08-05-07 14:23
تأملات - متى تكف واشنطن
عن فضائحها ؟
رضا
الظاهر
شكل البيت الأبيض، مؤخراً، لجنة خاصة للتحقيق مع ستيوارت بوين، المفتش
الأميركي الخاص بمشاريع إعادة الاعمار، الذي أكدت لجنته أن قسماً
كبيراً من مشاريع إعادة الاعمار، التي تفوق قيمتها 37 مليار دولار،
مهدد بالفشل بسبب انعدام الصيانة وضعف الإنشاءات واستخدام التصاميم
ومواد البناء غير المناسبة.
وتوجهت اللجنة، الأحد الماضي، بنقد شديد إلى الحكومة العراقية التي
قالت إنها "لم تقدم أية خطط صيانة لتلك المشاريع" بعد ما تسلمتها من
الأميركيين.
وكانت اللجنة قد قدمت تقريراً خاصاً إلى الكونغرس وإدارة بوش يشمل
حصيلة معاينة ثمانية مشاريع أمريكية في العراق، حيث وجدت اللجنة أن
سبعة منها توقفت عن العمل.
وعلق بوين على نتائج التقرير بالقول إنه "إذا لم يتم العمل على تصحيح
الوضع فإن فترة الخدمة الافتراضية لتلك المشاريع ستتقلص بشدة".
واستعرض التقرير أوجه الخلل في مجموعة من المشاريع التي تسلمتها
الحكومة العراقية، حيث أكد أن عشرة مولدات كهربائية فقط من أصل 17 ما
زالت تعمل في مطار بغداد الدولي دون وجود أية خطة لصيانة تلك المولدات
بما في ذلك مراقبة مستوى الزيت.
ولفت التقرير الانتباه، أيضاً، إلى اختفاء مولدات باهظة الثمن من إحدى
المعسكرات التي تمت فيها إزالة ثلاثة أبنية بلغت كلفة إنشائها 1.8
مليون دولار دون أي مبرر.
كما زارت اللجنة مستشفى أربيل الذي سُلِّم في أيار من العام الماضي في
احتفال تم خلاله اعتبار المستشفى إنجازاً رائداً. ووجدت اللجنة أن
المجاري قد دمّرت في المستشفى وباتت تهدد السلامة العامة بعدما تعطل
النظام المخصص للتخلص من المخلفات الطبية.
وأشار التقرير الى أن عدداً كبيراً من المشاريع ينهار في غضون ستة أشهر
من بنائه بسبب المواصفات الفنية الفاشلة، فضلاً عن نقص الصيانة وعدم
معرفة استخدام الأدوات والأجهزة الحديثة المتقدمة بسبب غياب العمالة
المدرَّبة والمؤهَّلة.
وما ذكرناه هو مجرد أمثلة يتوفر الكثير منها، ولكم أن تتخيلوا ما الذي
يمكن أن يجري في مواقع أخرى لا رقيب فيها ولا حسيب.
غير أن من بين ما يلفت الأنظار أن كثيراً من المشاكل التي تواجه مشاريع
إعادة الاعمار غير مرتبطة بعمليات التخريب التي يقوم بها الارهابيون.
ومن الطبيعي أن هناك مصاعب أمنية تعوق إمكانية مراقبة فعالية بعض
المشاريع.
وبينما تتوجه حكومتنا، التي تفتح أبواب البلاد أمام شركات النهب
الأجنبي، لاستجداء الأموال من مانحين ومؤسسات دولية تفرض، في العادة،
شروطها المجحفة، تُبنى جدران عازلة في بغداد يقال إن كلفتها تصل الى
100 مليون دولار. وهذا يتم في وقت تؤكد تقارير أنه يجري، في إطار
استشراء الفساد، هدر خمسة مليارات دولار سنوياً في عمليات اختلاس
وتجاوزات. وباتت قصص سوء الادارة والتبذير والاحتيال المكشوفة وفضيحة
التسعة مليارات دولار "الضائعة" لدى الوزارات العراقية منذ أيام حاكمنا
السابق المستر بريمر، قصصاً معروفة عن فضائح الدولة العظمى التي أخفقت
حتى في شدّ سيفونات تنظيف المرافق الصحية.
ومن المعلوم أن عملية إعادة الاعمار، التي اتسمت بالتخبط وسوء التخطيط
وانعدام التنسيق منذ مراحلها الأولى، تحولت الى سلسلة من الأخطاء
الفادحة المتعاقبة، وهي أخطاء تتعاظم عواقبها في ظروف الأزمة
الاجتماعية الاقتصادية البنيوية، والظواهر المرتبطة بها من غياب للأمن
واستمرار لفظائع الارهابيين والظلاميين، وتعمق للاستقطاب السياسي في
إطار المحاصصات، وتفشٍ للفساد وتصاعد للتضخم وتنامٍ للبطالة، فضلاً عما
نحن مقبلون عليه من عمليات نهب أجنبي كبرى في مجالات النفط والاستثمار
وغيرها، مترافقة مع ضغوط صندوق النقد الدولي.
أما العراقيون، الذين يتهمهم بعض ستراتيجيي المحافظين الجدد بالإهمال
وعدم الشعور بالمسؤولية، فلا غرابة في "سلبيتهم". ولماذا لا يكونون
"سلبيين" إذا كانوا مغيَّبين ومهمَّشين، ويعانون من مآسٍ مروعة على يد
"المحررين" و"المقررين" ؟ ولماذا لا يكونون "سلبيين" وهم جياع أمام
متخمين، ومحرومون أمام متنعمين ؟ ولماذا لا يكونون "سلبيين" وخريجات
جامعاتهم يلجأن الى العمل خادمات في البيوت، بينما يضخِّم الخريجون جيش
البطالة في بلاد الثروات والخيرات التي يتزايد عدد ملايينها ممن هم تحت
خط الفقر ؟
* * *
ذات يوم تبجح سيد البيت الأبيض قائلاً إن الهدف في العراق هو إقامة
البنية التحتية "الأفضل" في المنطقة، أما اليوم فإن أفضل ما يستطيع
المحافظون الجدد التطلع اليه هو "البدء" بتشغيل الاقتصاد العراقي. فقد
انهارت قصور العم سام المشيَّدة على الرمال، وأسباب الانهيار معروفة
للقاصي والداني.
أما بنات وأبناء هذه البلاد المنكوبة، الذين تطحنهم الأزمات المستعصية،
فإن رباعي الكهرباء والماء والمجاري والنفايات، وهي كلها مشاريع متدنية
الكلفة نسبياً، أهم، بالنسبة لهم، بكثير من تلك المشاريع التي ابتلعت
مليارات الدولارات ولم يرَ العراقيون منها شيئاً.
يقال إن شر البلية ما يضحك. فقد رفض مسؤولون في السفارة الأميركية
ببغداد النتائج التي توصل اليها تقرير بوين أواخر الشهر الماضي قائلين
إن الولايات المتحدة لم تعد تشرف على إدارة المنشآت التي ذكرها تقرير
جماعة بوين !