الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كردستان TV

K-TV 1

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور

 

تأملات

 ما من حل بدون التخلي

عن نهج المحاصصات

                                                                            رضا الظاهر

 تكشف حقائق الوضع الأمني المتدهور والفظائع المروعة التي ترتكب كل يوم عن المحنة التي يعاني منها العراقيون، مثلما تكشف عن عجز وعقم السياسات والاجراءات المتخذة لمعالجة الأزمات. وهو عجز مرتبط، كما بات جلياً، بنمط الثقافة وطرق التفكير وضعف الكفاءة، فضلاً عن التسلكات التي تعكس عقلية الاستئثار والاقصاء والتزمت والاستحواذ.

وفي مجتمعنا يستهان، غالباً، بثقافة الاستفادة من الآراء والمعالجات المختلفة لحل مشكلة معينة. ولا ريب أن هذا يرتبط بسيادة ثقافة التخلف والاستبداد وعدم الاعتراف بالرأي الآخر. ولعله يرتبط، أيضاً، بتشبث المهيمنين على السلطة بتلك الكراسي الهزّازة التي تستدعي تأبيد الواقع القائم، وهو تأبيد يتطلب، من بين شروط أخرى، امتلاك الحقيقة المطلقة، وإقصاء الرأي الآخر، وخصوصاً المختلف، الذي يُشعِر مؤبدي الواقع بأنه يمكن أن يهزّ عروشهم.

وبالتالي فان الخطط التي ينفرد معنيون برسمها، وبينها على سبيل المثال لا الحصر، خطة أمن بغداد، تفضي الى فشل. ولا حاجة الى أن يواصل "المحررون" و"جهابذة السياسة" إخضاع ملايين العراقيين المساكين الى "تجارب" في مختبراتهم شبيهة بالتجارب التي تخضع لها الفئران.

وفي هذا الوضع المتأزم نواجه انفلاتاً لا مثيل له، وعدم تحرك أية جهة في إجراء  أبعد من الكلام الانشائي والتصريح الذي لا يفعل سوى ذر الرماد في العيون. ونشهد تجليات مفجعة وغريبة، وسط إصرار قوى الارهاب والظلام على مواصلة بشاعاتها، وأحياناً بطريقة عشوائية، لمجرد إرباك الوضع  والتشكيك بقدرة الحكومة على فعل شيء. والناس، بعد يئسوا من إمكانية تحقيق الوعود المنتظرة بشأن استتباب الأمن، يهربون أفواجاً من الجحيم، مهجّرين ونازحين قسراً في الداخل والى الخارج. وعمليات المليشيات المنفلتة، المتعددة الولاءات، والمنسقة أفعالها مع أفراد من الشرطة، تتصاعد باتجاه تأجيج الصراع الطائفي والتحريض على الفتن، الذي يشارك فيه "جيران" فضلاً عن قنوات إعلامية، بينما تستمر حالات التوتر والنقاش المفتعل بين الأطراف المختلفة، وتنعكس المواقف والخطابات المتشنجة والتصريحات المتناقضة واللامسؤولة لبعض الأطراف.

وفي غضون ذلك تتواصل مزاعم المسؤولين، دون تقديم حقائق تقنع الناس وإجراءات فعالة تستعيد ثقتهم بالحكام والقوى السياسية. فالمسؤولون "يطهّرون" الأماكن حسب ما يدّعون، ولكن سرعان ما تنفضح ادعاءاتهم، إذ تشهد تلك الأماكن تجدداً للقتال. وهكذا حال الارهابيين الذين يبدو ان لا عدَّ لهم إذا ما صدقنا التقارير والروايات الرسمية التي تتحدث عن قتل أفواج منهم وإلقاء القبض على آخرين لا يعرف أحد شيئاً عن مصائرهم وخططهم وارتباطاتهم وما الى ذلك من حقائق.

ومثلما لا يعرف الناس شيئاً عن هؤلاء، فانهم لا يعرفون شيئاً عن السجون السرية وفظائعها، وعن "فرق الموت" وطبيعتها والجهات التي تمولها وتدعمها. كما أنهم لا يعرفون لماذا لا يلقى القبض على من تسميهم الجهات المسؤولة "المسلحين المجهولين"، وماذا تفعل "قوات حماية المنشآت" الغائمة المهمات والصلات، فضلاً عن نشاط أولئك المتطرفين الذين يتحركون من خلال أجهزة في الحكم.

أما انتشار قوات التحالف في شوارع بغداد، ثانية، فليس الدليل على فشل خطة أمن بغداد. فهذا الفشل تجلى قبل ذلك. وهكذا سيكون حال كل خطة لا صلة لها بالواقع ولا بالناس، يلجأ اليها "المخططون"، سواء كانوا من الحكام أو من "المحررين" ليكتشفوا، بعد "التجريب" في مناخ الفوضى، أنها أخفقت، ليبدأوا من جديد، وربما من الصفر، مرة أخرى، كما هم على الدوام فاعلون، وفي كل إجراء متخبطون.

كأن الحكام و"المحررين" لم يشبعوا من الأزمات، فراحوا يرشحون أزمة جديدة الى النشوء والتفاقم عبر نشر قوات التحالف مجدداً في عاصمة الدولة (أهناك دولة حقاً ؟) التي أرادوا لها أن تكون نموذجاً لذلك "الشرق الأوسط الديمقراطي الجديد"، الذي عادت كوندوليزا رايس تلهث، من جديد، وراء سرابه !

وعلى أية حال فان ما بات أكثر جلاءً اليوم هو أن حل معضلات البلاد ليس مجرد تصريحات رنانة ووعود كلامية وإجراءات متسرعة أو ردود أفعال. فهذا الحل لابد أن يكون أشمل، وأن يستند الى جملة من العوامل، وبينها، أولاً وقبل كل شيء، التخلي عن المحاصصات نهجاً وسلوكاً، وإعلاء شأن المواطنة، ووضع الحلول السليمة، الحاسمة والعاجلة، المرتبطة بمعالجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسبل التنفيذ العملية المستندة الى مشاركة وإرادة الناس، والالتزام الحقيقي والمسؤول لكل القوى السياسية، ومتابعة وتقييم الخطط الموضوعة باتجاه إنهاء مآسي الملايين ومعاناتهم وتلبية حاجاتهم وآمالهم في عراق حر حقاً وجديد حقاً.

*     *     *

أكل هذه الدماء الغالية التي تسيل في الشوارع وحكومة "الوحدة الوطنية" تعجز عن  حماية حياة مواطنيها ومصادر رزقهم، وعن وضع خطط فعالة لانقاذ البلاد من الكارثة ؟

لماذا لا يكف اللاهثون وراء المصالح الضيقة والعمى الآيديولوجي والمغانم الآفلة والكراسي الزائلة عن لهاثهم ؟

لماذا لا يتسامى السياسيون، مبتعدين عن صراعاتهم التناحرية، وجاعلين من تباين واختلاف آرائهم قاعدة للتسامح والوئام ؟

هل قُدّر لهذه البلاد المنكوبة أن تطول فترة انتقالها، فتطول بها الآلام والمصائب ؟