تأملات
أصوات احتجاج تتصاعد وتفاوت اجتماعي يتعاظم !
رضا الظاهر
تستمر المعاناة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية
الشاملة على التفاقم المريع. ونتيجة لذلك اتسعت، في الفترة الأخيرة،
مظاهر الاحتجاج الشعبي في مظاهرات واعتصامات واضرابات وأشكال أخرى في
مدن مختلفة. ومما يثير السخط أن تجابه أجهزة حكومة "العراق الديمقراطي
الجديد" هذه الاحتجاجات بالرصاص.
ولا حاجة بنا الى القول إن هذه الاحتجاجات، ذات الطابع
الاجتماعي، تعكس اتساع التهميش الاجتماعي في بلد يعاني من أزمات خانقة
على مختلف الصعد، ينذر تعمقها بعواقب قد يصعب التحكم بها، وسط أجواء
الفوضى والانفلات الأمني وسيادة شريعة الغاب.
وإذا كان العراق قائما، حقاً، على بحر من النفط، فانه
قائم، أيضاً، على بحر من المحن. فهناك تدهور مريع في الخدمات الأساسية.
وما تزال مشكلة المشتقات النفطية قائمة، رغم الحلول التسكينية، ناهيكم
عما يرافق ذلك من تهريب وتخريب، وما يرتبط به من أزمة نقل حادة.
وتتفاقم مشكلة البطالة وترتفع معدلاتها. ويواجه الناس مشاكل البطاقة
التموينية، بينما يعيش ملايين تحت خط الفقر. ويجري كل هذا وغيره من
مظاهر التدهور في ظل أجواء نهب وفساد لا نظير لهما.
ومقابل هذه الأزمات الطاحنة يواصل صندوق النقد الدولي
ضغوطه لاتخاذ إجراءات تؤدي الى اقتصاد سوق مشرَّع الأبواب أمام استثمار
أجنبي منفلت من دون ضوابط تحمي مصالح الكادحين وتصون مستقبل البلاد.
وليس من الغريب، بالطبع، أن نشهد في بلادنا، التي تعاني
من أزمة بنيوية عميقة وشاملة، تعاظما للتفاوت الاجتماعي. وفي هذا
الاطار تمارس فئات طفيلية جديدة نشاطها عبر التهريب والمضاربات
والوسطاء والمافيات، وغير ذلك من النشاطات المرتبطة ببنية اقتصادية
مشوهة.
ولم يأت هذا التبلور ذو الطابع "الطبقي" من فراغ، وانما
هو نتاج سياسات وإجراءات وثقافة نظام الاستبداد وتركته المقيتة، التي
جاء الاحتلال ليضيف اليها سمات جديدة عبر الفوضى والأزمات والرشوات
والافساد وخلق فئات طفيلية في مجتمع مخرب منهار، الى حد أنه حتى
المليشيات تحولت، بالنسبة للبعض، الى "مهن" مريحة، ناهيكم عن
"المأجورين" الجوالين لتنفيذ عمليات الموت الجوالة.
وفي ظل أوضاع غير طبيعية وفشل لعملية إعادة الاعمار لا
يثير الاستغراب أن تتوجه نساء متعلمات الى العمل خادمات في البيوت،
ويتسكع شباب ضائعون في الشوارع، بينما ينشأ جيل من "الحواسم" راح، في
آخر تجربة له مع معسكر أبو ناجي في العمارة، يقتلع حتى الكاشي.
فهل سأل مسؤول متنعم نفسه عن أسباب سرقة هذا الجيل
لكاشي أبو ناجي ؟ وما رأي صندوق النقد الدولي بهذه التجربة الفريدة من
زاوية احتمالات فائدتها في إطار التخلي عن دعم الأسعار وتحديد سقف لها
بهدف الاسراع نحو اقتصاد السوق !؟
ومن ناحية أخرى فان الصراع الذي يبرز ويتقدم، الآن،
طابعه السياسي سيتخذ، في المستقبل، طابعاً اجتماعياً أكثر تبلوراً
ووضوحاً حيث وجهة التناقض بين فوضى السوق وأحكامها العفوية وتبني مصالح
الشغيلة وذوي الدخل المحدود. وبتعبير آخر فانه صراع بين أولئك
المحتجّين، الذين يعانون، كل يوم، كوابيس الأرق، وأولئك المرتعبين من
الاحتجاج، والمحصّنين ضد الأرق. وعندما يتفاقم الصراع، وهو ما لابد أن
يحدث، تتغير المواقف والتوازنات والتحالفات. فهذا شأن الواقع المتحرك
.. شأن شجرة الحياة الخضراء لا شأن النظرية الرمادية !
وعلى أية حال فانه لمما يثير الأسى أن نجد "خفة" في
مناقشة البرلمان لمشاريع خطيرة بينها، على سبيل المثال، مشروع
الاستثمار الأجنبي، الذي "سُلِق" بعجالة تكشف، من ناحية، النمط القاصر
لمنهجية عمل البرلمان واستهانته بالأخصائيين وسائر المعنيين وإقصائهم
عن مناقشة قضايا الصراع الاجتماعي الأساسية التي تسهم في تقرير وجهة
تطور البلاد. وتكشف، من ناحية ثانية، عن سعي سياسيين لاظهار أنهم
حريصون على مصالح الشعب الذي يجب ان لا تستمر معاناته المريرة طويلاً.
وهو بالطبع من ذلك النمط من الحرص الذي يفضح الرياء السياسي واللهاث
وراء المغانم وعقلية الاستحواذ وإقصاء الآخر.
وهذا الوضع، الذي يتسم بخراب عظيم، بحاجة الى هزة
اجتماعية عظيمة وتحولات حقيقية وإعادة إعمار مادية وروحية شاملة، تبدأ
بمنهجية سياسية سليمة، بعيداً عن المحاصصات وعواقبها المدمرة، وتمر عبر
السعي الى إخراج البلاد من أزماتها، وتصل الى إنهاء معاناة الناس،
وإشراك ملايين النساء والرجال في بناء مستقبل هذه البلاد.
ومن نافل القول إنه تقع على عاتق القوى الديمقراطية،
حاملة مشعل التنوير والتقدم الحقيقي، مسؤولية عظمى في تطوير احتجاجات
الجياع والمحرومين السلمية والدفاع عن حقوقهم العادلة، وخلق حركة شعبية
والسير في طليعتها، وتقديم مثال جذاب على الروح المبادرة والنشاط
الدؤوب والمسؤول في مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية.
* * *
طفيليون جدد ينتشرون مثل نبت شيطاني .. ومحافظون جدد
يتحكمون بعراق جديد .. كل شيء جديد إذن .. غير أن المحن هي المهيمنة
والمؤبَّدة في بلاد المغيَّبات والمغيَّبين ..
نام المتنعّمون بالامتيازات والمنابر رغداً، تاركين
الكوابيس لأهل المعاناة ..
أكل هذا الخراب والظلام في بلاد ما بين النهرين !؟
يا لحياة العراقيين من مشقة !