يستدركان ويفيقان لركاكة فى
بعض الأحيان لتحليلاتهما العرجاء ,ويعودان الى الأستنتاجات والتحليلات
الموضوعية و تتبع خطوات طريق التطور الصحيحة . وكما يؤكد الواقع فأن من
السهل على المختصين والمهنيين إثبات أن تطور وسائل الأتصالات العملاقة
والمعقدة كالأنترنيت وغيرها إنما هو تطورجرى بصورة تدريجية إبتدأت من
عمليات إرسال وإستقبال بسيطة ومن أجهزة سلكية ,ثم تطورت الى لاسلكية
,ثم الى شبكات وأقمار صناعية وهكذا , ومثل هذا التطور الكبير الذى جرى
على علم الأتصالات جرى على الناس أيضآ ,وبما يتناسب مع وعيهم وثقافتهم
وتنوع مصالحهم وعلاقاتهم وإسلوب خطابهم ودبلوماسيتهم .
2) - يقول ماكلوهان = إن الأشياء التى نكتب عليها كلماتنا ,لها أهمية
أكبر من الكلمات ذاتها , بمعنى أن وسائل الأتصالات هى وسيلة وليست هدف
,ونجاحنا فى إستخدامها يتوقف على الدقة فى إختيارنا المناسب لها لتحقيق
الهدف المطلوب ,فهذا الأستخدام هوالذى سيصبح أكثر تأثيرآ من الوسائل
وألأهداف المطلوبة الأخرى . فنحن حينما نطبق إستخدام التكنلوجيا
الجديدة فهى التي ستخلق لنا ظروفآ وأنماطآ جديدة فى حياتنا برغم أن
البعض يعتبرلأول وهلة بأن هذا الأستخدام فاسدة ويحط بالشأن لعجزتلك
الآلة عن تحقيق الطموح بشكل مباشر ,ولكننا فيما بعد نتعود عليها
ونستشعر بلذتها ,ونعترف بأن الجديد سيمكننا من تحويل ما سبقه من قديم
الى فلكلور فني من الماضي ويبقى من أفدح الأخطاء وأكثرها ضررآ وجريمة
التمسك بالماضي والجمود عليه وتكفير وذبح كل من يستخدمه لأغراض تطوير
الحياة كما يفعل السلفيون المعاصرون اليوم . ويقال ,حينما إكتشفت
الكتابة ,حول ,أفلاطون الحوار الشفهي القديم الى شكل فني ,وحينما كانت
الطباعة جديدة ,أصبحت العصور الوسطى برمتها شكلآ فنينآ من التراث
,وبرغم ذلك فأن الخوف والقلق بدأ يراود البعض فى أواخر هذه المرحلة
التاريخية , بسبب سرعة وتغلغل التطور التكنلوجي وقد تم التعبير عن هذا
الخوف بفكرة مسرحية رقصة الموت .وجريآ على تحول القديم الى فلكلورعلى
نمط الأفكار الأفلاطونية تلك ,ونظرآ لأن التكنلوجيا الحديثة قد تغلغلت
فى جميع مقومات الحياة ,فقد خلقت سلسلة كاملة من الظروف الجديدة
المربكة التى يتم التعبيرمن خلالها عن القلق والمخاوف منها بحذر مشابه
للمخاوف من العولمة المعاصرة فقد تجسد التعبير عن تلك المخاوف بصور شتى
,فى مسرح العبث والثقافة السادية وفى الفلسفة الوجودية واللبرالية
المتحللة وغيرها ,ويعود سبب هذه المشاكل وتداعياتها وكل ما فيها من
مخاوف وقلق الى أن البعض حاول تطبيق الأستفادة من تطور تكنلوجيا وحضارة
اليوم بوسائل وأدوات ,الأمس القديمة فحدث التناقض والصراع !!! فرجل
الدين الجامد على نصوص إنتهى زمانها ومفعولها وأضحت اليوم - إكس باير
ُExpire - لا يمكن له أن يكون متحمسآ ومخلصآ وصادقآ للتغيير كما مخطط
له وبما يتناسب مع الطموح ,كما أن فشل تطبيقات الفلسفة الوجودية
والنظريات العبثية الأخرى ,إنما هو دليل على القصور فى فهم أن التطور
فى أي جانب من جوانب الحياة إنما يعني - حل لمشاكل الأشياء والموجودات
السابقة - ,التى فرضتها ضرورة التطور فى حينها ,والتي ليس بالأمكان
إيقافها أوالتلكأ بتطبيقها ,فتطور الطائرة كان الحل لمشاكل السيارة
وتطور التلفزيون كان الحل لمشاكل الراديو - - وهكذا .
3) - ماكلوهان لم يهاجم التلقائية فقط ، ولكن أيضآ الطبيعة التجريدية
,فبدلآ من المقدرة على التجريد ,يهتم بالمقدرة على التخيل ويعتبره محور
فكرته التى يقتبس منها التفريق بين الأشياء التى يسميها - ساخنة وباردة
- وكان يقصد بالساخنة هي الأشياء والوسائل التى لا تحافظ على التوازن
فى أستخدم الحواس أو الوسيلة التى تقدم الأفكار جاهزة الى حد ما ,مما
يقلل حاجة الفرد للخيال , أما الوسيلة - الباردة بنظره - فهى الوسيلة
التى تحافظ على التوازن بين الحواس ,وتحتاج الى خيال المكتشف ,والى
أقصى درجة من الجهد الخيالى من جانب المتفرجين على التلفزيون بأعتبار
أن التلفزيون يحتوي على عدد كبير من نقاط الضؤ الصغيرة التى يجب أن
تنظمها المحسوسات الحسية ,وتصنع منها صورة للواقع . ولكن ماكلوهان ,حتى
فى هذه النظريات التى ينسبها له ,يعود فيناقض تحليلاته أيضآ ,حيث يذهب
الى إعتبار الراديو من الوسائل الساخنة ,ويعتبر الفيلم الناطق
والتلفزيون من الوسائل الباردة لكونها لا تحتاج الى جهد خيالى .وما الى
ذلك .
4) - إن هذه الأفكار الديماغوغية وتأرجحها المتخبط ,موجودة ,فى ثقافة
,أغلب المفكرين الرأسمالين ,حيث يعود ماكلوهان ثانية فيصحح رأيه فى
التلفزيون مادحآ له ,بأعتباره سيعيد الناس الى الثقافة الجماعية والى
التجارب الجماعية فى الثقافة الشفهية ,وسيساعدهم على المساهمة
الأجتماعية بدلآ من العزلة والأنسحاب السلبي ,ويدفع الناس الى الأنخراط
فى العمل الجماعي بدلآ من الأنشغال بتداعيات التفكير الأنفرادي السقيم
والمحبط ,كما سيساعد - القوميين الشوفينين وغلاة الطائفية الى الأندماج
بمواطني شعوبهم من أجل الديمقراطية للجميع , بدلآ من التطرف وإثارة
النعرات العدائية والأقتتال ,ويقول ,بهذا الصدد ,لو كان التلفزيون
موجودآ على نطاق واسع خلال حكم - هتلر - لساعد على إختفائه بسرعة ,وهذه
الوصايا الأخيرة لماكلوهان تعتبر من المساهمات الأجتماعية والتكنلوجية
المفيدة التي قدمها للناس ولشركات التلفزيون ,فى آن واحد .
5 - سأعود الى ماركس وماكلوهان ثانية من أجل المقارنة المقتضبة ليس إلا
: - يؤكد ماركس على أن أساس التطور التكنلوجي والذهني هو - العمل -
وهوالذي خلق الوعي بسيرورة متدرجة ,ويعنى بذلك ان ، الأنسان تعامل مع
المحسوسات المادية أولآ وقبل أن تكون له أية تصورات جانبية أو أفكار
محددة بمعنى أن الأنسان,حينما باشر العمل لم يكن عاقلآ ,وهذه النظرة
المادية فى تفسير التطور أثارت جدلآ - واسعآ ,وسع الدنيا برمتها
,وقسمها الى مدرستين فكريتين متناقضتين فى الرؤى - مادية - و - مثالية
-
المدرسة المادية : تعتبر المواد والمحسوسات أولآ أي - المادة قبل الفكر
- ,والمدرسة - المثالية - ,تعتبر ,الفكر أولآ ,أي أن الفكر موجود قبل
المادة لكنه فكرغيبي وغير منظور ,وإنه ,أي الفكر ,خالق كل شئ , من قبل
أن يخلق الأنسان ,ولا دخل للأنسان بألتطور إلا بقدر ما علمه ويعلمه
وسيعلمه - الله - س – والله هو الفكر المطلق .
وبحسب نظرية ماركس المادية فأن عملية التطور بدأت بتلك الشذرات البسيطة
من وعي الأنسان ,التي دخلت رأسه بالصدفة ، ومكنته من الأستفادة من
النار التي إكتشفها وبالصدفة أيضآ ومكنته من أكل الغذاء مطبوخآ , ثم
إستبدلت سلاحه الحجري بسلاح معدني بالصدفة ,ثم علمته تدجين الحيوان
والرعي ثم ,الأستقرار فى أرض محددة وزراعتها ,ثم دفعته الحاجة الى
الزواج والتناسل والذرية ,وهكذا بدأت وترعرعت عملية التطور متلازمة
بتطور المادة ثم الفكر ,وبعد أن أخذت مدارك الأنسان تتطور بالتدريج
,أخذت وسائل الأنتاج التى صنعها تتفاعل مع درجات وعيه ,وتتطورنحو درجات
أكثر رقيآ وتطورآ .وتضغط بأستمرار لترفع من وعي الأنسان الذي صنعها
درجة أعلى ,أي تدفعه للأستجابة الى متطلبات حاجاته الجديدة المتلاحقة
,حتى أصبحت الحاجة مثلآ معروفآ لدى الناس البسطاء - الحاجة أم الأختراع
- كما بدا واضحآ ,أن كل شئ ينشأ ويتطور بدافع الحاجة ويهدف الى تيسير
العيش وتحسين وسائل الأنتاج وقوى الأنتاج ,ثم الحاجة الى وسائل مواصلات
وتسويق لتصريف ضخامة الأنتاج التى دفعت بها وسائل الأنتاج العملاقة الى
ما فوق حاجة المنتجين المحليين وحاجة السوق المحلية , ومن هنا فقد دفعت
حاجة تسويق الأنتاج الهائل الحيتان الكبار الذين يمتلكون تلك الوسائل
الى التفتيش عن أسواق خارج أماكن تواجدهم وعبر القارات الخمسة .
لكن العالم الأمريكي ماكلوهان ,المتأثر بثورة الأتصالات المذهلة ,يعتبر
أن الأتصالات هى سر تطور التكنلوجيا وسر تطور الحضارة والوعي ,من دون
أن يحدد المرحلة ,ربما سيكون لما يدعيه شئ من الصحة لو أنه حصر
تحليلاته بالواقع الحضاري المعاصر ,كما فعل زميله – هارولدأنيس – حينما
حدد بدقة المرحلة التى يتكلم فيها عن مستوى تطور علم الأتصالات ووصفها
قائلآ ( ما هي إلا وسائل أتصال متحيزة لأحتكار المعرفة والمنتوج على حد
سواء) لكن ماكلوهان ,أكد أكثر من مرة أيضآ أن تطور الأتصالات هو سر
التطور بل ,وهو الحياة بذاتها ,وهذا التحليل من وجة النظر العلمانية
الدقيقة يتعثر فى مفاهيمه وتحليلاته الخاطئة ويتناقض مع عملية
التطورالعلمية ,خاصة حينما يبحث فى الحواس والمؤثرات الخيالية وطبائع
الأنسان المختلفة وكما يزعم أن لكل وطن خصائص وسجايا وطباع مختلفة
تتغير بتغير التكنلوجيا ,وهذه الصفات والسجايا الجديدة هي عنوان حضارة
البلد وعلامة التقدم فيه ,وفات ماكلوهان أن بالأمس القريب لم يكن
التطور الحضاري والتقدم العلمي فى اليابان والصين أو فى غيرها على ما
هو عليه الآن من التطور المركب ,فما الذي تغير ؟ , أتغير طبع هذه
الشعوب بين عشية وضحاها عندما تطورت التكنلوجيآ ؟ ,كلا إنما الذي تغير
فى تلك الشعوب هو ظروفها المادية ,هو تطور إنتاجها الراقي ,هو أنظمتها
التى تفجر الطاقات الخلاقة وتحرر العقل وتتيح فرصآ عظيمة للأكتشاف
والأختراع والعلم وتطور المعرفة بشكل شامل وعام ,فالعلم بعد التطور
الهائل لوعي الأنسان ,لم يعد خاضعآ للصدفة كما كان فى الجاهلية
المتوحشة ,بل الى البحث والتجارب والعمل الدؤوب والغوص فى بطون المعرفة
, ومن هنا نستطيع أن نفسر السر فى عجز البلدان المتخلفة ,لا سيما تلك
البلدان التي تعتمد فى الأساس على الزراعة وتسود فيها الأمية والجهل
,الذان يحرمانها عن اللحاق بركب الحضارة ، فهذا التخلف ليس له أية
علاقة بطبع الشعوب المتخلفة أوسجاياها وأصلها وفصلها أو عدم إصالة
عنصرها ولونه أوالى تخلف عقولها وأمزجتها و ضعف خيالها ,فأبناء البلدان
المتخلفة حينما تتاح لهم الفرصة فى تحرير عقولهم سيستطيعون من دون أدنى
شك اللحاق بأخوتهم من بني الأنسانية فى البلدان المتطورة ,ويضاهوا
أقرانهم فى الأختراعات والعلوم وفى إغناء الثقافة الأنسانية بكل ما لذ
وطاب .
6 - لا أريد هنا أن أنفي إعتراف العالم الأمريكي ماكلوهان ,بتأثير
الزمان والمكان على مجرى التطور الأنساني ,لكنه تناوله بشئ من الضبابية
التي ,توحي أحيانآ بعدم الأهتمام , ولم يطرحه كحقيقة موضوعية مؤثرة
وواضحة كالقوانين الرياضية ,كما فعل من قبله ,المفكرون العلمانيون
أمثال ديكارت وفيورباخ و ماركس وإنكلس وأعطوا بذلك مثلآ نيرآ لبيان هذا
التأثير الحاسم ,كما أن - روسو - وهومن أفذاذ آيديولجيي الثورة
الفرنسية ,لم يستطع أن يتوصل فى كتابه - العقد الفريد - الى مفهوم
الديقراطية كما يطمح لها المنتجون من العمال والفلاحين ,لكن الذين
توصلوا الى ذلك الشكل من الحكم ,ولو بصورته الأولية ,هم عمال باريس فى
ثورتهم عام 1871/ كما أن ,إعلان حقوق الأنسان الذى جسد مبادئ وأهداف
الثورة الفرنسية لم يستطع هو أيضآ أن يرفع تلك المبادئ والحقوق مثلما
هى عليه الآن ,وكما ليس ثمة من يستطيع أن يجادل ,فى عبقرية الأقتصاديين
الكلاسيكيين الأنكليز ,فأذا لم يستطيع هؤلاء الأقتصاديون النبهاء ,أن
يتوصلوا الى ما توصل إليه رواد النظرية العلمية من كشوفات هائلة ,فليس
السبب قصورآ فى عقلياتهم ,وإنما هى ظروف الزمان والمكان وتأثيرهما على
وعى الأنسان العام والشا مل ، كذلك فأن الدعوة الأسلامية مثلآ ,برغم
طابعها التقدمي إبان ظهورها ,فقد أقرت - الرق - ولم تستطع ,وهى بعد
فتية من تحريمه ,ولم يكن بأستطاعتها إلغاء إمتيازات الرجل على المرأة
,و لم تكن قادرة على إلغاء جملة من الأمتيازات لأغنياء قريش وملكياتهم
الخاصة ,برغم أن نباهة الرسول وعبقريته وإنسانيته - ص - ليست موضع جدل
,ولم يستطع من بعده الخليفة النابه عمر بن الخطاب - رض - أن يحقق
أفكاره المثالية ,كما تملكت الأمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -
الخيبة والمرارة ,عندما إصطدمت مطامحه الأنسانية بواقع الحياة والناس
,وبالمثل أيضآ أخفق أبي ذر الغفاري فى نشر رسالته عن المساواة ,كما
أخفقت العديد من الحركات والثورات ذات الطابع الأنساني بسبب عدم ملائمة
الزمان والمكان وتداخلهما بالمؤثرات والأسباب الرئيسية المؤدية للنجاح
أو الفشل .
7 - إن خلاصة ما أهدف إليه من هذه المقارنة النظرية الموجزة بين عمالقة
الفكر ونظرياتهم التحليلية في مجالات تطور الحياة المتشعبة والمتداخلة
التأثير ,هو التأكيد على أن - العمل - أساس التطور التاريخي والتكنلوجي
العام والشامل ,وإن كل ما نراه اليوم من تطور فى مختلف جوانب حياتنا
بما فيه التطورالحاصل على وسائل الأتصال وعلوم الأتصالات بشكل أعم ,
إنما جاء نتيجة وحصيلة حاصل للعمل وتفاعله مع الوعي كما أن حاجة
الأنسان الى التطور تأتي بسبب تزايد حاجاته .
- يتبع