الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كـــــــــاليري

ميمري

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور

26-03-07 17:16


تأملات

حائرون بين الأمل وخيبته !

رضا الظاهر

كلما اقتربت الذكرى السنوية للحرب و"التحرير" يتنادى مستطلعو الآراء، مقدّمين نتائج عملهم. ويلفت الانتباه أن لاستطلاعات الرأي هذا العام سمات جديدة ترتبط، بالطبع، بالعوامل الجديدة التي نشأت في اللوحة السياسية والاجتماعية في بلادنا.
وعلى أية حال لابد من القول، أولاً، إن هذه الاستطلاعات تجري في ظل أزمة شاملة مستعصية. ومن بين أخطر تجلياتها بقاء الاحتلال العاجز والدائخ بحثاً عن مخرج "مشرِّف"، ووجود حكومة محاصصات تعكس نهج "الشيعة والسنة والأكراد"، الذي ابتكره "المحررون" واستطابه "المقررون"، والذي سيبقى عاجزاً لأنه يتعارض مع مبدأ المواطنة ويكرس الاستحواذ على السلطة وتغليب المصالح الفئوية الضيقة واللهاث وراء المغانم والامتيازات. وهناك، أيضاً، معاناة الناس المريرة من الارهاب وانفلات الأمن وغياب دولة القانون وحقوق الانسان، وتفشي الفقر والعوز والأمراض الاجتماعية والنفسية، واستشراء الفساد المالي والاداري، وانتشار البطالة، واستفحال ظاهرة التضخم، وشحة الخدمات الأساسية وخصوصاً في مجال الوقود والكهرباء، والاخفاق المريع في إعادة الاعمار، واتساع قوافل المهاجرين والمهجرين. هذا ناهيكم عن سيادة ثقافة التخلف في مجتمع يعاني نصفه الأعظم، النساء، من التمييز والترويع والحرمان من الحقوق الأساسية، وتضخم جيش أرامله الى ثلاثة ملايين.
وحيث تتلاشى الآمال ويشاع اليأس والخوف، ويتحول الانسان العراقي الى أرخص رأسمال، ويتعمق التفاوت الطبقي والتهميش الاجتماعي، يسعى "مقررون" الى تهيئة الظروف الملائمة لقيام "محررين" بنهب ثروة البلاد النفطية، ليضيفوا فصلاً جديداً الى وهم الديمقراطية وأكاذيب المحتلين الأخرى.
في ظل مثل هذه الحقائق المروعة تجري عمليات استطلاع الرأي. فماذا عن هذه الممارسة الحديثة في بلادنا ؟
تشير تجارب سابقة الى أنه إذا لم تُعَد استطلاعات الرأي وتنَفَّذ بطريقة علمية فإنها يمكن أن تخرج بنتائج غير مطابقة للواقع. وكثيراً ما تُستخدم هذه الاستطلاعات كوسيلة للتأثير في رسم السياسات، بل وتحديد اتجاهات الرأي داخل النخب الحاكمة وفي مراكز صنع القرار. غير أنه في المجتمعات المتقدمة، وبسبب مستوى تطور الوعي من ناحية، وحرية وسائل الاعلام ودورها الرقابي من ناحية أخرى، يمكن الحد من التأثيرات السلبية لمثل هذه الاستطلاعات. لكن الأمر مقلق، الى حد كبير، في البلدان الأقل تطوراً التي تعاني من التخلف الاجتماعي والثقافي.
وفي حالة العراق هناك، أيضاً، عامل آخر هام يتمثل في الوضع الأمني الاستثنائي في مناطق كثيرة من البلاد، وخصوصاً في العاصمة بغداد، مما يمنع الوصول، بحرية، الى قطاعات واسعة من السكان، ويفرض الاكتفاء بعينات محدودة يسهل الاتصال بها، وهو ما يجعل النتائج المتحققة تفتقر الى الدقة، ولا يمكن، بالتالي، الركون اليها في التحليل.
ولا يستبعد أن تكون النتائج مرسومة سلفاً في استطلاعات الرأي غير الموضوعية، حيث يجري التعامل مع المستجوَبين بصورة انتقائية. كما أن الاستطلاعات يمكن أن تُستخدم، في الانتخابات مثلاً، من جانب أطراف سياسية لغايات تحفيز قواعدها، أو استنفارها إن شئتم، لمواجهة احتمالات فوز طرف آخر.
وعلى العموم يمكن القول إن استطلاعات الرأي سيف ذو حدين، بوسعها أن توفر، إذا ما استُخدمت بصورة علمية، معطيات للتحليل ورسم السياسة، مثلما يمكن أن توظَّف، إذا ما أسيء استخدامها، لأغراض سياسية ضيقة وليّ الحقائق والتأثير في اتجاهات الرأي العام لغايات وأهداف مشبوهة.
ومن بين أهم استطلاعات الرأي التي جرت مؤخراً استطلاعان أحدهما قامت به "بي بي سي"، والثاني قامت به "أوبينيون ريسيرتش بزنس"، وهي مؤسسة أبحاث بريطانية. وعلى الرغم من التباين في نتائج الاستطلاعين في عدد من القضايا الأساسية، حيث رسم الاستطلاع الأول صورة أكثر قتامة وتشاؤماً عن الواقع وآفاق المستقبل من الصورة التي رسمها الثاني، فإن هناك أغلبية تقف ضد تقسيم البلاد، وتعتقد أنه لا وجود لحرب أهلية رغم العنف اليومي، خصوصاً وأن المواطن العادي يعتبر مشكلة "الحرب الأهلية" صراعاً سياسياً يتخذ شكل تجليات طائفية. ويلفت الانتباه ذلك المستوى الواسع من التسامح بين أبناء الطوائف المختلفة، الذي ما زال قائماً، وعلى نحو يوفر إمكانيات واقعية لاستعادة اللحمة الوطنية.
غير أن من بين أخطر ما كشفت عنه الاستطلاعات الأخيرة، التي شملت كل المحافظات تقريباً، حيث ازدادت نسبة من لا يثقون بأداء الحكومة ومن يعارضون وجود قوات الاحتلال، هو تعمق الاستقطاب الطائفي وما أحدثه من شروخ في المجتمع، حيث جرى، خلال العام الأخير خصوصاً، تحول جلي في المواقف. ويمكن القول إن هذا هو الدرس الأساسي المستخلص من هذه الاستطلاعات.
* * *
هذا الخراب والدمار هو نتاج مباشر لسياسة المحاصصات ونهج القوى المتحكمة بصنع القرار ولسياسات المحتلين، وليس بلاءً نازلاً من السماء. وعلى القوى السياسية أن ترى، قبل فوات الأوان، مخاطر هذا المنزلق. وإذا كانت هناك جدية في التوجه لمعالجة الأزمات التي تعصف بالبلاد، فهذا التوجه لا يعني خططاً أمنية وعسكرية حسب، وإنما، أيضاً، مراجعة فاحصة ومسؤولة للعملية السياسية بهدف إنقاذها من نهج المحاصصات العقيم.
نحن عشية العام الخامس على "التحرير"، وقد تفاقمت المآسي وتعاظمت المحن، والملايين حائرون بين الأمل وخيبته.