الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كـــــــــاليري

ميمري

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور

27-02-07 12:38


تأملات

خارطة حرمان عراقية !

رضا الظاهر

ثلث سكان العراق يعيشون في فقر بينما يعيش أكثر من خمسة في المائة في فقر مدقع. ذلك ما أكدته دراسة حديثة أصدرها برنامج الأمم المتحدة الانمائي بالتعاون مع الجهاز المركزي للاحصاء. وكشفت الدراسة عن أن نسبة عالية من العراقيين يعيشون في مستويات مختلفة من الفقر والحرمان على الرغم من الموارد الطبيعية والمادية الهائلة في بلاد الخيرات. وتتراوح نسبة معاناة الناس بين توفر خدمات أساسية مثل الكهرباء والماء، تتبعها الحالة المادية للعوائل، ثم الظروف السكنية.
وانتقدت الدراسة، التي كشفت عن أن المناطق الريفية تعاني من الحرمان بنسبة تزيد ثلاث مرات عن المدن، السياسات التي تطبَّق لتحويل الاقتصاد العراقي الى اقتصاد سوق حرة قائلة إنها تفاقم مستوى الحرمان.
واعتبرت الدراسة أن التراجع الذي عاناه الاقتصاد العراقي في ربع القرن الأخير كان عميقاً وشاملاً. وأشارت الى أن العراق دخل بعد عام 2003 مساراً من الاصلاحات الاقتصادية التي تتطلبها معالجة الاختلالات الاقتصادية الموروثة وكذلك تلك الناجمة عن الوضع الحالي ومتطلبات الاندماج مع الاقتصاد العالمي.
ويمكن القول إن السمات المميزة لفترة "ما بعد التحرير" تتمثل في تعاظم التفاوت الطبقي والاجتماعي الذي تمارس في إطاره فئات طفيلية جديدة دور مزيد من تشويه البنية الاقتصادية. هذا ناهيكم عن انتشار البطالة وتعاظم التهميش الاجتماعي الذي بات ينذر بتوترات اجتماعية قد يصعب تقدير عواقبها في حال تفجرها. ومما يفاقم مخاطر هذه العواقب تلك التركة المدمرة لسياسات النظام الدكتاتوري في مختلف الميادين.
ومن المؤكد أن تعاظم التفاوت الطبقي والاجتماعي مرتبط، على نحو وثيق، بشروط صندوق النقد الدولي، الذي يبدي بعض "الليبراليين" حماساً للاستجابة الى ضغوطه على حساب الحاجات الأساسية لملايين الفقراء والمعوزين والمحرومين، في وقت شكلت فيه عملية إعادة الاعمار في إخفاقاً مريعاً يضاف الى إخفاقات سياسة واشنطن، التي أنفقت مئات المليارات من الدولارات على حربها لتوسع الهوة بين المتخمين والجياع في بلد يعتبر ثالث أكبر احتياطي للنفط في العالم.
ومن المثير للأسى أن إحدى المشكلات الأكثر أهمية التي تواجهها عملية التنمية في بلادنا، حسب دراسة الجهاز المركزي للاحصاء، تتمثل في أن المستقبل غير واضح في مرحلة الانتقال الحالية غير المستقرة في البلد الذي كان مصدِّراً للمشتقات النفطية وصار يستورد منها ما قيمته خمسة مليارات دولار سنوياً. وكل ذلك جراء الخراب الذي تسبب به نظام الطغيان والحروب، والأزمات التي أحدثتها سياسات "المحررين" وصراعات "المقررين". أما النساء، النصف الأعظم من المجتمع، فلهن حصة مضاعفة من المعاناة، حيث البطالة أوسع والتمييز أشد والمظالم أعظم، ومن الجلي أنها الحصة الوحيدة التي تتساوى فيها المرأة مع الرجل، بل وتتجاوزه.
وباتت البطالة من أخطر المشكلات في بلاد يتحول خريجوها الى عاطلين أو باعة أرصفة وخريجاتها الى أسيرات في البيوت. أما التعيين، النادر تماماً، فلا يتم إلا بتزكية طائفية أو حزبية. وباتت وعود الحكومات المتعاقبة بإيجاد فرص عمل جزءاً من اللعب السياسية التي أدت الى انعدام ثقة الخريجين والشباب، بل والناس عموماً، بحكومة المحاصصات وبالديمقراطية الزائفة والمستقبل المجهول.
وليس من الغريب أن تصبح ثقافة التفكير بالسفر والهجرة، بعيداً عن الموت اليومي والعوز المذل وبحثاً عن الأمان والعمل، ثقافة شائعة في البلاد التي تهدر مواردها البشرية وكفاءات مثقفيها. هذا ناهيكم عن التداعيات الاجتماعية الخطيرة للبطالة متمثلة، من بين مآسٍ أخرى، في اتساع الفقر والعوز، وانتشار الجريمة والعنف والأمراض الاجتماعية والنفسية، والبيئة الخصبة للارهاب. ومن المحزن حقاً أن نجد في شوارع عاصمة بلاد الرافدين، المليئة بالأنقاض والنفايات، المئات من المشردين والشحاذين. وتتحالف كل هذه الظواهر مع الظواهر السلبية الأخرى، وبينها الفساد والنهب المحلي والأجنبي وهدر المال وغياب الخدمات الأساسية، فتؤدي الى مزيد من الخراب على مختلف الصعد.
ويحق للمرء التساؤل عن جدوى حلول مثل زيادة الرواتب إذا كانت تبتلعها الأسعار الملتهبة للسلع الأساسية والتضخم المتعاظم، في ظل الأزمات المعيشية المستعصية من جانب، واللهاث، من جانب آخر، وراء صندوق النقد الدولي الذي لا يمكن لشروطه إلا أن تؤدي الى أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة.
* * *
تحت وقع إخفاق "المحررين" و"المقررين" في إدارة الأزمة تتعاظم المآسي، وتتشكل خارطة حرمان جديدة. ولابد أن مرحلة الانتقال الاجتماعي ستكون أطول وأكثر عسراً مما ترى السياسات الراهنة. ولابد أن آلام المعاناة ستكون أعمق مما تتمنى هذه السياسات.
ومن المثير للسخط أنه على الرغم من انتقادات برلمانيين ووسائل إعلام وجهات مختلفة، وعلى الرغم من نداءات ضحايا المحن واحتجاجات المحرومين، ما زال الوضع على حاله، بل بات أسوأ، حيث تتفاقم مكابدات الفقراء والمعوزين والاذلال الذي يتعرضون له والاحباط الذي يطوّق آمالهم.
لا سبيل، أمام هذه المحن، غير أن ينهض الملايين في حركة شعبية جبارة ضد الفقر والعوز، بل ضد كل ما هو باطل، ومن أجل أن يستعيد إنسان هذا الوطن، المنكوب بـ "محرريه" و"مقرريه"، حقه في حياة تليق بالبشر.