تأملات - انتهى المستبد ..
ماذا عن ثقافة الاستبداد ؟
رضا الظاهر
انتهى الطاغية، إذن، شأن أمثاله، الى مزبلة التاريخ، وكان في نهايته
بعض من إقرار لحق وعدل، وإنصاف لمئات الألوف من الضحايا، وعزاء
للثاكلات والأرامل والمفجوعات، ومواساة لمن فقدوا الأحبة في حروبه
ومقابره الجماعية وأسلحته الكيمياوية وزنازينه السرية.
وإذا كان الحديث عن "التعجيل" في الاعدام، والطريقة التي نُفِّذ بها
مثار التباس وأسئلة، فإن على المرء أن يعود، أولاً، على أية حال، الى
المحاكمة حيث تبدأ فصول المأساة التي سرعان ما تحولت الى مهزلة.
فبدل أن تكون محاكمة لنهج الاستبداد، ووسيلة لتثقيف الناس بمعنى الظلم،
تحولت عن مسارها، بل وأضحت، في بعض الأحيان، منبراً للطاغية.
ولا غرابة في أن يرى محللون أن الاقتصار على جريمة أو جريمتين بدل
مراجعة السيرة الصدامية كلها، وهي التي شيدت نظام الاستبداد فاستحقت
بأن توصَف بأنها أم الجرائم، أن يروا أن المحاكمة كانت، بذلك، قاصرة،
بل وأنها اختطفت من شعبنا فرصة استثنائية للكشف عن حقيقة الاستبداد
واستعادة الذاكرة العراقية، ناهيكم عن فضح أولئك الذين دعموا الدكتاتور
وأمدّوا نظامه بأسباب البقاء والقدرة على إنزال الدمار بوطننا وشعبنا.
أما أولئك الذين أرعبهم "التعجيل" بتنفيذ إعدام المجرم، وهو على أية
حال تعجيل ليس من اليسير تبريره والدفاع عنه، فقد توزعوا بين مرتعبين
على مصائرهم ومصائر أنظمتهم، و"قومجية" قابضين، وخائبين ضاعت
امتيازاتهم بضياع سلطة الدكتاتور، ناهيكم عن الارهابيين الظلاميين
وأيتام النظام المقبور، وكل من يتحالف معهم ويقدم لهم الدعم في الداخل
والخارج.
ويبدو أن تنفيذ إعدام مجرم أدانته محكمة علنية لم تتوفر لأي من ضحاياه
جريمة لا تغتفر، خصوصاً وأنها جرت صبيحة أول أيام عيد الأضحى (لم يحتج
أحد، مثلاً، على إعدام بعثيي صدام الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم في
منتصف شهر رمضان وكان صائما ! فقد سكتت الأصوات في رمضان الأمس وارتفعت
في أضحى اليوم .. سبحان الله !). أما جرائم مهندس المقابر الجماعية،
التي لم يشهد التاريخ نظيراً لبشاعتها، ولم تهز ضمائر المتباكين على
وليّ نعمتهم، فيمكن غفرانها. ولماذا لا تغتفر من جانب بائعي الذمم ممن
تسلموا كوبونات النفط، ومرسيدسات الصحافة، والهبات على المديح الزائف
للوحش في مهرجانات "الردح" القومية، ورشوات الصفقات وفضائح النفط مقابل
الغذاء ؟ لماذا لا ينوح "القومجية"، اللاهثون، في كل عهد، وراء المال
والمكاسب، والذين تستبد بهم مشاعر التعصب القومي والطائفي والعمى
الآيديولوجي، على "بطلهم" الذي تركهم أيتاماً ؟
إذن فقد رحل الرئيس "المؤمن" الذي أعدم "رفاقه" بالطريقة الصدامية
المعروفة، ولم يسلم منه أبناء "طائفته" .. رحل من كان يرغم أهالي
الضحايا على إطلاق الزغاريد عندما تخترق الرصاصات أجساد أحبتهم ثم
يأخذ، إمعاناً في الوحشية، ثمن الرصاصات من الأهل المفجوعين.
وعلى أية حال فان ما جرى أثناء عملية الاعدام حوّل تنفيذ الحكم العادل
بحق أبشع مجرم في تاريخ العراق الى مناسبة للتشفي جردت العملية من
محتواها القضائي وأظهرت الطاغية بمظهر الضحية. والحق أنه "كان يفترض أن
تكون عملية الاعدام غاية في الانضباط والدقة، وكان يفترض أن تجري وفق
المعايير الدولية" حسب تصريح وزير العدل وكالة.
ويحق للمرء أن يتساءل: لماذا ارتكبت تلك "الأخطاء" أثناء التنفيذ ومن
المسؤول عنها ؟ وكيف اخترقت المليشيات غرفة الاعدام ونحّت، حسب تصريحات
مسؤولين، مجموعة وزارة الداخلية المكلفة بالتنفيذ وحلّت محلها ؟ بل
لماذا حضر مسؤولون بهدف التفرج وهم ممن لا علاقة لهم بالقضاء ؟ ومن
الذي يفسر لنا تصريحات مسؤولين سياسيين في الحكومة باسم المحكمة
الجنائية العليا، وهي هيئة قضائية مستقلة، بل ويعلنون نتائج تحقيقاتها
وقراراتها قبل أن تعلنها هي عبر الناطق الرسمي باسمها ؟ والى متى تستمر
التصريحات المتناقضة للمسؤولين الحكوميين بما يعكس التخبط وولع البعض
بالأضواء ؟ ولماذا نعطي آخرين ممن يتحيّنون الفرص مبررا ت لشن حملات
مغرضة ضد العملية السياسية التي تكفيها أزماتها المستعصية الكثيرة ؟
وأخيراً، وليس آخراً، من الذي يفسر لنا ازدواجية تصريحات وتسلكات
"المحررين" بشأن تنفيذ الاعدام، وهم الذين نقلوا المجرم بطائرة أميركية
الى منصة الاعدام، ثم نقلوا جثمانه بطائرة أميركية أيضاً، حتى كأنهم
يريدون تذكيرنا بأن من جاء بقطار أميركي لابد أن يرحل بهليكوبتر
أميركية !
* * *
ينتهي المستبدون، وتبقى بعدهم ثقافة الاستبداد التي لابد من إنهائها ..
فبدون ذلك يصبح كل حديث عن حريات وحقوق البشر وإعلاء شأنهم وتلبية
مطامحهم العادلة في حياة تليق بهم حديثاً لا معنى له، بل لا جدوى منه
..
وما لم تتحول هذه الأحداث التاريخية العاصفة الى درس للتثقيف ضد نزعات
الاستئثار والانفراد والتعصب والاقصاء والمحاصصات والكواليس وتغييب
إرادة الملايين من نساء ورجال هذه البلاد، فان ركام اليأس سيظل في
الروح العراقية، وغيوم الموت ستظل في سماء ما بين النهرين ..
لن ينهض عراقٌ من الرماد إلا عندما ينهض الأمل .. وهو حتف المستبدين !