تأملات - حتى قبل أن يجف حبر الاتفاقات !
رضا الظاهر
تشهد اللوحة السياسية والاجتماعية مزيداً من التعقد ارتباطاً باستعصاء
الأزمة، المتمثلة باستمرار التدهور الأمني، والتخندق الطائفي، والفوضى
الشاملة، وعدم حصول تقدم ملموس في العملية السياسية، وتفاقم الانهيار
الذي يشمل مختلف الميادين، ويضاعف معاناة الملايين، ويشيع أجواء اليأس
وخيبة الأمل وانعدام الثقة بقدرة القوى السياسية على إخراج البلاد من
مأزقها.
ويتوافق هذا كله مع نهج المحتلين الذي يتسم بالغطرسة والتهديد والتخبط
والجهل، وبالسياسات المدمرة التي تنتقل من إخفاق الى آخر، والأوهام
التي سرعان ما تتكسر على صخور الواقع، سواء كانت أوهام صقور المحافظين
الجدد، أو أوهام "الديمقراطيين"، الذين سيطروا على الكونغرس، ليحولوا
سيد البيت الأبيض الى "بطة عرجاء"، وليراهن بعض "السذج" والمغرضين على
خلافاتهم مع الجمهوريين.
أما ضحايا هذه المحن فهم الملايين من نساء ورجال هذه البلاد المطوّقة
بالآلام، ممن تنغلق الآفاق أمامهم.
ولا ريب أن أزمة بلادنا مرتبطة، من ناحية معينة، بالثقافة السائدة، وهي
ثقافة مجتمع عانى من عقود من الاستبداد والتخلف وعواقبهما الوخيمة على
نمط تفكير وسلوك البشر، سواء كانوا من السياسيين أو من الملايين
المغيَّبين.
ولهذه الثقافة عناصر يتجلى بعضها في غياب العقل النقدي ونمط التفكير
الديمقراطي. ويفرض هذا الغياب الفاجع، من بين مظاهر أخرى، التوافق
النظري والوعود الكلامية، والتعارض الفعلي في السلوك والتطبيق في
الواقع. ولا يندر أن نواجه، في إطار هذه الثقافة، النظرة القاصرة
والتحليل الأحادي الجانب، والزعم بامتلاك الحقيقة المطلقة، والاستئثار
والتزمت وضيق الأفق، ناهيكم عن اللهاث وراء المغانم والامتيازات. وهذه
واحدة من المصائب التي يبتلي بها مجتمعنا.
فمن المثير للأسى أنه قبل أن يجف حبر الاتفاقات بين القوى السياسية
تتصاعد حمى المصالح المتناقضة للأطراف المتصارعة على السلطة. وبينما
يتطلع ضحايا المعاناة الى من ينقذهم مما يعانون، سرعان ما يشهدون أن
جولة جديدة تبدأ بالتصريحات التي لا تخرج عن إطار المجاملات وتبويس
اللحى، لتتحول الى ابتزاز واتهامات وتهديدات، وقد تصل الى تصفيات
دموية، مع "حرص" المتصارعين على إدانة هذه الأفعال، كما لو أنها آتية
بأطباق طائرة من فضاء خارجي.
ولا يندر أن نجد بعض المواثيق التي يُتَّفق عليها ويُعلَن عنها، لتدخل
في دهاليز "المحاصصات". وقد يطويها النسيان، بل قد تُجهَض أو تموت،
وأحياناً دون أن يشيّعها أحد، حتى محبّوها. هذا ناهيكم عن الحلول
العرجاء بغرض التهدئة المؤقتة التي يمكن أن تعود الى التفجر بصيغ
وعواقب مختلفة في أية لحظة.
وبوسعنا أن نشير، على سبيل المثال لا الحصر، الى بعض من أهم هذه
المواثيق. فهناك "ميثاق الشرف"، الذي اتفق عليه في مجلس الوزراء بهدف
معالجة الاحتقان الطائفي. لكنه ظل ميثاقاً نظرياً دون متابعة. وغياب
المتابعة وآلياتها، الذي يشمل، عادة، كثيراً من القضايا، هو جزء من
الثقافة السائدة في مجتمعنا، إذ سرعان ما ينسى المتفقون أنهم اتفقوا
وأن عليهم احترام كلمتهم. وقد لا يتوقف الأمر عند حدود النسيان، بل قد
نجد حركة خنادق متقابلة، ومتأهبين واقفين خلف المتاريس، واستمراراً
لأفعال شنيعة تتعارض مع أبسط قواعد الاتفاق.
وهناك "ميثاق مكة" الذي تضمن تحليلات وإجراءات مقترحة يمكن أن تكون
مقبولة من جانب أغلبية القوى السياسية. لكن كيف يمكن لوثيقة وقعت عليها
أطراف متناقضة الرؤى والأهداف، ومتخندقة المواقع، أن تجد طريقها الى
الواقع، ما لم تجسد تلك الأطراف توجهاً صادقاً للتطبيق وآلية عملية
لتحويل الكلام الى واقع ؟
أما الميثاق الثالث فهو "ميثاق المصالحة الوطنية"، الذي راح، على الرغم
من خطورته واتفاق الجميع على ضرورته الملحة، يتعثر منذ البداية، وما
يزال، لأسباب ليست خافية على كل ذي بصيرة.
وعلى أية حال فان المعضلة الأمنية التي تواجه جميع "الفرقاء"، والتي
يشكل حلها أساساً لحل المعضلات الأخرى، يصح أن تكون اختباراً حقيقياً
لقدرة القوى السياسية المختلفة على الائتلاف. وإذا ما واصلت هذه القوى
عجزها عن التصدي للملف الأمني، فان عواقب هذا العجز لابد أن تكون
وخيمة، بعد أن وصل استعصاء الأزمات حداً ينذر بكارثة أعظم تودي
بالعملية السياسية برمتها. وهذا هو هدف أنصار النظام المقبور ومن
يتحالف معهم من إرهابيين، في مسعىً شرير لاستعادة سلطة الاستبداد
والظلام والمقابر الجماعية.
* * *
سياسيون "مقررون" يتفقون على خطط وإجراءات، بعضها في العلن، وكثيرها
خلف الكواليس .. غير أن الخطوات تتعثر، والاتفاقات تُجهَض في أتون
الصراع على السلطة والامتيازات .. الأزمات وحدها تبقى حية لا تموت !
أفليس من أبسط قواعد الاتفاق والمسؤولية الوطنية والأخلاقية أن يشرع كل
المتصارعين في الخروج من هذه الحلبة المميتة، ويساهموا، بصدق، في خلق
أجواء الحوار والمكاشفة الجريئة والمساءلة، والانتقال من الوعود
النظرية الى الواقع التطبيقي ؟
لم يعد مما يطاق أن تتفاقم المآسي لتلقي بالملايين الى الهاوية دون أن
يحرك "المقررون"، سياسيين و"محررين"، ساكناً لانقاذ سفينة البلاد التي
تعصف بها رياح عاتية، وتتقاذفها أمواج الصراع على النفوذ ..