الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كـــــــــاليري

ميمري

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور


تأملات

مشتقات نفط ومشتقات محن !

رضا الظاهر

بينما تتفاقم الأزمات وسط عجز الحكومة، وتخبط "المحررين"، وانشغال السياسيين بصراعات السلطة والنفوذ، في أجواء المعاناة المريرة للملايين، "توقعت" وزارة النفط زيادة أسعار المشتقات النفطية، بحلول شهر آذار المقبل، الى ما يصل الى 15 في المائة. واعترف وزير النفط بحقيقة أن هذا الاجراء يأتي نتيجة لضغوط صندوق النقد الدولي.
ومن المعروف أن الدعم الحكومي المقدم لاستيراد المشتقات النفطية انخفض بصورة حادة خلال عام 2007 ليصل الى 300 مليون دولار فقط لدعم استيراد النفط الأبيض، بينما وصل عام 2005 الى 4.5 مليار دولار، وعام 2006 الى 2.5 مليار دولار.
ولكن لماذا الحماس لدى "البعض" من "ليبراليينا" لتلبية مطالب صندوق النقد الدولي على حساب الحاجات الأساسية لملايين الفقراء والمعوزين ؟ لماذا نستسلم لشروط هذا الصندوق ولا نطالب، مثلاً، بتأجيل بعض الالتزامات، ولدينا مبررات الأوضاع الاستثنائية والظروف الشاقة التي تمر بها بلادنا ؟
يعرف كل منصف أن التراجع عن دعم أسعار الوقود سيؤدي الى عواقب وخيمة، بل وليس من باب المبالغة القول إنه يقدم خدمة مباشرة للارهاب، ولكل الساعين الى إجهاض العملية السياسية التي تعاني، أصلاً، من علل خطيرة. ولا ريب أن من بين العواقب المباشرة لخفض دعم المشتقات النفطية ارتفاع الأسعار على نحو مبالغ فيه، وهي أسعار تختلف من محطة الى أخرى، وتتجاهل الوزارة ذلك على نحو يوفر غطاءً للفساد، الذي نجد بعض تجلياته في السوق السوداء لبيع المشتقات وأحياناً عبر الحمايات الأمنية !
ومن ناحية أخرى فإن الحكومة تخفّض الدعم على أساس أن شركات القطاع الخاص تقوم بتغطية احتياجات السوق. ولكن أين هي الشركات التي يمكن أن تحل محل الدولة وتأخذ على عاتقها مهمة بيع المنتجات المستوردة ؟ ولماذا اللجوء الى مثل هذه الحلول "الافتراضية" التي تفضي الى نتائج سلبية أخرى على أكثر من صعيد ؟
ومن المثير للقلق، بل والسخط، أن تترافق الاجراءات المتعلقة بخفض دعم المشتقات النفطية مع خفض قيمة مخصصات البطاقة التموينية. فبينما تتحدث الحكومة عن زيادة المخصصات، انخفضت هذه المخصصات في السنة الأخيرة الى ما يصل الى النصف. هذا ناهيكم عن ذهاب نسبة من هذه المخصصات الى من لا يستحقونها بينما تستمر معاناة المستحقين.
ومن المؤكد أن هذا جزء من الأزمة الشاملة التي تعصف بالعراق. ومن المحزن أن هذا البلد، الذي يعد ثالث أكبر احتياطي للنفط في العالم، هو بلد مآسٍ تبدو بلا نهاية، ممتدة من سيادة الفوضى وشريعة الغاب وغياب الأمن وانفلات متطرفي المليشيات، حتى استشراء النهب والفساد وتفشي البطالة واعتماد المحسوبية والمنسوبية وانحدار القيم، وتردي الخدمات الأساسية وتدني مستوى المعيشة، على نحو يكشف عن التشوهات في بنية المجتمع واقتصاد البلاد وتنامي "القطط السمان" والطفيليين.
وليس مجانبة للحقيقة القول إن تعاظم التفاوت الطبقي والتهميش الاجتماعي مرتبط، على نحو وثيق، بشروط صندوق النقد الدولي والضغوط التي يمارسها للاسراع في إعادة هيكلة اقتصاد بلادنا عن طريق "تحريره" وفتح أبواب الاستثمار الأجنبي دون ضوابط كافية وحماية لمصالح البلاد الآنية والمستقبلية، ودون حسبان للأزمة البنيوية الشاملة التي يعاني منها مجتمعنا.
وإذا كان المنطق العقلاني يقول إنه لا تنمية بدون حريات ومؤسسات ديمقراطية، ولا وجود لهذه الأخيرة بدون أمن، وإن الأمن يستحق أن تخصص له المليارات من الدولارات، فإن هذا المنطق ذاته يقول إنه ليس بالأمن وحده، وإنما، أيضاً، بما يترافق ويتكامل معه من إجراءات اقتصادية واجتماعية، يمكن إنقاذ البلاد من أزمتها.
ولكن بوسعكم، في هذا السياق، أن تتخيلوا أن حكومة "الوحدة الوطنية"، التي أسقطت ميزانيتُها الموارد الآتية من خط كركوك ـ تركيا لتصدير النفط لأسباب أمنية، تعجز عن حماية هذا الخط، الذي ظل يتعرض، منذ بداية "التحرير" وحتى اليوم، الى التخريب، وتريد من ملايين المغيَّبين أن يثقوا بإجراءاتها المتعلقة بالميزانية والأمن، وبمصائر البلاد ومستقبلها !
* * *
ستضاف الى قاموس المآسي في بلاد الذهب الأسود مفردة المشتقات النفطية بعد أن يٌخَفَّض دعمها إرضاءً لرغبات صندوق النقد الدولي وسائر "المانحين" ..
إذن فأهل هذه البلاد لا يعانون من مشتقات نفط حسب، وإنما، أيضاً، من مشتقات محن، وهي مشتقات عِلمُ نهايتها عند أولي الألباب من "محررين" أكملوا دورة الخراب التي أعدها لهم صنيعتهم مهندس المقابر الجماعية، ومن "سياسيين" يتصارعون على الامتيازات، بينما ملايين المعوزين يتوقون الى شوارع بلا مفخخات، وخبز بلا إذلال، وأيام بلا وعود وأوهام ..
يرتاب المرء في أن تنهض من ركامها بلاد نوائب تضطر الحرائر من خريجاتها الجامعيات الى العمل خادمات في البيوت، ويٌهجَّر علماؤها أو يهاجرون مكرَهين، بينما يتضخم جيش العاطلين في وطن الخيرات دون أن يسمع شكواهم أحد !
أيها الجياع والمحرومون .. ليس أمامكم إلا أن تنهضوا وراء حق .. وتستعيدوا أصواتكم .. وتمضوا في الطريق المفضي الى عراقكم، لا عراق مَنْ يغيِّبون إرادتكم !