تأملات
يا
من يهزّ الضمائر !
رضا
الظاهر
بينما يتفاقم التدهور والانفلات
الأمني، وتشيع أجواء الارهاب والموت اليومي والعنف الطائفي وسط استعصاء
أزمة البلاد وتلاشي الآمال بامكانية حلها، تأتي أحداث الأسبوع الماضي
المفجعة، وبين أفظعها تفجيرات مدينة الصدر التي أودت بحياة ما يزيد على
200 من الأبرياء، فضلاً عما شهدته أحياء الأعظمية والكاظمية والحرية
ووزارة الصحة وأماكن غيرها في العاصمة، ناهيكم عن مدن الوطن الأخرى.
وإذ يتواصل مسلسل الدم المروّع، والجثث المجهولة الهوية (52 جثة في
بغداد وحدها في يوم مأساة مدينة الصدر ذاته) التي يحمل معظمها آثار
تعذيب وأعيرة نارية، وتتعاظم معاناة الناس المريرة على كل الصعد، يتوقف
المعنيون، من حكومة وبرلمان وقوى سياسية ومرجعيات دينية واجتماعية، عند
حدود الادانة اللفظية والتصريحات الاعلامية ... وكان الله يحب المحسنين
!
ومما يضفي صورة مأساوية على المشهد
ما كشفه تقرير صادر عن الأمم المتحدة، مؤخراً، من أن عدد القتلى
المدنيين في تشرين الأول الماضي جراء أعمال عنف تجاوز 3700 شخص، وهو ما
يزيد بـ 700 عن عدد الضحايا في الشهر السابق، ومعظمهم من بغداد. أما
عدد الفارين من العنف منذ "التحرير" فقد زاد على المليونين. ولفت
التقرير الانتباه الى زيادة وقوع قتلى بين النساء، وحدوث حالات اغتصاب
مقترنة بعمليات خطفهن.
وأيّاً كانت التناقضات بين الحكومة
العراقية والأمم المتحدة بشأن تقرير الأخيرة عن أعداد القتلى المدنيين،
فان ذلك لن يغير من واقع الحال شيئاً. فحتى لو كان الرقم الحقيقي، الذي
"بالغت به الأمم المتحدة وضلّلت العالم" حسب اتهامات الحكومة للأمم
المتحدة، ربع الرقم المعلن تقريباً، فان حقائق مصرع الآلاف من المدنيين
الأبرياء تبقى ساطعة لا يستطيع أحد نكرانها. ولا يعرف المرء لماذا لا
تقدم غرفة العمليات في وزارة الصحة والمشرحة المركزية إحصاءات الى
الأمم المتحدة حتى تمنعها من "تضليل العالم" على الأقل !
ومن المثير للأسى أن حقائق الواقع
تشير الى أن الاحتمالات السلبية لتطور الأوضاع في بلادنا تبدو أكثر
وضوحاً على خلفية استمرار الصراع على اقتسام النفوذ الذي يتخذ معالم
نزاع طائفي دامٍ.
ولا جديد في القول إن ما يستهدفه
حلف الارهابيين وأنصار النظام المقبور والمتطرفين الطائفيين يتمثل في
المزيد من "تعجيز" حكومة المحاصصات، وإشاعة الفوضى وانفلات الأمن
وشريعة الغاب، والسعي الى تشكيل فضاء اجتماعي وفكري متزمت منغلق على
الضد مما يحتاجه العراقيون، الخارجون من عقود استبداد والمواجهون كارثة
احتلال وعواقبه والمعانون مآسي قلّ نظيرها، من تسامح وتعاضد وانفتاح.
ولم تعد خافية أسباب التدهور الأمني
المريع والجهات المسؤولة عن ذلك، مثلما لم يعد من الصعب تشخيص سبل
الحل. غير أن هذا الحل لا يمكن أن يتم بدون توفر الارادة الحقيقية لكل
الأطراف المعنية، والتخلي عن الخنادق الطائفية، والخروج الى فضاء
الناس، والتمسك بروح المواطنة ومصلحة الشعب، في إطار خطة شاملة لاخراج
البلاد من أزمتها يتعهد الجميع بالسعي الى تطبيقها بنزاهة وحرص وشعور
عال بالمسؤولية.
أما ذلك "النصر" الذي لم يتخلَّ سيد
البيت الأبيض عنه فلم يعد ممكناً حسب تقدير هنري كيسنجر، السياسي
المخضرم، وزير الخارجية الأميركي الأسبق، وصاحب نظرية الـ "خطوة خطوة"
الشهيرة، والذي يعمل كمستشار للادارة الأميركية حول العراق. وبالمناسبة
فلم تمضِ أكثر من ثلاثة أشهر على تصريحات سابقة كان كيسنجر قد أدلى بها
لصحيفة "واشنطن بوست" وقال فيها إن "إحراز نصر على العناصر المسلحة هو
الستراتيجية الوحيدة ذات المغزى للخروج من العراق" !
ومن ناحية أخرى يعتقد محللون أن ما
تشهده واشنطن من تحركات محمومة باتجاه "تغييرات" لسياستها في العراق
إنما هو بداية لعبة أخيرة هدفها رمي خشبة الخلاص الى الادارة الأميركية
لاخراجها من "المستنقع" العراقي الذي تتخبط فيه والذي عمقته هزيمة
الجمهوريين في الانتخابات النصفية.
* * *
في هذه البلاد يبرع أعضاء في
البرلمان، ممن تحدى ملايين المحرومين الموت في سبيل انتخابهم، في كيل
الاتهامات، بل والشتائم في إطار "الممارسة الديمقراطية" تحت قبّة
الهيئة التشريعية التي قامت على أساس محاصصات الشيعة والسنة والأكراد
..
وفي هذه البلاد تعجز الحكومة،
المشكّلة على أساس المنهجية ذاتها، عن حماية مواطنيها، بل عن حماية
أعضائها ممن يلوذون بمناطق خضراء لم تعد، هي الأخرى، بمأمن من أيادي
الارهابيين الذين لا يجدون، على ما يبدو، مصاعب في اختراق مروجها
المحصّنة !
وفي هذه البلاد يعجز القضاء، في
دولة تغيب عنها المؤسسات والهيبة، عن مساءلة الحكومة والبرلمان، وعن
حماية حقوق وحريات الانسان واحترام القانون ..
وفي هذه البلاد، التي ما ترك
"محرروها" دماراً ما ألحقوه بها، "يتفنن" هؤلاء "المحررون" في مكافحة
الارهاب، إذ يطلقون سراح مجرمين إرهابيين بعد أيام وربما ساعات من
اعتقالهم .. ولله في خلقه شؤون !
المستغيثون تنطلق نداءاتهم من جحيم
المعاناة، أما "المحميّون" من أهل النعيم فلا يسمعون ..
ما الذي، أكثر من هذه الفواجع، يمكن
أن يهز الضمائر !؟