الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كـــــــــاليري

ميمري

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور

14-06-07 03:25

 تأملات

 هل انتهى تسامح الرافدين !؟

  رضا الظاهر

 تواجه الأقليات الدينية والإثنية موجات من العنف لم يسبق لها مثيل في بلادنا التي ظلت توصَف، حتى تاريخ قريب، بأنها بلاد وئام قومي وديني ومذهبي وطائفي، قبل أن تصبح بلاد "شيعة وسنة وأكراد". وبات أبناء الطوائف والأقليات الصغيرة في العراق من الكلدوآشوريين والصابئة المندائيين والأيزيديين والأكراد الفيلية وسواهم، ممن ليست لديهم مليشيات تدافع عنهم، ضحايا صامتين للعنف اليومي قتلاً وخطفاً وتشريداً وتهديداً وإكراهاً، دون رادع، حتى أن المرء يتساءل: لماذا لا يوغل القتلة في جرائمهم ما داموا يُترَكون دونما عقاب ؟

وتتجلى معاناة هذه الأقليات، وهي جزء من المأساة العراقية الطاحنة، بصور مروّعة قلّ نظيرها، وعلى نحو يهدد باندثار أقوام عريقة، وتراث عميق الجذور، وثقافة ظلت رافداً أساسياً من روافد ثقافة بلاد الرافدين.

أما صور المعاناة فلا حصر لها. فقد ذُبح وقُتل مئات وشُرّد وهُجّر آلاف، واستُبيحت حرمات، وانتُهكت أبسط حقوق الانسان، ومورست فظائع مخزية وما تزال. وكل هذا في عراق "الديمقراطية" و"التعددية" الجديد، الذي تندلع فيه عواصف "المحررين" عسكرة وتخبطاً وغطرسة وجهلاً وإهانة وذلاًّ، وتلبّد سماءه غيوم "المقررين" ممن يجيدون العزف على أوتار المحاصصات، ويستطيبون الاستحواذ والامتياز، وينكرون الآخر ورأيه، وتنفلت في شوارعه وحشية الارهابيين الظلاميين ومتطرفي المليشيات وعصابات الجريمة المنظمة، وينهار فيه الأمن وتتعمق فيه الأزمة الشاملة.

بم نبدأ، وما عادت البداية يسيرة .. وبماذا نذكّر، وما عادت الذكرى نافعة !؟

أنبدأ بتهديد من تبقى من مسيحيي الدورة بالذبح ما لم يدفعوا الجزية أو يشهروا إسلامهم أمام الملأ في الجوامع ؟ أم بالمندائيين الذين يريد الوحوش حرمانهم من عذوبة الماء ويدفعونهم الى الانقراض ؟ أم بمذبحة الأكراد الفيلية في مندلي ؟ أم بقطع رؤوس الأيزيديين في الموصل ؟ أنذكّر بتدمير دور العبادة المسيحية والمندائية ؟ أم بإرغام "أهل الذمة" على اعتناق "الإسلام" الزائف ونحر من يرفض وتزويج نسائهم الى مسلمين عنوة كما حدث لمندائيين في الفلوجة ؟ أم إمهال "كتائب القصاص العادل" لمندائيي الناصرية بالرحيل تحت التهديد بالقتل خلال 72 ساعة فقط ؟ أم بخشية الأهل على بناتهم الشابات من الخروج الى الشارع خوفاً من الاختطاف والاغتصاب ؟ أم بتلك البيوت المسيحية التي خط الظلاميون على أبوابها عبارة "أسلمْ تسلمْ" ؟ أم بطرد أهل الأرض من وطن شيّدوا حضارته قبل آلاف السنين، وساهموا بإبداعاتهم في بناء حاضره، وتشريدهم في هجرات الآلام الصامتة عن بلاد راحت تتفتت أمام أنظار محبيها ؟

بم نبدأ، وبماذا نذكّر، والبلاد كأنها تسير الى حتفها ؟ وكأن من يدفعونها الى هذا المصير قد اتحدوا، على الرغم من تناقضاتهم، من أجل طمس الأطياف وإشاعة اللون الواحد: فالارهابيون يريدون فرض "إسلامهم" الظلامي على أهل النور .. ومتطرفو المليشيات، وبينهم أجنحة من "فدائيي صدام" وعصابات جريمة منظمة، يتسترون برداء "الطائفة" ويلوثونه .. وكل من فقدوا امتيازاتهم، وباتت ترعبهم آفاق بناء وطن للسلم والحرية والعدالة، لم يجدوا أمامهم غير الايغال في الوحشية. ومما يعمق المأساة إخفاق "المحررين"، الذين جاءوا بكارثة المحاصصات، ولم تؤدِ سياساتهم إلا الى المزيد من الأزمات المستعصية. ومما يبعث على الأسى، بل والسخط، أن حكومة المحاصصات عاجزة عن إخراج البلاد من المأزق، وستظل عاجزة ما دامت حكومة محاصصات طائفية وإثنية، وما دامت تخلق، عبر غياب الدولة أو ضعفها وانفلات الأمن وسيادة شريعة الغاب وتفاقم التناحر الطائفي ومواصلة اللهاث وراء المغانم واستمرار نزعة تهميش وإقصاء الآخر، بيئة مثالية لتواصل وتعمق أزمة المجتمع بتجلياتها المختلفة، الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والروحية. أما البرلمان، الذي خاطر الملايين بحياتهم من أجل تأسيسه، فقابع في "خضرائه"، مكبَّلاً بأغلال محاصصات "المقررين" وتجاوزات "المحررين". وأما الاعلام فلا تقهرْ، وأما الأمم المتحدة فلا تنهرْ !

*     *     *

هؤلاء "الأقليات"، ومنهم علماء ومبدعو ثقافة ومكافحون في سبيل غد مضيء، هم من ولد في موطنهم أبو الأنبياء .. هم أحفاد أول من نشر عقيدة التوحيد على ضفاف الفرات، وأول من قرع أجراس الكنائس على ضفاف دجلة .. هؤلاء هم أحفاد من ابتكروا الأبجدية، ومنهم تعلم العالم الحكمة والشعر والقانون والفن .. هؤلاء هم أحفاد الأمل الذي يخشاه الظلاميون ويريدون القضاء عليه لأنه يعوق تأبيد ظلامهم ..

هل اتحدوا ضد الفسيفساء العراقية حتى باتت أنظارهم لا تبصر وعقولهم لا تفكر ؟ أيريدون إخماد جذوة التنوع وجمرة التحدي ومصائر التاريخ ؟ أي ظلام يبيّتون لنا نحن أهل المعرفة والاجتهاد والجدل والإنجاز ؟ أي منحدر هذا الذي تهوي اليه بلاد تطرد أنبل بناتها وأبنائها ؟ هل انتهى تسامح الرافدين ؟

ليس بالعزاء وحده نوقف سيل الدماء، ونبدد غيوم الظلام ..

لم يفت الأوان بعد، غير أن الصمت لم يعد ممكناً ..

إرفعوا أصوات الاحتجاج بوجه كل المسؤولين عن محنة مهد الحضارات ..

إنهضوا غاضبين حتى تنهض معكم قيامة العراق !