تأملات - بلاد تطوّقها الرزايا
وآمال أهلها تتلاشى !
رضا الظاهر
أثار حادث اختطاف عشرات العاملين في وزارة التعليم العالي من مبنى وسط
بغداد الكثير من ردود الأفعال والتداعيات والأسئلة. وكشف، من جديد، عن
حقائق مروعة بينها تفاقم جرائم الارهاب والانفلات والتدهور الأمني
والتخندق الطائفي من ناحية، وفشل سياسات الاحتلال وإجراءاته وعجز
الحكومة والبرلمان والقوى السياسية عن معالجة ملف الأمن الخطير من
ناحية ثانية. ويأتي كل هذا وسط المزيد من مناخات انعدام الثقة بين
الأطراف السياسية "المتصارعة"، والمزيد من أجواء السخط والاحباط لدى
ملايين المغيَّبين والمعذَّبين ممن لا مناطق خضراء تحميهم ولا هم
يحزنون !
ولا ريب أن الأوضاع الحالية ناجمة، من بين عوامل أخرى، عن عدم اتخاذ
مواقف وإجراءات حاسمة بعد الاطاحة بالدكتاتورية ضد قوى النظام القديم،
مما مكّنها من إعادة تنظيم صفوفها، مستفيدة من الفوضى وانهيار الأمن
وغياب دولة القانون وتناقضات الوضع ومواقف القوى الاقليمية وسياسات
المحتلين، ناهيكم عن اعتمادها أساليب التخريب والاندساس.
ولم تعد خافية حقيقة من الذي يتحمل المسؤولية عن استمرار التدهور
الأمني المريع. فقد نجم هذا التدهور، أساساً، عن خيار الحرب وسياسات
المحتلين وما اتخذوه من إجراءات متخبطة، وما سبّبوه من فوضى عارمة، وما
اقترفوه من أخطاء فادحة منذ "التحرير" وحتى الآن. ولعل من بين أفدح
الأخطاء ابتكارهم لنهج المحاصصات بين "شيعة وسنة وأكراد" الذي شكّل،
وسيظل يشكّل على الدوام، أساساً للصراع السياسي بأشكاله المختلفة،
وبينها صراع المصالح وصراع الطوائف. ونشأت حكومة باتت السمة الجوهرية
المكونة لها هي التوافق الناجم عن الصراع على اقتسام النفوذ، وبالتالي
فهو توافق سلبي يؤدي الى الشلل وإعاقة مضي العملية السياسية في سبيلها
المنشود. ولم تكن صورة البرلمان مختلفة كثيراً طالما أنه خضع وما يزال
للمنهج ذاته، منهج المحاصصات الطائفية والاثنية. ويبدو الأمر كما لو أن
الحكومة رهينة نمط تفكير "المقررين" وصراعاتهم على السلطة وسلوكهم
السياسي الذي ينزع الى الاستئثار وإقصاء الآخر والانفراد والتخندق.
ومن الطبيعي أن يصب هذا في مجرى نشاط الارهابيين والظلاميين والمتطرفين
وسائر المنتفعين من تدهور الأمن والساعين الى تعميقه، والمدعومين مالاً
وتسليحاً وتدريباً من جانب الجيران كل حسب أجندته.
وفي ظل هذه اللوحة المعقدة والأزمة الشديدة الاستعصاء يصحو العراقيون،
المبتلون بكل أنماط المصائب، كل يوم على مشاهد عشرات الجثث، التي وصلت
منها 1600 جثة الى مشرحة بغداد الشهر الماضي حسب.
ومن المؤكد أن هذه المشاهد المروعة تفضح، من بين حقائق أخرى، عجز خطط
الأمن وفشلها الذريع. ولنا في ما انتهت اليه خطة أمن بغداد، التي
وُضِعت على عجل تحت ضغط الاحتلال، مثال ساطع على ذلك، حيث "دار
السلام"، التي عادت قوات "التحرير" الى شوارعها ثانية، دارٌ للموت
والرعب والخراب الشامل.
ويحق، والحال هذه، للملايين من أهل المعاناة أن يتساءلوا: لماذا يعجز
جبروت الدولة العظمى عن إيقاف تدهور الأمن ؟ وأين هي طاقات القوى
السياسية التي هبّ الملايين متحدّين الموت لانتخابها ؟ ومتى تستطيع
حكومة "الوحدة الوطنية" اتخاذ خطوات جريئة باتجاه حل المليشيات
الطائفية وإيقاف جرائم متطرفيها، التي تمتد من القتل والاختطاف
والترويع والتهديد ومصادرة الحريات الشخصية ولا تنتهي عند التصفيات
وأعمال التهريب ؟ وما سر بقاء الارهابيين قادرين على اقتحام الأماكن
التي يريدون، وإقامة نقاط التفتيش الوهمية واختطاف الأبرياء ؟ ولماذا
يمكنهم التحكم، أحياناً، بعمليات إرهابية معينة من حيث التوقيت لتحقيق
أهداف سياسية معينة ؟ والى متى يتمكن المجرمون من الاختفاء ومغادرة
المناطق التي تتعرض الى التفتيش والهجوم على أيدي قوات الأمن ليعودوا
اليها بعد مغادرة هذه القوات ؟ ولماذا يفلح كثير من منفذي عمليات القتل
والخطف في ارتداء أزياء القوات الأمنية والعسكرية واستخدام أسلحتها
وسياراتها ؟ ومتى تتوقف جرائم اغتيال الأكاديميين والصحفيين ؟ ومتى
ينتهي مسلسل التهجير الداخلي والخارجي ؟ وأي فلتان هذا الذي يوفر لما
يزيد على ألفين من الارهابيين التدريب في معسكرات شمال كربلاء
استعداداً لشن هجمات، ولماذا لا يتخذ المسؤولون الاجراءات المطلوبة إذا
كانت لديهم المعلومات ؟ ما الذي ينتظرون ؟ وما دام الارهابيون يستطيعون
أن يستعرضوا في مدن يختطفونها تحت سمع وبصر "المحررين" فكيف لا تسيل
دماء بعد أن عَلَت أصوات أنصار النظام المقبور، من جديد، بمباركة عمّهم
سام ؟ أشاءت مفارقات الأقدار أن ترسل على هذه البلاد طيراً أبابيل
وترميها بحجارة من سجّيل، وهي مهد أنبياء وضياء !؟
* * *
كل هذا الموت اليومي .. كل هذا الظلام .. ما الذي تبقى من "دار السلام"
إذن ؟
أفهل اجتمعت على هذه البلاد المصائب، وطوّقتها الرزايا، فراحت آمال
أهلها تتلاشى ؟
أيراد لثقافة الخراب والقطيع واستباحة البشر وشريعة الغاب أن تسود في
بلاد المعرفة والشرائع ؟
البرابرة سجيّتهم تدمير الانسان ومنجزه .. والموت وسيلتهم والظلام
سبيلهم ومصيرهم ..
والمكافحون سجيّتهم إعلاء شأن الانسان ومنجزه .. والحياة وسيلتهم
والنور سبيلهم ومصيرهم ..