17-07-07 09:54
تأملات
صخب في واشنطن
وموت في بغداد !
رضا الظاهر
من سوء حظ هذه البلاد المنكوبة أنه في كل مرة تأتي قضية لا تخطف
الأضواء من المعضلات الرئيسية حسب، وإنما يجعلها "سياسيون" القضية
الرئيسية الأولى. ويبدو أنه جاء، الآن، دور التقرير المرحلي لحكومة
بوش، الذي اعتبرته الحكومة العراقية "إيجابياً"، بانتظار تقرير أيلول
المقبل، المفصلي، الذي يقدمه الجنرال بترايوس والسفير كروكر الى
الكونغرس الأميركي.
واعتبار الحكومة تقرير بوش المرحلي "إيجابياً" هو، في الواقع، جزء من
ممارسة "سياسية" يدفع الحكومة الى المشاركة فيها عجزُها عن حل
المعضلات، واعتمادها على "القوة" الأميركية، وعدم السعي الى وضع حلول
تدريجية مدروسة وعملية للمعضلات الأساسية، والتوجه الجاد للتخلي عن نهج
المحاصصات الطائفية، وتحقيق مصالحة وطنية، واتخاذ إجراءات سياسية
واقتصادية واجتماعية في إطار مكافحة الارهاب وانفلات المليشيات وتفاقم
النزاع الطائفي، وتحقيق الأمن، الذي يعتبر حلقة أساسية في إنجاز
البرامج الأخرى، وبينها إعادة الاعمار، وفي غضون ذلك تمهيد السبيل
لإنهاء الاحتلال واستكمال السيادة الوطنية.
والحق إن الإشادة بالتوجه "الايجابي" لتقرير البيت الأبيض لا يتعدى
البيانات السياسية المستندة الى مصالح ضيقة وصراعات بين الجمهوريين
والديمقراطيين بالأساس، وإلا ما معنى تلك التناقضات الفاضحة في
التصريحات الأميركية، والعراقية أيضاً.
وعلى أية حال فإن تخبط واشنطن فاق الحدود، ولم يعد المرء بحاجة الى
كثير عناء حتى يكشف عن تجليات هذا العجز.
فالمس كوندي، على سبيل المثال، كانت قد أنذرت رئيس وزرائنا قائلة
"ستتدلّون على الأعمدة قريباً جداً إن لم تتفقوا"، بينما تدافع عن
سياسات بوش في العراق بعد تصويت مجلس النواب الأميركي بالأغلبية على
الموافقة على تشريع يقضي بإعادة القوات القتالية بحلول نيسان المقبل.
وفي هذا السياق قالت رايس إن إدارة بوش تحتاج الى شهرين إضافيين للتوصل
الى "منهج متماسك للمضي قدماً" في العراق.
وكشفت "واشنطن بوست" في تقرير الكاتب البارز بوب وودوارد عن تحذير
وزيرة الخارجية لرئيس الوزراء الذي جاء في تقرير أورد إن "وكالة
المخابرات الأميركية قالت إن انعدام الاستقرار في العراق يستعصي على
الحل".
وأبرز وودوارد إن مايكل هايدن، مدير الوكالة، كان قد أبلغ لجنة بيكر ـ
هاملتون في الثالث عشر من تشرين الثاني الماضي بأن "قدرة الحكومة
العراقية على الحكم أمر لا سبيل الى تحقيقه، وأنه يتعذر وجود مرتكز
يمكن أن يستند اليه في تحويل مسار الأمور"، مؤكداً أن الحكومة العراقية
"عاجزة عن الدفاع عن نفسها حتى على المدى القصير". ويبرز التقرير قول
هايدن إن "انسحابنا سيجعل الوضع أسوأ، وبقاءنا لن يجعل الأمور أفضل،
واستمرار نهجنا من دون تعديل لن يجعل الأمور تسير نحو الأحسن"، وهو ما
يكشف عن حيرة ما بعدها حيرة على ما يبدو !
ويأتي هذا في وقت يتعرض فيه بوش الى ضغوط متزايدة داخل حزبه، ويخشى فيه
المسؤولون من أن تنهار أعمدة التأييد السياسي بين الجمهوريين في مجلس
الشيوخ لسياسة بوش في العراق.
أما الرئيس، الذي أقر بضآلة التقدم السياسي والعسكري في العراق منذ
قراره زيادة القوات، فيصر على التخبط والوهم في أن الحل عسكري وعبر
زيادة القوات، ويؤكد أنه "لن يحدد تاريخاً للفشل". وعلى الرغم من كل
التجليات الصارخة للانهيار الشامل للوضع على مختلف الصعد يصرح نائب
مسؤول من الائتلاف العراقي الموحد، الأسبوع الماضي، بأن "الحكومة تمر
بأفضل مراحلها في الوقت الحالي"، وهو تقييم لا يمكن أن يكون مجرد "رأي"
أو "اجتهاد"، فمثل هذه التقييمات لابد أن تستند الى وقائع، يعرف القاصي
والداني أنها تناقض تماماً، بل وتفضح على نحو صارخ، مثل هذه التصريحات
"البلاغية".
وفي سياق ذلك يسعى رئيس الوزراء، حسب نائب البرلمان ذاته في تصريح له
الخميس الماضي، الى بلورة موقف واضح إزاء تصرفات الجنرال بترايوس،
لاسيما تلك التي يعتبرها تجاوزاً على صلاحياته، منتقداً القوات
الأميركية على ما تقوم به من دور يصادر سلطة الحكومة. وكان الجنرال
الأميركي قد قال، الأسبوع الماضي، إن "مواجهة التمرد في العراق مهمة
طويلة الأمد قد تستغرق عقوداً" !
* * *
بهذا التخبط يريد سادة البيت الأبيض حل معضلة الأمن وتحقيق
"الديمقراطية"، بينما يتواصل الموت اليومي، وتتعمق المآسي، ويظل
الملايين ضحايا سياسات "المحررين" وأوهامهم ولهاثهم وراء خروج من
"المستنقع العراقي"، وخضوع "المقررين"، الذين يرتعب بعضهم من الانسحاب،
بينما يتاجر، في الوقت ذاته، بشعاراته.
كأن لم يبقَ شيء سوى الخروج من المأزق بـ "ماء الوجه"، أي بـ "هزيمة
مشرِّفة" .. غير أن "المحررين"، الذين هم من بدأ الخراب والانفلات
والمحاصصات، وما جرّه كل ذلك، وما يزال، من ويلات، لم يتركوا موتاً ما
سلطوه على مجتمع يتشبث بالحياة، ولا أغلالاً ما قيَّدوا بها مجتمعاً
يهفو الى الحرية، ولا جهلاً ما جسدوه في مجتمع يتطلع الى المعرفة، ولا
ظلاماً ما نشروه في مجتمع يتوق الى النور ..
أيها المحتلون: كفى تخبطاً .. ما الذي قد فعلتم بهذه البلاد !؟