تأملات
تسويق
المحنة العراقية
لتحقيق "النصر" الأميركاني !
رضا الظاهر
بينما
كان سيد البيت الأبيض يصر، في كل خطاب له، على "النصر" استخدم، في
مقابلة له مع "واشنطن بوست"، الثلاثاء الماضي، تعبير أن واشنطن "لا
تكسب الحرب في العراق ولا تخسرها".
إذن
فقد تبخر "النصر" وتبخرت معه "الديمقراطية"، وتحول هدف الأميركان الى
مجرد "تمكين دولة العراق من الحكم والدفاع عن نفسها". ولم يكن ذلك إلا
نتاجاً للاخفاقات التي لم يكلف الرئيس الأميركي نفسه عناء التساؤل: من
المسؤول عنها وعن سائر الأزمات الطاحنة في البلاد التي حولها
"المحررون" الى بلاد مصائب.
أما
وزير دفاعه الجديد روبرت غيتس فقد بشّر، خلال زيارة له الأسبوع الماضي
الى بغداد، جيران العراق بأن عليهم أن "يفهموا جيداً أننا سنبقى طويلاً
في الخليج"، وهي "بشارة" للعراقيين قبل غيرهم !
وبوسعنا أن نتذكر، في هذا السياق، ما قاله الجمهوري روبن هايس، في
اجتماع لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ أواسط الشهر الماضي، من أنه
"إذا صمم العراقيون وقرروا تدمير أنفسهم وبلدهم، فأنا لا أعرف كيف
يمكننا إيقافهم". ولكم أن تتصوروا نمط التفكير "الأميركاني" والمثال
الذي تقدمه واشنطن في الاستخفاف بالشعوب. على أن هذا لا يعني، بالطبع،
أن واشنطن وحدها هي التي تتحمل المسؤولية. فهناك الحكومة العراقية
"العاجزة" والقوى السياسية "المتصارعة" على السلطة والنفوذ، ناهيكم عن
تحالف الارهابيين وأيتام النظام المقبور ومتطرفي المليشيات، المدعومين
من جيران مرتعبين من أي تغيير.
ويعرف القاصي والداني مسؤولية واشنطن، التي شنت الحرب باعتبارها الخيار
الوحيد ولم تعدّ العدّة لزمن السلم، واستهانت بالواقع، وتجاهلت القوى
السياسية، وفتحت صندوق باندورا لتنطلق منه كل الشرور.
وحولت واشنطن العراق الى حقل تجارب، حيث تقوم جهات مختلفة بإعداد وصفات
لحل الوضع العراقي تمتد من لجنة بيكر ـ هاملتون حتى مجموعة الأزمات
الدولية، وكلها تتجاهل أهل المعضلة، بينما يمضي المحللون
"الستراتيجيون" في عماهم الآيديولوجي وجهلهم وغطرستهم.
ويساهم تقرير مجموعة الأزمات الصادر الأسبوع الماضي، والذي يشخص سمات
الانهيار الشامل ويتعامل مع الحكومة باعتبارها طرفاً بين أطراف عديدة
في الصراع، في الكشف عن جوانب من ستراتيجية واشنطن الجديدة التي يتسع
الحديث عنها في الفترة الأخيرة، والتي ينتظر أن تتضح ملامحها الأساسية
في الخطاب الذي سيلقيه بوش عن حالة الاتحاد أوائل الشهر المقبل.
وعلى أية حال، فان سياسة واشنطن ما تزال، رغم كل التجارب والإخفاقات،
تسير في طريق الاغتراب عن الواقع والعجز عن حل الأزمات. وإذ يتأمل
المرء هذه السياسات وتسلكات واشنطن تجاه مختلف الأطراف، ابتداءً من
القوى السياسية، وصولاً الى "المقاومة" سواء كانت "شريفة" أو "غير
شريفة"، يجد نفسه متسائلاً: أحقاً لا تستطيع الدولة العظمى حل المأزق
العراقي ؟
ومن
المحزن أن القوى السياسية تعجز عن الارتفاع الى مستوى المخاطر
والتحديات وأخذ دورها المنشود في إخراج البلاد من المأزق. فالقادة
السياسيون للقوى المقررة، المرتبطة بالصراع الطائفي خصوصاً، ما زالوا
مترددين في اتخاذ خطوات حاسمة لإيقاف الجرائم الناجمة عن هذا الصراع
المقيت، وهو تردد يهدد بمزيد من تدهور الوضع من ناحية، وتعاظم دور
المتطرفين بما يهدد العملية السياسية برمتها من ناحية أخرى
* * *
البعض يعتقدون أن الحل يمر عبر تعديل وزاري، هذا إذا افترضنا أن
التعديل سيتم بصورة صحيحة ومبررة .. والبعض الآخر يعتقدون أنه يمر عبر
ولادة ما يسمى بـ "تحالف المعتدلين"، هذا إذا افترضنا أنه سيقوم على
أسس صحيحة ومبررة .. أما البعض الثالث فيرى الحل في تأجيل ما يبدو على
نحو متزايد السيناريو الأكثر ترجيحاً، حسب مجموعة الأزمات الدولية، أي
انهيار العراق وتحوله الى دولة فاشلة ومجزأة، واندلاع حرب أهلية تدوم
طويلاً، فضلاً عن زيادة التدخل الأجنبي الذي يهدد بالتحول الى حرب
واسعة تشن بالنيابة ..
والحق إن الحل، على الرغم من سمته المركبة والمعقدة، يمر، ببساطة، وقبل
كل شيء، عبر تغيير بنية السلطة والبيئة السياسية ارتباطاً بتغيير نمط
التفكير والسلوك ومنهجية العمل ..
على
"المحررين" أن يتخلوا عن أوهامهم، ويكفوا عن تسويق المحنة العراقية
لتحقيق "النصر" الأميركاني .. وعلى السياسيين أن يتخلوا، هم أيضاً، عن
أوهامهم في الاستئثار والانغلاق .. وإذا كان لابد من إعادة بناء
الحكومة ومؤسساتها فينبغي أن يكون هذا على أساس التخلي عن نهج
المحاصصات وتطبيق نهج المواطنة والكفاءة والنزاهة .. وإذا كان لابد من
مصالحة وطنية فينبغي أن تكون مصالحة حقيقية، بعيداً عن صفقات ترضيات
وراء الكواليس وتقاسم سلطة ونفوذ وموارد، وبما يعيد أجواء الثقة بين
القوى السياسية المختلفة، مثلما يعيد ثقة الناس بالقوى السياسية والحكم
ومستقبل العملية السياسية ..
ولابد أن يقترن كل هذا بإنهاء معاناة الملايين في مختلف الميادين
الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإشراكهم في حل
المعضلات، وتهيئة المناخات لإنهاء الاحتلال، والشروع بإعادة الاعمار
وبناء دولة العدالة والقانون التي تضمن حقوق الجميع، نساءً ورجالاً،
وتحقق للعراقيين الرفاه الذي يستحقون ..