13-03-07 13:07
تأملات
أإلى هذا الحد
من الثقافة مرتعبون !؟
رضا الظاهر
مثلما اصطبغ دجلة بأزرق الكتب التي اغتالها مغول الأمس، اصطبغ شارع
المتنبي بالدم المختلط بالكلمات التي اغتالها مغول اليوم في الخامس من
آذار الحالي.
وتحول شارع الثقافة العريق من مسرح للجدل الثقافي الى بركة من الدماء،
حتى بات من الجلي أنه ما من أحد بعيد عن الموت، حتى شارع محايد يلتقي
فيه متعطشون من كل الأطياف الى المعرفة.
إذن فقد تحول الى خراب هذا الملتقى الذي ضم الموسوعات والمراجع
النادرة. واحترقت أوراق أبي حيان التوحيدي، الذي كان قد انتهى به
المطاف الى إحراق كتبه احتجاجاً، كما فعل ضحايا المتنبي قبل عام.
واحترقت أوراق أشقائه من المبدعين، في ذلك الشارع الذي ارتاده الجواهري
وماسينيون، والتمعت فيه آلاف العناوين، من (نهج البلاغة) حتى (أنشودة
المطر)، ومن جلجامش حتى ماركس، وبينها أشعار أبي الطيب المتنبي !
إذن فقد فاق وحوش الظلام المعاصرون أسلافهم من القتلة، من الحجاج الذي
رأى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، حتى غوبلز الذي كان يتحسس مسدسه كلما
سمع بكلمة "ثقافة". ولم يعد ممكناً مقارنة وحشية الأسلاف بوحشية
الأحفاد من بهائم "المقاومة" في بلاد الرافدين.
لم يكتف القتلة بالمآسي والبلايا التي أنزلتها أنظمة الاستبداد ومعاداة
الثقافة ومبدعيها .. أرادوا القضاء على فكرة المكان ودلالته، على فكرة
عشق الانسان للكلمة، وتعلّق العراقي بالأغاني .. أرادوا للمثقفين أن
يغادروا، وللنور أن ينطفيء، ولصوت الاحتجاج أن يسكت، ولراية الأمل أن
تنتكس .. أرادوا تدمير تلك اللوحة النيّرة من العراقيين المختلفين في
الجدل على وئام، حتى يستسلم آخر معاقل الثقافة أو هكذا يتمنون ..
وتوهموا أنهم بإبادة المتنبي سيبيدون النهار الذي يخشون، وما علموا أن
تحديات مثقفي بلاد ما بين النهرين اليأس والموت ومآثرهم الملهمة لا
تُجارى، وأن شوارع الثقافة تمتد عميقاً في الروح العراقية.
ولعلهم يريدون من تكرار المآسي المروعة، وبين آخرها تفجير الحلة الدامي
حيث قتل عشرات الأبرياء من المتوجهين الى إحياء أربعينية سيد الشهداء،
أن يخلق واقعاً جديداً يتحول فيه اليأس والاحباط الى قدر لا خلاص منه،
وتصبح فيه ثقافة الموت مألوفاً يومياً، في ظل أزمات مستعصية ومآسٍ تبدو
بلا نهاية. غير أن فاجعة المتنبي لن تمر دون أن تهز ضمائر، وتدفع أهل
الثقافة الى أن يرفعوا أصواتهم مطالبين بحماية الثقافة ومبدعيها من
الموت، والكف عن تجاهلهم وتركهم نهباً للفواجع.
ومن نافل القول إن هذا التدمير للثقافة ليس منعزلاً عن ممارسة وإرث
الطاغية وحروبه وقمعه الفكر ومبدعيه، وإشاعته ثقافة الانحطاط وغسيل
الأدمغة والتخويف وإلغاء الرأي الآخر، وما الى ذلك من مظاهر سلبية
مقيتة ترتبط بنهج الاستبداد. كما أن هذه الجريمة ليست معزولة عن
الجرائم الأخرى، ولا عن الواقع المأساوي الذي من بين صوره اغتيال أهل
الفكر من الأكاديميين والأخصائيين والصحفيين وسواهم، أو تشريدهم في
محاولة لإفراغ البلاد من العقول العلمية والابداعية النيرة.
ومن المثير للأسى أن يواجه المثقفون الحقيقيون، القابضون على الجمر،
والذين يقفون ضد الاضطهاد والتخلف والحرمان واستباحة القيم وحياة
الانسان، سياسات التهميش والاقصاء والتمييز، الى حد أن دستور بلاد
الأبجدية الأولى والثقافة العريقة يتجاهل الثقافة ومنتجيها.
وإذا كان مفهوماً أن سلطة الاستبداد تسعى الى الهيمنة على المثقف
وتحويله الى أداة لإشاعة ثقافتها، فمن غير المفهوم أن تستمر أوضاع
المثقفين المأساوية بعد رحيل الدكتاتورية، وأن يغيِّر "نصّابون"
أقنعتهم القديمة، التي كانوا يرتادونها في عهد مهندس المقابر الجماعية،
ليرتدوا أقنعة جديدة لأغراض التطبيل والتهريج والانحدار "الجديد"،
أقنعة تليق بعهد "المحررين"، الذين يتحملون المسؤولية الأساسية عن
الفوضى والانهيار والخراب والانفلات، وكل ما يوفر المناخ لاستمرار
جرائم الارهابيين وكل الظلاميين، والذين أبدعوا بتنصيب "مستشارين"
وشراء ذمم "مثقفين"، مثلما تليق بعهد "الديمقراطية"، الذي تتجلى فيه
غربة الحكام عن الثقافة ومشهدها وأفقها، والذي يُذبَح فيه أنصار
الثقافة الديمقراطية، ويستباح فيه شارعها الرمز، ويعاني فيه المبدعون
والمثقفون الحقيقيون من العوز والإذلال والخوف وغياب الحقوق والحريات
الأساسية.
* * *
أية بلاد هذه لا ينطق حكامها إلا بعد خراب البصرة، وعندما يجدون أنفسهم
محاصرين ويخشون من عواقب تهز أركانهم الخضراء، وربما لذر الرماد في
العيون !؟ وأية مأساة أن تسود نظرة الى الثقافة دونية بسيادة الطوائف
والمحاصصات، فتجعل الإبداع في آخر مطاف الحاجات !؟ وأي عراق هذا، حيث
"المحررون" و"المقررون" ينامون رغداً، والدماء تسيل في الشوارع مثلما
تسير فيها المحن !؟
أإلى هذا الحد من إراقة الدماء يتعطش الظلاميون !؟ أإلى هذا الحد من
الثقافة مرتعبون !؟ وكيف لا يرتعب من لا يتنفسون إلا في مناخ إبادة كل
ما هو جميل وإنساني !؟
بغداد التي يريدون إحراقها ستبقى في القلب .. رايات تحدّيها تخفق،
وأشرعة أملها تتعاشق مع السواحل والأمواج والنوارس .. ستنتهي هذه
الأحزان يوماً، وسيأتي المنشدون:
بغدادُ ما اشتبَكتْ عليك الأعصرُ
إلا ذَوَتْ ووريقُ عمرك أخضرُ ..