تأملات
افتراضات وسط غابة تناقضات !
رضا الظاهر
تجعل التطورات الخطيرة الجارية في بلادنا، التي تواجه أزمات مستعصية،
المرء يرتاب في ما إذا كانت لدى "محررينا" رؤية واضحة لطبيعة ومديات
وعواقب الصراع، وما إذا كانت واشنطن قادرة على اتخاذ الاجراءات التي
تساعد المساكين العراقيين على الخروج من محنتهم، والمتخبطين الأميركان
على الخروج من مأزقهم.
فهناك الكثير من الرؤى المتناقضة التي تمتد من تقرير "مجموعة دراسة
العراق" ولا تنتهي عند مذكرة مستشار الأمن القومي ستيفن هادلي. وعلى
الرغم من الغموض والسرية والأوهام التي تلف كثيراً منها، فان الواضح
أنها لا تعدو، في الغالب، كونها افتراضات وسط غابة تناقضات. وقد يكون
الأمر، في بعض الأحايين، مجرد توزيع أدوار وربما خلط أوراق، ولكنه، في
أحايين أخرى، تخبط وجهل وغطرسة. غير أن الأمر لا يعني، في كلتا
الحالتين، أنْ ليس لواشنطن خطط وأهداف ومصالح قريبة وبعيدة.
فلجنة بيكر ـ هاملتون، التي كثر الحديث عن تقريرها المتوقع نشره يوم
غد، والذي سرّبت الصحافة الأميركية أغلب "أسراره"، قد لا تصل بنتائجها
الى التكهنات الصاخبة التي سبقت الاعلان عن هذه النتائج، بل إن بعض
المحللين راحوا يتحدثون عن أن تقرير هذه اللجنة، التي لا تخرج تشكيلتها
عن حدود "المؤسسة" الأميركية، قد يكون نصيبه التجاهل من جانب سيد البيت
الأبيض، الذي لن يجد، كالعادة، حرجاً في تبرير موقفه. وعلى أية حال فان
القضايا الأساسية التي تضمنها تقرير "مجموعة دراسة العراق" هي الأخرى
مثيرة للجدل.
ويلفت الانتباه، في هذا الاطار، ما قاله كينيث كاتزمان، كبير الخبراء
بشؤون الشرق الأوسط في هيئة أبحاث الكونغرس رداً على ما إذا كان يعتقد
بأن على العراق أن ينزف دماً كي يسود فيه الهدوء لاحقاً، إذ أجاب هذا
"المفكر الستراتيجي" بالايجاب، قائلاً، الخميس الماضي، "نعم، فهذه
الحرب القائمة يجب أن تخاض حتى النهاية كي تنشأ الظروف الخاصة بالسلام"
!
أما زعيم حزب المحافظين البريطاني ديفيد كاميرون، الذي زار العراق،
الأسبوع الماضي، فقد عاد بتقرير حول ما رآه، مستخلصاً أربع "عِبَر"
جاءت ضمن مقال نشره الجمعة الماضي في صحيفة "التايمز" اللندنية تحت
عنوان "الأمن هو المفتاح وليس الديمقراطية"، مردداً، شأن سياسيين كثر
غيره، مقولة "الشيعة والسنة والأكراد".
ولا يفوتنا أن نشير، بالطبع، الى اقتراح وزارة الخارجية، الذي أعده
مستشارها فيليب زليكوف، في إطار مراجعة البيت الأبيض لسياسته في
العراق، وهي المراجعة التي كانت الادارة تأمل الانتهاء منها في الوقت
الذي تنشر فيه مجموعة بيكر ـ هاملتون تقريرها. واقتراح زليكوف هذا ليس
أقل إثارة للجدل من "الحلول" الأخرى، ومن بين سماته أنه يتناقض مع
"حلول" مطروحة في تقرير "مجموعة دراسة العراق".
غير أن المشروع الأكثر إثارة للجدل هو المذكرة "السرية" التي أعدها
المستر ستيفن هادلي، والتي تحمل تاريخ الثامن من الشهر الماضي، وقد
سرّبتها صحيفة "نيويورك تايبمز" عشية لقاء الرئيس الأميركي برئيس
الوزراء العراقي في الأردن الأسبوع الماضي.
وعلى الرغم من اختلاف الآراء والتحليلات في مغزى توقيت تسريب الوثيقة،
الذي يصعب اعتباره "عفوياً"، فان القضية الجوهرية تتجلى في ما كشفت
عنه، مجدداً، من نمط تفكير "أميركاني". على أن هناك الكثير من
التساؤلات التي يمكن أن تطرح بشأن هذه المذكرة التي لا تشير، من قريب
أو من بعيد، الى أخطاء "المحررين" الفادحة، وبينها تجاهلهم القوى
السياسية صاحبة المصلحة الحقيقية في الديمقراطية منذ بداية "التحرير"،
ناهيكم عن تجاهلهم الواقع العراقي والمتطلبات الحقيقية للعملية
السياسية وآفاقها.
والرؤى المتناقضة لا تقتصر، بالطبع، على "المحررين"، بل إن تناقضات
"أهل الدار"، التي لم تعد خافية على أحد، قد تكون أعظم. غير أنها تبقى،
على أية حال، مرتبطة، بهذا الشكل أو ذاك، بتناقضات هؤلاء "المحررين"،
وربما كان بعضها نتاجاً لهذه التناقضات.
فالتصفيات الدموية على الهوية الطائفية تثير الهلع، والارهابيون،
تكفيريين وصداميين، يصولون، وفرق الموت والمليشيات المنفلتة تجول،
وأرقام الجثث المجهولة تتصاعد، ولغة الاتهامات تشتد وجسور التفاهم
تنعدم، بينما تستقوي بعض الأطراف بقوى خارجية، وتعجز حكومة "الوحدة
الوطنية" لا عن الوفاء بتعهداتها حسب، وإنما عن إيقاف التدهور الأمني
المريع وإنقاذ أرواح الأبرياء. ولا تجد القوى السياسية ما يمكن أن
تفعله سوى اطلاق التصريحات، وبينها تصريحات لذر الرماد في العيون ليس
إلا. وفي غضون ذلك يتظلّم الجميع وما من أحد يفضح الظالمين ويحاسبهم.
* * *
هذه البلاد تجتاز منعطفاً حقيقياً في ظرف خطير أثبت أن سبل إدارة
أزمتها انتهت الى إخفاق ..
وهذه الرؤى المتناقضة التي تكشف عن صراع مقيت على السلطة والنفوذ أسست
لخطاب سياسي لامسؤول ..
الملايين من بنات وأبناء الشعب ممن تطحنهم رحى المعاناة هم الضحايا
الذين لا يسمع أحد نداءاتهم ..
والمخاطر تتفاقم مهددة برياح عاتية تعصف بمصير الوطن وآمال الشعب ..
ينبغي أن ينهض كل المعنيين الحريصين على مستقبل البلاد، مجسدين روح
المواطنة العراقية قبل أن يفوت الأوان !