03-04-07 04:30
تأملات
- أغلال
عبوديتهم ونور فجرنا !
رضا
الظاهر
في
بلاد تعاني من الخراب الشامل، وتخيّم على الملايين من نسائها ورجالها
سماوات من المآسي والحرمانات وخيبات الأمل، تندلع معركة أخرى، هي واحدة
من المعارك الاجتماعية العظمى، ونعني بها المعركة حول قانون النفط.
ولعل من بين الأسئلة الأساسية في إطار هذا القانون الذي يحتدم الجدل
بشأنه: أمن الصحيح أن يُطرَح في هذا الظرف الاستثنائي حيث سيادة البلاد
منقوصة، والدولة ما تزال في طور إعادة البناء، والحكومة مثقلة بتركة
الاستبداد وواقع المحاصصات والتحديات الأمنية ؟ أيمكن في مثل هذه
الظروف صياغة قانون يعبر، فعلاً، عن المصالح الوطنية ؟ وما هو المبرر
للتعجيل بتمرير القانون، أو ما يتعلق، تحديداً، بعقود مجحفة في هذا
الظرف العصيب بالذات ؟ ولماذا لا يجري التريث حتى يسترد البلد عافيته
وسيادته الوطنية، فيكون، عندئذ، طرفاً حقيقياً في المفاوضات والعقود
المستقبلية، على نحو يضمن الحفاظ على الثروة النفطية وتوظيفها لإعادة
الاعمار والتنمية ؟
من الطبيعي أن ردود الفعل، التي صدرت من أوساط عراقية عديدة، ومن ضمنها
خبراء نفط معروفون ومشهود لهم بالكفاءة، كانت مفاجئة لـ "المستعجلين"
على إقرار القانون، وربما أربكت حسابات البعض، ممن توقعوا تمرير
المشروع دون معوقات.
وإذا وضعنا جانباً كل ما قيل عن طريقة إعداد مسودة القانون بعيداً عن
الأضواء وبدون مشاركة العراقيين كأحزاب وقوى سياسية وخبراء ورأي عام
على مدى أشهر، فكيف أمكن لحكومة، تنوء تحت ثقل الأعباء والمشكلات
الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، أن تنجز تدقيق
المسودة هذه خلال فترة لم تتجاوز أسبوعين، بينما كان يفترض أن تحظى
بدراسة متأنية وبالتشاور مع الخبراء والمختصين ؟
لقد بات من الواضح أن أبناء العم سام بذلوا مساعي محمومة لتمرير مسودة
القانون بأقل قدر من الضجيج، وبأسرع ما يمكن، مستفيدين من أجواء تطبيق
الخطة الأمنية وانشغال الرأي العام والشارع العراقي بالهموم الأمنية
الطاغية وبالمعضلات الأخرى، فهذه فرصة ذهبية لا يمكن تفويتها، بل
وعبروا عن ثقتهم بأن المرحلة التالية من مناقشة مشروع القانون في
البرلمان لن تستغرق أكثر من شهرين وربما أقل.
ومن نافل القول إن من حق شعبنا الاطلاع لا على مسودة القانون حسب، بل
وكل الآراء ووجهات النظر المطروحة بشأنه وبشفافية كاملة، دون حجب
للحقائق، وتكميم للأفواه، وإطلاق للنعوت والاتهامات ضد من يبدي
اعتراضات جدية على ما تضمنه المشروع، مما يشكل تفريطاً خطيراً بالمصالح
العليا للشعب والوطن. ومن الطبيعي أنه لن يجدي نفعاً الاستناد الى نصوص
غامضة، وحمالة أوجه، تفسح في المجال للتلاعب بمقدرات الشعب عبر صفقات
مشبوهة. فإذا كانت عقود المشاركة في الانتاج، التي تضمن، عادة، شروطاً
تمنع مراجعة بنود الاتفاق في وقت لاحق وتضمن للشركات المستثمرة نسبة
أرباح عالية، مرفوضة لأنها ترهن احتياطي النفط الهائل على مدى عقود
قادمة، وتفرّط بالثروة الوطنية، على الضد مما ينص عليه الدستور، فلماذا
لا يثبَّت ذلك بوضوح في مشروع القانون عبر النص على أن النفط هو ملكية
الشعب العراقي، لكي يقطع الطريق على أية محاولة للالتفاف على الدستور ؟
ولن يكون من المستبعد، بالطبع، أن يلجأ المتحمسون لتمرير هذا القانون
بصيغته الحالية الى كل ما في ترسانتهم من أحابيل لصرف الأنظار عن
القضايا الأساسية في المشروع، وإشغال العراقيين بأمور أخرى، بل وحتى
تفجير أزمات جديدة إذا اقتضى الحال. هذا ناهيكم عن قضايا ومشاريع أخرى
من قبيل رشوة المحرومين عبر ما يسمى بصندوق الأجيال المقبلة على طريقة
صندوق ألاسكا، كما لو أنه سيجري توزيع عادل للثروة، في حين أن هذا يمكن
أن يكون غطاء لعملية نهب لا سابق لها.
عندما تعطل تمرير الاتفاق على مسودة المشروع في مجلس الوزراء راحت
وسائل إعلام تحذر، عن حق، من أن عدوى المحاصصة انتقلت، هذه المرة، الى
قطاع النفط، بكل ما يعنيه هذا من سبب للمزيد من الانقسام والتفتيت،
وآثار وخيمة على حاضر البلاد ومستقبلها.
* * *
أن لا تسمع الحكومة نداءات الملايين من أهل المعاناة والحرمان فذلك ليس
غريباً عليها، إذ هي تجسيد لمحاصصات طائفية وإثنية، أما أن لا تسمع
نداءات الخبراء والأخصائيين، الذين يتسمون بالوطنية والنزاهة، فذلك مما
يخزي مثل هذه الحكومة في أقل تقدير ..
ينبغي أن لا نسمح بأن نكون ضحايا المنافع الضيقة قصيرة النظر،
والمواضعات السياسية وشراء السكوت المتبادل، والسعي الى صفقات محاصصة
خلف الكواليس، وتغليب حلول "سياسية"، و"التنظير" لمآرب وامتيازات
تلتقي، في خاتمة المطاف، مع ما تريده مافيات النهب والسلب.
أولئك الذين لا تجد شهواتهم للمال والجاه أمامها سوى مغازلة
"المحررين"، ولصوص المحافظين الجدد منهم على وجه الخصوص، بوسعهم المضي
في هذا السبيل، والارتماء في أحضان الاحتكارات التي لن تفعل سوى تكبيل
الملايين بأغلال عبودية رأس المال .. أما نحن، المحتجون، أبداً، على
الباطل والظلم، فلن نخسر سوى أغلالنا، لنكسب وطناً بحريته وغداً بفجره
وأفقاً بنوره !