الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كـــــــــاليري

ميمري

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور

20-02-07 14:19


تأملات


لم يعد النزوح صامتاً !

رضا الظاهر

وسط ترويع الموت اليومي وتفاقم الأزمات المستعصية أعلنت الأمم المتحدة أن العنف في العراق أدى الى أكبر موجة نزوح بشري في الشرق الأوسط منذ هجرة الفلسطينيين عن ديارهم عام 1948. وقدّرت أن مليوني عراقي فروا من البلاد وأن حوالي 1.8 مليون هُجِّروا في الداخل، بحيث أن واحداً من كل ثمانية نزحوا عن ديارهم، حيث ترك نصف مليون شخص منازلهم خلال فترة الأشهر الستة الأخيرة فقط، بينما توقعت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من مليون عراقي هذا العام في حال استمرار التدهور الأمني.
واذا كان العهد الحالي قد تفنن في نزوح جماعي منتظم، كان "صامتاً" خلال الأعوام الثلاثة الأولى من "التحرير"، وابتداءً من إعلان سيد البيت الأبيض إنهاء العمليات القتالية، أي منذ إعلان "نصره" الواهم، فإن هذا النزوح لم يعد اليوم صامتاً، حيث تصاعدت الأصوات في كل أنحاء العالم محذرة من كارثة إنسانية.
وتعيد هذه الهجرة المروعة الى الأذهان تلك الفظائع التي حدثت في عهد مهندس المقابر الجماعية، حيث قصص المآسي التي تعرضت لها العوائل المهجَّرة على الحدود وعواقب ما بعد الحدود، إذ تحول اللاجئون منذ لحظة وصولهم الى مواضيع ارتياب بسبب وضعهم "غير القانوني" .. وحيث المئات ممن ابتلعتهم بحار دفعهم إليها تجار التهريب .. وحيث العوز والاذلال على أرصفة بلدان غريبة، والمشكلات السايكولوجية وتصادم الثقافات لدى الأجيال المختلفة، والمعاناة المريرة التي انعكس بعضها في قصص المنفيين العراقيين التي لا تنتهي.
غير أن التهجير في "العراق الجديد"، الذي وضعه "المحررون"، عبر محاصصات الشيعة والسنة والأكراد، على طريق "الديمقراطية"، أفظع من تهجير الدكتاتور، ليس فقط لأنه أوسع مدىً وأسرع وتيرة، وإنما، أيضاً، لأن من مارس التهجير في السابق كان طاغية، وبالتالي لم يكن غريباً أن يفعل ما هو أفظع، وقد فعل كما هو معلوم. أما التهجير "الجديد" فجرى ويجري في ظل "المحررين"، الذين ما زالوا يوهمون الملايين بـ "الديمقراطية"، وفي ظل الحكام الذين جاءوا لـ "إنقاذ" البلاد، فأثبتوا عجزهم الفاضح وانغمارهم في الصراعات على السلطة والنفوذ والامتيازات، تاركين الملايين نهباً للموت والخوف واليأس والمصير المجهول.
ولكن السؤال المرير، الذي يبدو أن "المقررين" لا يبالون به بل ولا يعترفون، هو: لماذا يضطر العراقيون الى ترك بلادهم على هذا النحو المفزع ؟ والحق أن السؤال الأصح هو: لماذا لا يهاجرون عن بلاد بات كل ما فيها خراباً في خراب، حيث لا أمل في الأفق يلوح معيداً الثقة والطمأنينة الى نفوس من استهان "العراق الجديد" بأبسط أحلامهم ؟
فهل كان الملايين، ممن تحدوا الموت فانتخبوا زعماء متصارعين، سذّجاً الى حد أن هؤلاء الزعماء باتوا سيفاً مسلَّطاً على رقاب من منحوهم الثقة، ليقفوا غير مبالين بتهجير الملايين، من كل التلاوين، في الداخل والى الخارج ؟
وهل "حرّرونا" ليلقوا بنا في نيران الارهاب الظلامي والمذابح الطائفية والمعاناة المريرة ومواسم الهجرات الجديدة في ظل عراق تنقلب فيه المعادلات والموازين والقيم، وتزدهر فيه ثقافة الموت والتخلف، ومافيات الخطف وتجارة الفدية وشريعة الغاب ؟
من نافل القول إن عواقب الهجرة لا تتوقف عند حدود أزمة النزوح، بل تتعداها لتكشف عما أدى اليه سفك الدماء من استكمال تدمير الطبقة الوسطى، والنزيف المستمر للعقول العلمية والفنية والابداعية، وتفاقم الدمار السايكولوجي للمهجَّرين وأطفالهم واضطرار البعض من هؤلاء الأطفال الى العمل في بلدان الجوار بسبب بليّة العوز، التي تدفع، من بين مآسٍ أخرى، بعض النساء الى الدعارة وما الى ذلك من عواقب مفجعة.
ومن المثير للأسى، بل وللسخط، أن تكتفي الأمم المتحدة بالتصريحات والمناشدات، حيث غالباً ما تتخذ الاجراءات بعد فوات الأوان. ولابد أن العراقيين شبعوا من الوعود ومن مؤتمرات "الانقاذ" ومقامرات "المنقذين" التي يمارسها الجيران الأقربون و"الحلفاء" الأبعدون.
* * *
هنا في هذه البلاد شقّت سفينة نوح طريقها لتصعد الى الأعالي فكانت أول سفينة للمهاجرين في التاريخ ..
ومن أرض الفرات بدأ أبو الأنبياء إبراهيم هجرته الى أرض كنعان، وهي أول هجرة قسرية في التاريخ ..
هل كُتِبت على هذه البلاد الهجرات بعد النوائب ؟ وهل قيض لها أن تشهد تحوّل نزوحها الصامت الى نزوح ناطق في سيل من المشردين عن الأوطان وسط مخاض من الآلام ؟
يبدو أنه لم يعد بوسع أحد، "محرِّراً" كان أم "مقرِّراً"، إيقاف سيل المهاجرين والمهجَّرين الجارف، هذا إذا افترضنا أنه يريد، حقاً، إيقاف السيل، ومنع المحن من أن تبلغ مداها الأخير ..
وكيف لمحن أن لا تبلغ مداها الأخير إذا لم يمنعها أحد من ذلك ؟ وكيف يمكن لأحد أن يمنعها ما لم تتوفر له معرفة أسباب المحن وسبل منعها، والعودة بضحاياها الى أوطان تستقبلهم وتحنو عليهم وتمنحهم ما يحتاجون، فتعيدهم الى بيوتهم وهي آمنة، والى شوارعهم وفيها الآمال تسير، والى أيامهم وفيها صباحات عيش كريم ؟