الرجاء تثبيت ماكروميديا فلاش http://www.macromedia.com/shockwave/download/triggerpages_mmcom/flash.html

 البحث

Search

اكتبوا لنا

روابط

أغــاني

الاخبار

البيت العراقي

مقـــدمــة

TV العراقية

TV الشرقية

كـــــــــاليري

ميمري

المرأة

مقالات

رياضة

تحقيقات

الدستور


تأملات - أمة تقتل علماءها والقضاء صامت !

رضا الظاهر

تتفاقم مآسي البلاد المروعة، ومن بينها استنزاف العقول والكفاءات في ظل هجوم وحشي على العلماء والأكاديميين، قتلاً واختطافاً وتهديداً وتشريداً. ولا ريب أن هذا جزء من أزمة البلاد متمثلة، من بين مظاهر أخرى، بانهيار الأمن وعجز الحكومة عن حماية مواطنيها.
ومن المثير للأسى أن تغطي على قضية خطيرة مثل قتل العلماء قضايا أخرى قد تكون "أخطر شأناً" تدفع بعض السياسيين الى النسيان، وبعض المسؤولين من ذوي النظرة القاصرة الى عدم إيلاء قضية استنزاف العقول العلمية ما تستحقه من اهتمام. وإذا كان من الصحيح أن تحقيق الأمن مفتاح لمعالجة القضايا الأخرى، فان ذلك لا يصلح أن يكون ذريعة لتجاهل "القضايا الأخرى". ويبدو أن تلك إحدى معضلات نمط التفكير السائد لدى مسؤولين ينسون قضايا ملحة لأن هناك قضايا "أخطر شأناً".
وبينما يرتاب بعض المحللين في أن هذه العملية مخطط لها من قبل جهات داخلية وخارجية، ويصل الأمر بمرتابين الى اتهام "المحررين" على أساس أن عراقاً مزدهراً لن يروق لهم، يعتقد البعض الآخر بأن استهداف أهل العلم والمعرفة يكتنفه غموض والتباس. والحق إنه في غاية الوضوح من حيث أسباب الاستهداف والقوى التي تمارسه ونتائجه.
ولا يصعب القول إن من يستهدف مبدعي الفكر هم أنصار نظام الطغيان الذين انخرط بعضهم بأقنعة جديدة في منظمات "إسلامية" أو مليشيات طائفية، بينما راح بعض آخر يخترق مؤسسات الحكومة وقوات أمنها، ليمارسوا الجرائم بالتحالف مع الارهابيين الظلاميين، وينضم إليهم متطرفو الطوائف، فضلاً عن عصابات الجريمة المنظمة.
ويستهدف مخططو هذه الجرائم إفراغ الجامعات ومؤسسات الفكر والبحث من العقول، ومنع الكفاءات في الخارج من العودة الى الوطن، وإحباط الآمال في تحقيق نهضة علمية عراقية. ولا ريب أن ذلك جزء من خطة لاجهاض التجربة والعملية السياسية وإعادة نظام الظلام والاستبداد. ولا حاجة بنا الى التذكير بالصفحات السوداء لذلك النظام. فقد كان مهندس المقابر الجماعية يتسلى باطلاق كلابه لتنهش جسد هذا العالم، ويرمي عالماً آخر بحوض تيزاب، ويفرم جسد ثالث بالمكائن التي اشتهر بها، ويدفن رابعاً حياً في مقبرة جماعية، ويخفي خامساً مضيِّعاً كل أثر له، ويصفّي عائلة وأقرباء سادس.
غير أنه من سوء الحظ أن العلماء، الذين تخلصوا من نظام الطغيان المعادي للثقافة، راحوا يواجهون في العهد "الجديد" ترويعاً لا نظير له، أدى بالآلاف الى الهجرة الى الخارج. أما من بقي منهم فيعيشون أجواء الخوف والابتزاز والتهديد لهم ولعوائلهم، والأوضاع الاستثنائية في معاهد العلم التي تتعرض الى التدخلات "السياسية" وتقع ضحية الخنادق الطائفية والانتهاكات الفظة.
ومن بين الأمور الغريبة في هذه البلاد، وهي كثيرة، أننا نسمع عن إلقاء القبض على جناة وإجراء تحقيقات دون أن يعرف أحد النتائج، ناهيكم عن أن أغلبية الجرائم تسجل ضد "مجهول". أما القضاء في بلد حمورابي، الذي تحول الى أمة تقتل علماءها، فصامت ولله الحمد !
لكن ما العلاج لوضع حد لاستهداف العلماء ؟ لابد من الاشارة، أولاً، الى تعدد الجهات المسؤولة عن ذلك، ابتداء من "المحررين"، مروراً بالأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمات دولية وإنسانية، وصولاً الى الحكومة والقوى السياسية العراقية.
وابتداء لابد أن تضع الحكومة خطة لحماية العلماء والأكاديميين وسائر مبدعي الفكر والثقافة، كجزء من خطة أمنية عامة لحماية سائر المواطنين، ناهيكم عن معاقبة مرتكبي جرائم تصفية الكفاءات والعقول. وعلى منظمات المجتمع المدني الخاصة بالعلماء والأكاديميين أن تسعى الى معالجة ما تعانيه الجامعات والمعاهد والأساتذة وسائر العاملين فيها، فضلاً عن طلبتها، من أوضاع شاذة، والى إشاعة المناخ السليم في الجامعات وسائر مؤسسات البحث العلمي ومراكز الفكر. ومن الهام، أيضاً، توفير الظروف الملائمة لتحفيز الكفاءات العلمية المهاجرة على العودة الى الوطن للاسهام في إعادة الاعمار وتحقيق النهضة العلمية المنشودة. ويتعين على الدول والمنظمات الدولية والانسانية تقديم الدعم المادي والمعنوي للعلماء العراقيين، فضلاً عن إدانة الجرائم المرتكبة بحقهم، والتعبير عن التضامن معهم.
* * *
أوصلت حكومة المحاصصات "الوطنية" البعض الى حالة من اليأس بحيث أنهم راحوا يتحسرون على عهد الطاغية، وهو "تحسر" له دلالات عميقة. غير أن هذه الحكومة، المحصنة في مناطق خضراء، لا تبالي، بالطبع، بأي نوع من "الحسرات"، بل إن الحسرات غائبة، أصلاً، عن قاموسها المليء بمعاني المغانم والاستئثارات والمتاريس والخنادق.
والملايين يتساءلون عن حق: الى متى تستمر المآسي، ولماذا لا يحاسب المسؤولون في الحكومة، ويعفى العاجزون من مهماتهم، ويكلف الأكفاء النزيهون البعيدون عن المحاصصات والطوائف ؟ ومتى يحاسب مرتكبو جرائم قتل العلماء وتوضع الحقائق والنتائج أمام أهالي الضحايا والشعب ؟
لا يتوقع عاقل أن يجيب على أسئلة ملحة وعادلة ذلك الذي تغيب عن قاموسه "الحسرات" ولا يسمع صرخات المفجوعات والمفجوعين.
أيراد للأرض التي منحت العالم الأبجدية والقوانين والنور أن تنتهي الى الجهل والفوضى والظلام والخراب ؟
ما الذي قد فعلَتْ هذه البلاد بنفسها !؟