01-05-07 14:02
تأملات
موسم جدران
تحاصر الروح العراقية !
رضا الظاهر
بينما يحلم العراقيون، وسط الموت اليومي، والفوضى العارمة، والمعاناة
المريرة، وكوابيس الاحباط، بإزالة بعض من الجدران، راحت الأقدار تدفعهم
الى محن جديدة تتخذ، هذه المرة، صيغة موسم جدران، وأول فصل فيه جدار
الأعظمية، الذي أثار سخطاً والتباساً واسعين، ولم يخلُ، أيضاً، من
استغلال مارسه البعض ليظهروا وكأنهم ضد التقسيم الطائفي.
إذن فقد انتهى دور ذلك الطاغية الذي هندس المقابر الجماعية، وجاء،
الآن، دور "المحرر" الذي يهندس الجدران الجماعية لحماية السنة
"المظلومين" من الشيعة "الأوباش"، أو الشيعة "المظلومين" من السنة
"الأوباش". وهذا، بالطبع، فصل جديد من تراجيديا "الشيعة والسنة
والأكراد"، التي كتبها العم سام وأخرجها المحافظون الجدد، وراح يتفرج
عليها جمهور يمتد من "محصّنين" في مناطق "خضراء"، ومهووسين
بامتيازاتهم، ونهازي فرص لمزيد من المال والجاه، ناهيكم عن وحوش
ظلاميين يجلسون في جهة أخرى من المسرح ومعهم داعمون مرتعبون من رياح
تغيير.
ولا يحتاج المرء الى كثير عناء لمعرفة مغزى إقامة الجدران. فهذا المغزى
يعكس، من بين حقائق أخرى، الاخفاق المريع لسياسات المحتلين والمزيد من
تخبطهم وعجزهم، وفشل حكم الطوائف والأقوام، وعزلة النخب السياسية.
ويلفت الانتباه، في هذا السياق، حديث رئيس الوزراء عن رمزية الجدار في
المؤتمر الصحفي الذي عقده، مؤخراً، في القاهرة، حيث ذكّر، ضمنياً،
بالجدار الاسرائيلي العازل، وطالب بالبحث عن بدائل أخرى لهذه الوسيلة.
غير أنه من المثير للإحباط أن يجري، على نحو ملفت للأنظار، تجاهل تصريح
القائد العام للقوات المسلحة، الذي أمر بوقف العمل في بناء الجدار، من
جانب مرؤوسيه بصورة تعكس التخبط في الاجراءات الأمنية والخطاب
الاعلامي. فقد قال المستشار العسكري لوزارة الدفاع لقناة "العراقية"،
في يوم تصريح رئيس الوزراء ذاته، إن "السيد المالكي لم يكن في صورة
الموقف عندما طالب بوقف العمل في بناء الجدار"، بينما قال الناطق
الاعلامي باسم خطة فرض القانون، في البرنامج نفسه، إن "إقامة هذا
الجدار من اختصاص العسكريين والفنيين فقط". وقد توافق ذلك مع تصريح
السفير الأميركي في اليوم التالي الذي يدعم إقامة الجدار وينطوي على
انتقاص جلي من السيادة الوطنية.
ومما يكشف عن المزيد من الارتباك أن الناطق الاعلامي باسم الخطة
الأمنية تراجع بعد ثلاثة أيام على نحو يناقض تصريحه السابق المناقض
لتصريح رئيس الوزراء بالقول: "سعينا الى بدائل أخرى مثل الأسلاك
الشائكة والجدران الرملية والحواجز الإسمنتية الأصغر". وفي اليوم
التالي قال قائد الكتيبة الأميركية الثانية إن "الحكومة العراقية طلبت
من الجيش الأميركي استئناف عمليات تشييد الجدار". ولسنا بحاجة الى مزيد
من التصريحات المرتبكة والمتناقضة للتدليل على هذا المستوى من التخبط
الأمني والاعلامي.
غير أنه مما يفضح عمق الفوضى "السياسية" الشاملة في البلاد أن أحد كبار
مسؤولي الأمن الوطني اعتبر، في تصريح تلفزيوني له الأربعاء الماضي،
الحديث عن الجدار ضجة مفتعلة. ولكن إذا كان الأمر على هذا النحو فعلاً،
فلماذا اتخذ رئيس الوزراء موقفاً وهو في القاهرة ؟ وعبثا حاول المسؤول
الأمني التقليل من الجدار بوصفه حاجز طرق لحماية الناس، في حين أن
الأميركان اعترفوا بأن طوله يبلغ أربعة كيلومترات وارتفاعه ثلاثة أمتار
ونصف.
والحق إن تصريحات المسؤولين العسكريين والأمنيين هذه تكشف عن تلاعب
بالمعلومات وطريقة عرضها، بل وطمس لها على نحو يضيّع امكانية التعرف
على الحقائق. وهذا، في الواقع، استخفاف بالناس الذين يحق لهم، والحال
هذه، أن يتساءلوا: أبمثل هذا العقلية تقاد خطة أمنية في عاصمة تضم سبعة
ملايين، ويراد لها أن تبسط الأمن وتفرض القانون ؟ ولكن يبدو أن
ديمقراطية العم سام العراقية من طراز خاص، وهو طراز يفترض، من بين سمات
أخرى، "تحرير" الحكام من أية مساءلة، وتحويل المحكومين الى "أسرى"
صامتين !
* * *
الحق أن الجدار الحقيقي الذي يُفترَض تشييده هو جدار الوحدة الوطنية
وبعقول وسواعد الوطنيين العراقيين أنفسهم، عبر خلق حركة شعبية جبارة
تتحدى الارهابيين والظلاميين والنهج الطائفي وسياسات المحتلين.
أما المراقبون، الذين حذّروا من أن الجدار سيكرس التخندق الطائفي،
فإنهم على صواب، إذ بمرور الوقت يمكن أن يتحول الأمر الى تقسيم على
الأرض، وتكريس لحالة الخوف من الآخر والارتياب به والانغلاق على الذات،
وهو ما يقدم خدمة مجانية للمليشيات المسلحة والحركات الطائفية.
ومن الصعب بالطبع، تصور أن الجدران العازلة والعمليات العسكرية معزولة
عن معركة الفكر والسياسة، حيث مصالح البعض تتطلب إبقاء الجدران
والعمليات في عزلة لإدامة التدهور الحالي والأوضاع الاستثنائية ومناخات
الاستحواذ والنفوذ والامتياز.
وسواء كانت الجدران إسمنتية أو أسلاكاً شائكة، فإنها تظل متاريس تحاصر
الروح العراقية، وأغلالاً تكبل إرادة الملايين من خيرة نساء ورجال هذه
البلاد.
ومن حق الناس أن يتساءلوا: ألا تكفينا الجدران المنتصبة حالياً بين
ملايين المغيَّبين وحكومة المحاصصات .. بين العراق و"محرريه" .. وبين
طوائف البلاد وكتل البرلمان ؟ ما الذي تبقّى، إذن، من بغداد النور
والأمل والرحابة والتسامح !؟