24-04-07 11:16
تأملات
عودة إلى
رسالة التربيع والتدوير
رضا الظاهر
لعل قراء "التأملات" يتذكرون أنني وعدت، قبل ما يقرب من عامين، عندما
كتبت عن "بصرة النور"، والاعتداء على طلاب الجامعة أثناء سفرة لهم في
حدائق الأندلس، بتقديم قراءة لرسالة الجاحظ الموسومة (رسالة التربيع
والتدوير).
والجاحظ، أبو عثمان، إبن البصرة، التي ظلت، على مدى قرون، مناراً لتعدد
الأفكار وتسامح المذاهب واختلاف الرؤى واجتهاد البحث. ولعل كتاباته،
وبينها (البخلاء) و(البيان والتبيين) و(كتاب الحيوان)، ورسائله الناقدة
الساخرة، تعد مثالاً على ذلك التنوع والجدل الفكري.
وقد وضع الجاحظ (رسالة التربيع والتدوير) في هجاء أحمد بن عبد الوهاب،
الذي كان يعمل كاتباً في عهد الخليفة العباسي الواثق. وكان أحمد هذا،
حسب وصف الجاحظ، مفرِط القِصَر يدّعي أنه مفرِط الطول، وكان مُربَعاً
جَعِد الأطراف قصير الأصابع، وهو في ذلك يدّعي البساطة والرشاقة. وكان
ادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها.
وفي هذه الرسالة الفريدة يطرح الجاحظ على مهجوِّه، قصد تعجيزة، مئة
مسألة تناولت معظم المعضلات التي شغلت مجتمع عصره.
ومن نافل القول إن الأهمية الراهنة لـ (رسالة التربيع والتدوير) تتجلى،
من بين أمور أخرى، في ما نراه من ظواهر مخزية في مجتمعنا، سواء كانت
وسط "نخبة" من أهل السياسة والثقافة، أو وسط العامة المغلوبة على
أمرها.
ولدينا اليوم، يا للأسى، غير قليل من أمثال أحمد بن عبد الوهاب، من
تجار الفكر ومسوِّقيه، واللاهثين وراء أضواء الاستعراض، والبائعين
ذممهم وسادتهم المشترين، والناشطين في غسيل الأدمغة لتسهيل غسيل
الأموال، والمدّعين طولاً وهم قصار، وصدقاً وهم كذَبة، وعلماً وهم
جهلة. وكل هذا، وغيره من ظواهر ومتظاهرين، تجلٍ لثقافة الاستبداد
والخنوع وتعطيل العقل وتأبيد الراهن، وهي ثقافة شهدت انتعاشاً بصيغة
أخرى "جديدة" في ظل "ديمقراطية" الاحتلال و"مثال" العراق "الجديد"، حيث
يعم الخراب في بلاد المعرفة، وينتشر في الساحة أحفاد أحمد بن عبد
الوهاب.
ومما يثير الأسى أن بعضاً من أهل الفكر يتحاشون، في أيام الانهيار
العظيم والمعاناة المريرة، نقد الباطل وهجاء أهله، بينما يصمت بعض آخر،
وينحدر بعض ثالث الى التواطؤ مع أهل السلطة، فتنشأ ثقافة ارتزاق يرعاها
"المحررون" عادة، عبر الإغراء وشراء الذمم، ويستطيب مديحَها من ينشغلون
عن أمور دينهم بدنياهم، ممن يكنزون الذهب والفضة ولا يخشون عذاب الله
الأليم.
آه .. لو أن الجاحظ كان حيّاً لمات كمداً، قبل أن يتمكن من هجاء أحمد
بن عبد الوهاب الذي فيه قال: "وبعدُ، أبقاك الله، فأنت في يدك قياس لا
ينكسر وجواب لا ينقطع، ولك حدّ لا يفلّ وغرب لا ينثني، وهو قياسك الذي
إليه تُنسب، ومذهبك الذي إليه تذهب أن تقول: وما عليّ إن رآني الناس
عريضاً وأكون في حكمهم غليظاً، وأنا عند الله طويل جميل، وفي الحقيقة
مقدود رشيق. وقد علموا، أبقاك الله، أن لك مع طول البادّ راكباً طول
الظهر جالساً. ولكن بينهم فيك إذا قمت اختلاف، وعليك لهم إذا اضطجعت
مسائل. ومن غريب ماأُعطيت وبديع ما أٌوتيت أنّا لم نرَ مقدوداً واسع
الجفرة غيرك، ولا رشيقاً مستفيض الخاصرة سواك، فأنت المديد، وأنت
البسيط، وأنت الطويل، وأنت المتقارب. فيا شعراً جمع الأعاريض، ويا
شخصاً جمع الاستدارة والطول" !
أحرضكم على العودة الى (رسالة التربيع والتدوير)، بل المشرق النيّر من
التراث، بعين ناقدة. أحرضكم على قراءة رسائل الجاحظ الأخرى، وبينها
رسالته (في النساء)، ومن جميل ما جاء فيها: " ... ولسنا نقول ولا يقول
أحد إن النساء فوق الرجال أو دونهم بطبقة أو طبقتين أو أكثر. ولكنّا
رأينا ناساً يزرون عليهن أشد الزراية، ويحتقروهن أشد الاحتقار،
ويبخسوهن أكثر حقوقهن. وإن من العجز أن يكون الرجل لا يستطيع توفير
حقوق الآباء والأعمام إلا بأن ينكر حقوق الأمهات والأخوال ..."
* * *
أما (رسالة التربيع والتدوير) فتنطوي على سخرية لا تضارع، حيث الجاحظ
ينتقل بمهجوِّه من حقل الى حقل، ويزدريه فلا يصغِّره في عيون الناس
حسب، بل في عين نفسه. وفيها يخاطب المهجوَّ قائلاً: "وهل تقع الأبصار
إلا عليك، وهل تُصرف الإشارة إلا اليك، وأي أمرك ليس بغاية، وأي شيء
منك ليس في النهاية، وهل قيل فيك شيء يفوق شيئاً أو يفوقه شيء ؟ أو
يقال: لو لم يكن كذا لكان، أو لو كان كذا لكان أتم. وأين الحسن الخالص
والجمال الفائق، والملح المحض، والحلاوة التي لا تستحيل، والتمام الذي
لا يحل إلا فيك، أو عندك، أو لك، أو معك، لا بل أين الحسن المصْمت،
والجمال المفرد، والقد العجيب، والملح المنثور، والفضل المشهور، إلا لك
وفيك، وهل لك على ظهرها جميل حسيب، وعالم أديب، إلا وظلك أكبر من شخصه،
وظنك أكثر من علمه، وإسمك أفضل من معناه، وحلمك أثبت من نجواه، وصمتك
أفضل من فحواه ؟ وهل في الأرض حليم سواك، وهل أظلّت الخضراء ذا لهجة
أصدق منك، وهل حملت النساء أجلَّ منك ؟"