الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كـــــــــاليري

ميمري

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور

17-04-07 08:24


تأملات

الخروج من متاهة بغداد !

رضا الظاهر

في تقرير جديد لها أصدرته الأربعاء الماضي بعنوان "مدنيون بلا حماية ـ الأزمة دائمة التفاقم في العراق" سألت لجنة الصليب الأحمر مدنيين عراقيين عما يتعين فعله لمساعدتهم. وجاء في إحدى الإجابات على لسان امرأة "إن العراقيين بحاجة الى المساعدة في جمع الجثث الملقاة في الشوارع أمام منازلنا كل صباح".
هكذا دخلنا العام الخامس على "التحرير" ونحن أمام صدمة الإجابة على أسئلة المعاناة والمصير الحارقة. ومنذ "يوم التحرير" وحتى اليوم جرت مياه كثيرة تحت جسور كثيرة، فتغيرت الصور والحسابات والوعود الأولى، وبان ما كان مخفيّاً من حقائق ونوايا، وانكشفت الهوة السحيقة بين الواقع والأوهام، وانفضحت رسالة المحافظين الجدد حول الحرية، و"انتصارات" رئيسهم الأثول الزائفة. وتحولت بلاد الرافدين من "جنة الديمقراطية" الموعودة الى جحيم الفوضى والموت اليومي والصراع الطائفي واستعصاء الأزمات في كل الميادين.
ولا ريب في أن السبب الأساس يعود الى انفراد "المحررين"، الذين لجأوا الى إسقاط الدكتاتورية عبر الحرب، أسوأ الخيارات وأكثرها كارثية، كما أثبت الواقع دون إبطاء، حيث أصر "زعماء العالم الحر" على جهلهم بالواقع، وتجاهلهم لارادة الوطنيين العراقيين الحقيقيين، ممن حذروا من العواقب الوخيمة الأكيدة للحرب.
أما العواقب فمن بينها: 655 ألفاً قتلوا، بينهم أكثر من 230 أستاذاً جامعياً وأكثر من 200 صحفي. كيف لا يكون العراق والحال هذه "ديمقراطياً"، بل نموذجاً لدول يريد العم سام إدخالها الى خيمته ؟ أهناك حاجة الى دليل أعظم من هذا على أن العراق "جديد"، وتجربته "ملهمة" ؟
إليكم بعضاً من حقائق مروعة أخرى: فوضى وسوء إدارة في مجال إعادة الاعمار، في وقت أُهدر ما يزيد على ثمانية مليارات من الدولارات، هي الفساد المعلن حسب، بينما كلفت الحرب وإعادة الاعمار واشنطن حوالي 400 مليار دولار حتى الآن، دون أن يلمس المرء ثماراً في النتائج، ودون أن يعرف "المحررون" أنفسهم الى أين هم سائرون !
هذا، بالطبع، وسط جحيم معاناة من بطالة تصل الى 60 في المائة، وهي أعلى بين النساء والشباب، ويصل من يعيشون تحت خط الفقر الى 30 في المائة. ولا يتمتع بخيرات هذه البلاد، الثالثة بين أكثر الدول فساداً، سوى اثنين في المائة، بينما تستعد احتكارات النفط الى أكبر عملية نهب وسط تهليل من يرتدون أزياء "الليبرالية".
وفي هذه البلاد خمسة ملايين طفل يتيم، وثلاثة ملايين أرملة، وأربعة ملايين مهجّر جديد في مابعد "التحرير"، بينما الدماء تسيل في شوارع الوطن، الذي تحول الى وطن طوائف، بفضل نهج المحاصصات بين "الشيعة والسنة والأكراد"، وسط "جيران" راحوا "يبرعون" في تمويل "مجاهدين"، وفي ظل احتلال مقيت، عاجز حتى عن "هزيمة مشرِّفة" !
وليس من باب المبالغة القول إن العنف بات شاملاً، بل وباتت أولوية العراقيين البقاء على قيد الحياة، الى حد أن حديث المجالس يدور، الآن، حول الطريقة المثلى للخروج الى الشوارع والتمكن من العودة الى البيوت بسلام.
وقد بلغ الانفلات حداً بحيث أن انتحارياً يفلح في تفجير كافتيريا للنواب، ولا يعرف المرء كيف استطاع هذا الانتحاري أن يخترق كل هذه التحصينات "الخضراء". ومن الصعب، بالطبع، أن يعرف تفاصيل عن هذا الاختراق وعن غيره، لا بسبب شيوع الكواليس وانعدام الشفافية حسب، حيث تشكلت العشرات من اللجان التحقيقية في العشرات من القضايا الخطيرة ولم تعلن واحدة منها نتائجها، وإنما، أيضاً، بسبب غياب ثقافة المساءلة.
وفي بلاد ما بين النهرين، التي يغيب عنها الماء، من بين خدمات أساسية أخرى، يجري تغييب إرادة الملايين. أما آخر "هدايا" الحكام لحرائرها المفجوعات فقرار وزارة الداخلية، أواخر شباط الماضي، بعدم السماح للمرأة بالسفر إلا بموافقة "ولي أمرها". ويبدو أن المنظمات النسائية ومنظمات المجتمع المدني الكردية هي وحدها التي أدانت هذا الانتهاك. ولابد أن هذه المنظمات "بطرانة". وإلا فلماذا يجب منح "ناقصات العقل والدين" فرصة سفر "دون محرم" ؟ أليست هذه مأثرة من "مآثر" العراق "الجديد" ؟
لاريب أن هذا جزء من ثقافة "جديدة" جوهرها التخلف والاستبداد وتأبيد الخنوع وانغلاق العقل وكم الأفواه والتجاوز على الحقوق الأساسية للإنسان، وهي جزء من تركة نظام مهندس المقابر الجماعية، وعواقب الاحتلال، والأزمة الاجتماعية العميقة.
* * *
بدون التخلي عن نهج المحاصصات، وتبويس اللحى، وشراء السكوت المتبادل، واللهاث وراء الامتيازات والنفوذ ..
بدون الاعتراف بحقائق الواقع، والكف عن الأوهام والتخبط وضيق الأفق والحلول العرجاء المنفعلة وقصيرة النظر ..
بدون تغيير ثقافة الاستحواذ والاقصاء والتهميش وعقلية المافيات وتعصب الطوائف والأقوام ..
بدون الخلاص من النفايات في الشوارع، والنفايات في العقول ..
بدون احترام إرادة الملايين من النساء والرجال، وإنهاء معاناتهم من العسف والتمييز والحرمان ..
بدون مصالحة وطنية حقيقية تستند الى المواطنة، والعدالة للجميع، والتمسك بالعراق حراً، وشعبه سعيداً، ومستقبله وضّاءً ..
لا يمكن الخروج من متاهة بغداد، ولا حل ما استعصى من معضلات البلاد !