تأملات - عليك السلام يا وارثة الإغريق
وأنت في خبر كان !
رضا الظاهر
يبدو أن العجز، سواء من جانب واشنطن "التي صبرها ليس بلا حدود"، حسب
تعبير سيد بيتها الأبيض، أو بغداد التي باتت جحيماً من المحن، قد وصل
مداه، ولم يعد أمام "المحررين" سوى مواجهة واقع الاخفاق المرير والسعي،
بأي ثمن، الى الخروج من "المستنقع العراقي".
وتصاعدت، في الأسابيع الأخيرة خصوصاً، هذه المساعي، متخذة أشكالاً
مختلفة، بينها التسريبات من تقرير بيكر الذي تحدث، بين "حلول" أخرى، عن
حرب أهلية، وتقسيم الى أقاليم شيعية وسنية وكردية، وتخلٍ عن
الديمقراطية. وبينها، أيضاً، إصرار الرئيس الأميركي على "النصر"، بينما
الواقع يشير، بوضوح، الى هدف الخروج من المأزق.
وترتبط هذه المساعي، على اختلاف منطلقاتها وغاياتها، بالانتخابات
النصفية، التي بات العراق محوراً رئيسياً فيها، إذ يخشى الجمهوريون
فقدان أغلبيتهم في الكونغرس، حيث تشير استطلاعات الرأي الى أن ثلثي
الأميركيين يعارضون الحرب وطريقة إدارتها.
كما تجري في ظل انهيار شامل للوضع في بلادنا، وعجز حكومة "الوحدة
الوطنية"، التي يثير الأسى أن رئيسها، وهو القائد العام للقوات
المسلحة، قال إنه غير قادر على تحريك كتيبة واحدة في شوارع البلاد التي
استعادت "سيادتها الوطنية"، في ظل ممارسة "المحررين" مختلف الضغوط
والتهديدات للحكومة المنتخبة، بينما يطالبون رئيسها باتخاذ "إجراءات
شجاعة"، وهم يكبلون أياديها بأغلال هيمنتهم وتخبطهم، ناهيكم عن أغلال
المحاصصات.
وفي ظل الأزمات المستعصية وأجواء الفوضى والانهيار والاحباط تغيب خطة
فاعلة ومتكاملة لمواجهة التدهور، وهو ما يشجع الارهابيين على الايغال
في وحشيتهم وتحديهم.
ومما يمكن تأشيره أن الاخفاق الأميركي يعطي، في ظل استعصاء الأزمات،
إشارات مشجعة للقوى المناهضة للعملية السياسية، بينما يبدي الأميركان
استعداداً لمراجعة مواقفهم، بل وتغيير ستراتيجيتهم، لاحتواء الوضع، ومد
الجسور مع "المقاومة" المسلحة وأنصار النظام المقبور، الذين راحوا
يستعيدون بعضاً من مبادراتهم، وينشطون علناً في ظل غزل واشنطن، وربما
توجهها لنمط من "إعادة تأهيلهم"، بينما يواصل المحتلون، الذين يدفعون
الأمور باتجاه ما يظنون أنه إعادة لترتيب ميزان القوى الطائفي
والسياسي، خلطهم الأوراق وتنصلهم عن المسؤولية، وضغوطهم على الحكومة
التي تبدو عاجزة ومترددة عن اتخاذ مواقف حاسمة خصوصاً في مجال استعادة
الأمن.
ولم يعد خافياً ما ارتكبته واشنطن من أخطاء فادحة في بلادنا، بل يمكن
القول إنها "حطمت" هذه البلاد باعتراف محللين أميركيين، وزادت خرابها
خراباً، بينما تواصل التصرف، كعادتها، بردود أفعال وانفراد وغطرسة وليس
بخطط مدروسة وتنسيق مع القوى السياسية الحقيقية، وتهدد لا بالتخلي عن
وعودها حسب، بل وعن مسؤوليتها الأخلاقية، في وقت تزعم أنها تدرب قواتها
على "القيم".
ولكثرة ما ارتكبت واشنطن من أخطاء فادحة، وفظاعة ما مارست من تخبط، يجد
المرء نفسه بعيداً عن الثقة بأية إجراءات تتخذها، الى حد الاعتقاد بأن
واشنطن ما أن تضع يدها على شيء حتى تحوله الى هشيم !
وفي ظل هذه اللوحة السياسية المعقدة يلفت الأنظار ذلك التحول في
السياسة الأميركية الذي بدأت ملامحه تتضح في الفترة الأخيرة. فقد باتت
واشنطن تتحدث عن التخلي عن هدف إحلال الديمقراطية في العراق، وفقاً
لاقتراح لجنة بيكر الذي أشار الى ضرورة منح المؤسسة العسكرية "صلاحيات
واسعة لضبط الأوضاع الأمنية" في العراق "الذي يعاني من فوضى عارمة"،
وهي دعوة واضحة الى "دكتاتورية عسكرية".
غير أن كل من اعتقد أو يعتقد أن العم سام، الذي حاصر القوى
الديمقراطية، وكبّل العملية السياسية بأغلال المحاصصات الطائفية
والاثنية، جاء الى العراق ليشيّد "ديمقراطية" تكون نموذجاً لشرق أوسط
جديد، واهم كل الوهم، ذلك أن الأميركان سرعان ما تخلوا عن وعودهم،
وراحوا يبحثون عن "بدائل للديمقراطية". وإذا شئنا الحقيقة فانهم لا
يبحثون، الآن، سوى عن بديل واحد يتجلى في تفادي هزيمة فاضحة والخروج من
"المستنقع العراقي" بقليل من ماء الوجه.
أيتعين على امريء أن يقول: عليك السلام أيتها الديمقراطية، يا وارثة
الإغريق، فقد أصبحت في خبر كان !؟
ومما يثير الأسى أن حكومة "الوحدة الوطنية" عاجزة. ويرتبط السبب الجلي
لهذا العجز بمنهجية المحاصصات التي ابتكرها "المحررون"، وأقيمت الحكومة
على أساسها. ومن المؤكد أن هذا النهج هو الذي يترك ملايين المغيَّبين
حائرين في معرفة شيء عن سيناريوهات الكواليس، ودائخين في مواجهة المحن
المروعة، ويائسين من إمكانية الخروج من الأزمات.
* * *
ما لم تغير واشنطن عقلها ومنهجيتها وسياساتها "المتغطرسة والغبية"، حسب
تعبير ألبرتو فرنانديز، المسؤول في وزارة الخارجية، مؤخراً، فان كل
حديث عن مسعى للخروج من المأزق، وكل سيناريو جديد يأتي في أعقاب
سيناريو فاشل، لن يقود إلا الى فشل جديد يعمق المأزق ..
وما لم تتخلَ القوى السياسية عن أوهامها، وصراعاتها على السلطة
والنفوذ، وعجزها عن تجسيد المسؤولية الوطنية والعقلانية السياسية،
وتخرج من خنادق المحاصصات والتعصب الطائفي والشلل السياسي الى فضاء
الائتلاف الصادق والتسامح الحقيقي، لتتمسك بمصلحة البلاد ومستقبل
الوطن، فان المآسي ستتفاقم، والمخاطر ستتعاظم ..