تأملات - ليس بزيادة القوات وحدها !
رضا الظاهر
باتت ستراتيجية الرئيس الأميركي، التي كشف عنها ليل الأربعاء الماضي في
خطاب طال انتظاره، جلية في إطار ما هو معلن في الأقل. غير أن هذه
الستراتيجية، بما تضمنته من "حلول"، وبتوقيت الاعلان عنها والظروف التي
أحاطت بذلك، أثارت وما تزال تثير ردود أفعال وتساؤلات متباينة.
ومن الجلي أن خوض "معركة بغداد" قد أنهى تلك الخطابات الصاخبة حول
"النصر" و"الديمقراطية" وما الى ذلك من شعارات فارغة. هل تتذكرون
الخطاب الذي أعلن فيه سيد البيت الأبيض، أسير الأوهام، أن "المهمة
أُنجِزت" !؟ وراح "الستراتيجيون" يطلقون، منذئذ، مقارناتهم التعسفية،
بل الساذجة، بين "فرض" الديمقراطية في ألمانيا الغربية واليابان بعد
الحرب العالمية الثانية، وفرضها في عراق اليوم.
ولعل من بين ردود الأفعال ذات المغزى على الخطاب، الذي اعترف فيه بوش
بإخفاقات، وأظهرت استطلاعات الرأي أن ما يزيد على 60 في المائة من
المواطنين الأميركيين يعارضون ما ورد فيه بشأن إرسال قوات إضافية الى
العراق، تلك الاعتراضات الحادة التي عبر عنها "الديمقراطيون"، في
الغالب لأغراض انتخابية ومن منطلقات سياسية ضيقة، وشاركهم فيها بعض
الجمهوريين. وكان بين المعترضين متشككون في رغبة واستعداد الحكومة
العراقية لتنفيذ الخطة، وخصوصاً ما يتعلق باستهداف المليشيات المتطرفة.
وبينما اعتبر البعض أن بوش يستمر في حماقته ويرسل الجنود الإضافيين الى
"مقبرة العراق"، قال بعض آخر إن "الدرس الذي نتعلمه من التاريخ هو أننا
لا نتعلم من التاريخ". وليس مما يثير الاستغراب أن يسعى معترضون الى
"انسحاب مشرّف" مقابل من يرون أن الانسحاب لا يعني سوى هزيمة لأميركا،
بينما راح آخرون يتساءلون: هل زيادة القوات خطأ فادح آخر، أم أن
التصعيد العسكري هو مجرد غطاء للانسحاب، أم أن هناك أسراراً لا يعلمها
إلا الله والراسخون في العلم !؟
وعلى أية حال يحق للمرء أن يواصل خشيته من سياسة واشنطن، التي حفلت
بالجهل والغطرسة والأخطاء الفادحة منذ بداية "التحرير"، وما تزال أسيرة
التخبط والوهم. ولا يقلل من العواقب المدمرة لنهج المحافظين الجدد ونمط
تفكيرهم اعتراف بوش ببعض الأخطاء، في أجواء انعدام الثقة بعدم تكرار
مثل تلك الأخطاء أو اقتراف ما هو أفدح، وباحتمال تغيير واشنطن سياساتها
وتسلكاتها على نحو يمكّنها من "كسب العقول والقلوب".
ومما يثير الأسى والإحباط أن القوى السياسية في بلادنا، والمقررة منها
على وجه الخصوص، أخفقت، هي الأخرى، في أن تجسد مسؤوليتها الوطنية،
فأسهم ذلك، من بين عوامل أخرى، في استمرار الفوضى وغياب القانون
وانعدام الأمن وتصاعد جرائم الارهابيين ومتطرفي المليشيات، وما الى ذلك
من أوضاع استثنائية تعكس تفاقم الأزمات المستعصية في مختلف الميادين،
وتعمق المآسي التي يعاني منها الملايين.
وفي غضون ذلك يتوهم البعض بأن إدارة بوش بدأت "العودة الى الواقع"،
والحق أنها ما تزال تمارس منهج "الهروب من الواقع". فلو أن بوسع 20 ألف
جندي إضافي أن يحققوا الأمن فلماذا لم يجرِ هذا قبل الآن على سبيل
المثال ؟
وعلى الرغم من أن إدارة البيت الأبيض ربما تكون قد اقتربت خطوة من
الواقعية في التحليل، فانها ما تزال أسيرة أوهامها. فالرئيس الأميركي
يختزل الكارثة بالتحدث عن مسؤوليته الشخصية، بما يعكس قصوراً في
النظرة، ذلك أن المسؤولية الحقيقية تتجاوز الإطار الشخصي لتصل الى
النهج السياسي الخاطيء. ويجسد بوش، مرة أخرى، التبسيط، بل الابتذال
السياسي، عندما يستهين بذكاء الناس، فيضع الحرب في صيغة "الصراع
الآيديولوجي الحاسم في عصرنا"، واصفاً إياها بأنها تهدف الى حماية
"ديمقراطية فتية" ضد المتطرفين ومحاولة لحماية المجتمع الأميركي من
الارهابيين. ولعل هذه النظرة التبسيطية الضيقة هي التي ساهمت في غياب
آفاق حل سياسي يرتبط بتهيئة الظروف الملائمة للانسحاب.
* * *
المسألة الأساسية ليست في زيادة عدد القوات، فهذه الزيادة لن تحقق
شيئاً إذا لم تقترن بإجراءات أخرى أساسية من جانب "المحررين" و"الحكام"
والقوى السياسية ..
المسألة الأساسية تتمثل في تخلي المحتلين عن أوهامهم وسياساتهم
المدمرة، ونظرياتهم بشأن مجتمع "الشيعة والسنة والأكراد"، واستهانتهم
بالواقع وبالقوى السياسية الوطنية العراقية الحية التي تناصر التقدم
الحقيقي والمؤهلة للسعي إليه .. كما تتمثل في تخلي الحكام و"المقررين"
من سياسيي بلادنا عن أوهامهم في المحاصصات الطائفية والإثنية، ونهج
الاستئثار والاستحواذ والصراع على السلطة والنفوذ والامتيازات، وتغييب
إرادة الملايين من بنات وأبناء شعبنا، أصحاب المصلحة الحقيقية في توسيع
آفاق العملية السياسية وتطويرها ..
المسألة الأساسية تبدأ، من بين إجراءات أخرى، بتحقيق الأمن والقضاء على
الارهاب وانفلات متطرفي المليشيات، وإنهاء الفوضى وشريعة الغاب
واستشراء النهب والفساد، وتلبية الحاجات الأساسية والمطامح العادلة
لملايين المحرومين .. وفي غضون ذلك كله، وفي أولوياته، إنجاز مصالحة
وطنية حقيقية ..
والمسألة الأساسية تبدأ، أيضاً، من استعادة الثقة والأمل، بعد كل ما
حلّ بالبلاد وأهلها من دمار مادي وخراب روحي .. فبالثقة نأتلف ونحن
مختلفون، وبالأمل نرى الأفق قريباً على بعد !