20-03-07 12:42
تأملات
فضائح لا تنتهي
في بلاد منكوبة !
رضا الظاهر
هذه ليست بلاد مآسٍ حسب، بل بلاد فضائح أيضاً. وآخر هذه الفضائح ما كشف
عنه تقرير نشرته "الصنداي تايمز" البريطانية يوم الحادي عشر من آذار
الحالي في قضية سرقة أموال مخصصة لوزارة الدفاع لا تقل عن 800 مليون
دولار، مشيرة الى أن هذا المبلغ المختفي جزء من 8.8 مليار دولار شُحنت
الى العراق في صناديق خشبية بلغ وزنها 360 طناً، بعد سقوط النظام. وفي
الوقت الحالي تخضع هذه الفضيحة، التي أثارت تساؤلات كثيرة حول دور
مسؤولين كبار في عقد صفقات أسلحة، الى تحقيقات لجان متخصصة في الكونغرس
كأموال مهدورة لا يعرف أحد كيف استعملت.
ومن الملفت للانتباه أن أحداً من الجهات المعنية أو الأشخاص الذين وردت
اتهامات ضدهم في الفضيحة لم يرد على ذلك حتى الآن.
وترافق النشر عن الفضيحة "العراقية" مع نشر عن فضيحة "أميركانية". فقد
ورد في صحيفة "الاندبندنت" البريطانية، يوم الرابع عشر من آذار الحالي،
وتحت عنوان "صدمة وبترول: مليارات العراق والبيت الأبيض"، أن "الشركة
الأميركية التي كانت مكلفة بإعادة تأهيل الصناعة البتروكيمياوية في
العراق ملأت جيوب الحزب الجمهوري". ويقول التقرير إن شركة "بيرنغ
بوينت" تكافح، الآن، من أجل استعادة مكانتها المالية بعدما دفعت 117
ألف دولار، وهو المبلغ الأكبر لشركة لديها التزامات في العراق، خلال
الحملتين الانتخابيتين لبوش عامي 2000 و2004. ويضيف التقرير أن "بيرنغ
بوينت" كانت قد أرسلت موظفين لديها الى العراق حتى قبل أن تحصل على
التزامات هناك !
أما العراق فليس من باب المبالغة القول إن الفساد فيه، وقد احتل
المكانة الثالثة من بين أكثر دول العالم فساداً، تحول الى وباء. وليس
بدون مغزى أن حذرت منظمة "الشفافية الدولية" من أن عملية إعادة الاعمار
يمكن أن تتحول الى "أكبر فضيحة فساد في التاريخ".
وبدل استثمار ثروات البلاد لإعادة إعمارها ووضعها على طريق التنمية
وتحقيق الرفاه لمواطنيها يجري تبديد هذه الثروات عبر عمليات فساد مالي
وإداري منظم يهندسها من عُرِفوا ببراعتهم في السرقات وفي التنسيق بين
الشبكات ذات المصالح في النهب.
وعلى الرغم من أن الفساد، الذي يعلَن عنه دون اتخاذ إجراءات قانونية ضد
مرتكبيه، هو المعضلة الكبرى الثانية بعد الارهاب، فإن ستراتيجية البيت
الأبيض تبدو وكأن هذه القضية الخطيرة لا تعنيها. فالفساد مسكوت عنه من
قبل مرتكبيه من مسؤولين أميركان لا يطالهم القضاء بسبب حصانتهم، وشركاء
لهم عراقيين، لا يطالهم القضاء أيضاً، لأسباب كثيرة بينها عمليات
التواطؤ الناجمة عن ضريبة منهجية المحاصصات، أو شراء السكوت المتبادل
بين المسؤولين الفاسدين، أو الصفقات السرية التي تتطلب حماية اللصوص
بعضهم بعضاً.
ومن ناقل القول إن الفساد، وهو عامل أساسي في انهيار بنية المجتمع، ليس
نتاج هذه المرحلة حسب، وإنما امتداد لسياسات الدكتاتورية، غير أنه اتخذ
مديات خطيرة في ظل سياسات "المحررين". وساعدت على استشرائه عوامل عدة
بينها تنامي دور الفئات المرتبطة برأس المال التجاري والنشاطات ذات
الطابع الطفيلي، ومن بين أخطرها تهريب المحروقات وأعمال المضاربة. ومما
يؤدي الى مفاقمة هذا الوضع غياب المؤسسات ودور الرأي العام وضعف القضاء
المستقل والرقابة التشريعية وانعدام الشفافية.
وكل هذا يحدث وسط مصائب تبدو بلا نهاية، وبينها حماس بعض "المقررين"،
وبينهم من ارتدى زي "الليبراليين الجدد"، لفتح أبواب البلاد أمام
احتكارات النفط الى حد التساهل مع عقود المشاركة في الانتاج، ليبدأ
الفصل الجديد من نهب ثروات البلاد.
ومعروف أن قطاع النفط شهد من الفضائح ما لا يحصى. وقد "بشّرَنا" معنيون
بأن قانون النفط سيقر بعد شهرين، لأن العم سام وحلفاءه مستعجلون على
نهب جديد سينسينا فضائح هاليبيرتون وشقيقاتها، وكأن "المقررين" يريدون
أن يردوا جميل "المحررين" على كل الخراب الذي فعلوه ما بعد "التحرير"،
وما علموا أنهم يكبّلون البلاد بأصفاد عبودية رأس المال واحتكاراته
التي لا تعرف للنهب حدوداً.
وعلى أية حال فإن وجود حكومة محاصصات عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة
وإجراءات فعالة ونزيهة، و"برجوازية طفيلية" ناشطة في ظل غياب القانون
في "دولة" تتدفق بعض أموالها على الارهابيين ومتطرفي المليشيات وعصابات
الجريمة المنظمة عبر تهريب المشتقات النفطية، وقوائم الرواتب الوهمية،
وعمليات الابتزاز، وما الى ذلك من مناخات "مساعدة"، ناهيكم عن إرث
الاستبداد وسياسات الاحتلال، إن ذلك كله يعد أنسب توليفة لانتعاش
الفساد، في ظل دائرة "المحاصصات"، حيث يجد كل مفسد خيمة تحميه !
* * *
في كل يوم لنا، وسط فضائح لا تنتهي، فضيحة جديدة، في هذه البلاد
المنكوبة، حيث "المحررون" و"المقررون" يضحكون على ذقون السائلين
والمحرومين !
يوم دخل المحتلون لم يقصّروا في الوعود بالرخاء في بلاد الذهب الأسود
والثروات الوفيرة. لكن سرعان ما تبين أن تلك الوعود مجرد أكاذيب ليست
غريبة على محتل "أبدع" في تبديد أموال النفط وثروات البلاد، وكان
المستر بريمر بطل فيلم الكاوبوي الأميركي المقيت !