تأملات
العراق
الذي أغفله بيكر وهاملتون !
رضا الظاهر
أثار
تقرير "مجموعة دراسة العراق" وما يزال ردود أفعال متباينة. وتعددت
التحليلات والغياب واحد، ونعني به غياب القضية الجوهرية متمثلة في
مستقبل العملية السياسية، بل ومصائر البلاد.
وقال جيمس بيكر، الرئيس المشارك للمجموعة، الأسبوع الماضي إن توصيات
التقرير الـ 79 ليست "سَلَطة فاكهة" يمكن للادارة أن تختار ما تريده
منها، بل ستراتيجية شاملة للتعاطي مع مشاكل واشنطن في العراق، ويجب
قبولها ككل. غير أن الرئيس الأميركي، الذي وعد بأنه سيقيّم التقرير
بجدية، بدا وكأنه يستبعد بعض التوصيات، على الرغم من إقراره بالحاجة
الى نهج جديد في العراق وفي الشرق الأوسط، في لقائه، الأسبوع الماضي،
مع رئيس الوزراء البريطاني.
ويكتسب أهمية خاصة ما صرح به توني سنو، المتحدث باسم البيت الأبيض،
قائلاً "أعتقد أن أي شخص يتوقع حلاً سحرياً من لجنة بيكر ـ هاملتون
ربما يحمّلها أكثر من طاقتها". وبالتزامن مع صدور التقرير قال وزير
الدفاع الجديد روبرت غيتس "لا أعتقد أننا سنحقق نصراً في العراق"، وهو
أمر له مغزاه في هذا الظرف بالتحديد.
وعلى أن لجنة بيكر ـ هاملتون، التي يعكس تشكيلها، من بين أمور أخرى،
عدم ثقة المؤسسة التشريعية بالادارة الأميركية، اعترفت بأنْ "لا حلَّ
سحرياً لأزمة العراق"، فإن محللين رأوا في توصياتها مسعىً للبحث عن
بوصلة في "المتاهة العراقية". فقد اعتبر ويليام كريستول، أحد مفكري
المحافظين الجدد ورئيس تحرير "ويكلي ستاندارد"، التوصيات "استسلاماً
مبطّناً". وقال كينيث بولاك، خبير شؤون الشرق الأوسط في معهد بروكنغز
بواشنطن إنه حتى لو تم تطبيق كل بنود التقرير بالكامل فإن رهان النجاح
يبقى ضئيلاً، مشيراً الى أن "العراق بلغ مرحلة اللاعودة". أما مايكل
أوهانلون، خبير الشؤون الدفاعية في المعهد، فأيد رأي زميله بولاك،
مضيفاً إنه لابد من تقسيم العراق وتقاسم حكام المحافظات العائدات
النفطية. وفي غضون ذلك وصف آخرون التقرير بأنه شبيه بـ "علاج بالصدمة
للرئيس الأميركي".
ما الذي بقي، إذن، من أوهام "النصر" لدى سيد البيت الأبيض بعد هذا
التقرير الذي غاب عنه، من بين أمور أخرى، حديث الادارة الأميركية عن
تحويل العراق الى قلعة للديمقراطية في الشرق الأوسط !؟
وعلى أية حال فإن مما يثير الجدل في التوصيات، التي اتسم بعضها
بالتناقض والاغتراب عن الواقع، تلك التوصية التي حملت الرقم 21 وفيها
دعوة واشنطن الى معاقبة الحكومة العراقية في حال إخفاقها في تحقيق تقدم
ملموس. ومن الجلي أن هذا المنطق يعكس، مرة أخرى، نمط التفكير
"الأميركاني" المتغطرس.
غير أن أفدح الأخطاء في التقرير يظل تجاهله للقضية الجوهرية متمثلة في
الدور الذي يمكن ويتعين أن تمارسه القوى السياسية والاجتماعية الحية في
بلادنا، والتوجه الحقيقي الى إشراك الملايين من أصحاب المصلحة الحقيقية
في العملية السياسية والتطور الديمقراطي. وبوسعنا أن نجد في أكثر من
موضع في التقرير استهانة بدور هذه القوى الوطنية في حل الأزمات لصالح
دور القوى الاقليمية والدولية، فضلاً عن أطراف تعارض العملية السياسية
بأساليب العنف سعياً الى أجهاض التجربة والعودة بالبلاد الى ظلام
الاستبداد.
ومن بين ما يلفت الانتباه الحديث عن مضاعفة "عاجلة" للقوات الأميركية
التي تقوم بتدريب القوات العراقية مع سحب تدريجي لـ "القوات القتالية".
وهو ما لا يعكس إرادة حقيقية للحل عندما يحصر المشكلة في إطار الوجود
العسكري وكيفية خفض نسبة القتلى الأميركيين.
ومما له دلالة أنه بعد يوم واحد من إعلان تقرير بيكر ـ هاملتون حذر
الجنرال كارتر هام، قائد فرقة المشاة الأولى في الجيش الأميركي، التي
تعد مجموعات من المدربين والمستشارين، من الاستعجال في تدريب القوات
العراقية، التي لا يندر أن نجد في صفوفها ولاء للطائفة والعشيرة قبل
الوطن، والتي لم يخلُ تشكيلها من أخطاء واشنطن ومنهجية المحاصصات
المقيتة التي ابتكرتها.
* * *
ربما اهتمت "مجموعة دراسة العراق" بأشياء كثيرة، على الرغم من أنها
وقعت ضحية أنصاف الحقائق والحلول في إطار "التوازن"، وهو ما يكشف عن أن
همّ اللجنة تركز على حل أزمة واشنطن لا أزمة بغداد، وأن توصياتها لم
تعكس منهجية ستراتيجية ولا رؤية مستقبلية، بل مسعىً للخروج من
"مستنقع". فالشيء الجوهري الذي أغفله بيكر وهاملتون هو مصير العراق
ذاته، ووجهة تطوره، ودور قواه السياسية، وتطلعات الملايين من بناته
وأبنائه. وهو ما ظلت سياسات واشنطن تغفله على الدوام، ويرتاب المرء في
أنها ستصحو من غفلتها عاجلاً فتساعد في إنهاء مآسي العراق ومعاناة
شعبه.
آن الأوان للقوى السياسية الوطنية أن تأخذ قضيتها بأيديها .. أن تتسامى
على ما يستبد بها من رغبات ذاتية "ضيقة" .. أن ترتفع الى مستوى المخاطر
الجسام .. وأن تثبت أنها طرف في المعادلة يصعب الاستهانة به.
ينبغي أن يعرف "المحررون" و"غير المحررين" أن أهل مكة أدرى بشعابها،
وبدونهم لا يمكن حل معضلات البلاد وإخراجها من نفق الأزمات الى فضاء
الحرية ومسار التقدم الحقيقي.