الجواهري ودجلة الخير

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 19 يوليو 2015 - 11:34 صباحًا

foto9

يمثل الجواهري في ديوان الشعر العربي الحديث، أكبر عاصفة شعرية حملتها القصيدة العمودية طوال قرن كامل من الزمان، وعلى امتداد عمر الجواهري (1899-1997). أكثر من ثلاثة أرباع القرن العشرين وشعر الجواهري سجل حافل بكل الفورات السياسية والتقلبات الثورية في العراق، وفي الوطن العربي. والتحم شعر الجواهري بهذه الأحداث العنيفة مدّاً وجزراً ثباتا وتقلّبا، وأصبحت قصائده المواكبة لها منارات تضيء لعشاق الشعر والوطنية والقومية معا، الشعر في نموذجه العالي الذي تتردد من خلاله أصداء شعراء العربية الكبار: المعري والمتنبي وأبي تمام والبحتري والشريف الرضي وغيرهم من أصحاب القامات الكبرى، يحاذيهم الجواهري ولا يتخلّف عنهم، ويجاوزهم بمذاق العصر وفتنة المغايرة والقدرة الفذة على إبداع الصورة الشعرية في منمنماتها، وتنويعاتها الإيقاعية، ونَفَس شعري هو الأبعد مدى وغاية، بالنسبة لأقرانه الكبار من شعراء العصر: الزهاوي والرصافي في العراق، بدوي الجبل وعمر أبي ريشة في سوريا، الأخطل الصغير بشارة الخوري وأمين نخلة وسعيد عقل في لبنان وشوقي وحافظ ومطران في مصر.

وبقدر ما تغير بحر الشعر العربي، وتدفقت فيه موجات شعرية جديدة بدءا برواد الحداثة الشعرية في العراق: السياب ونازك والبياتي وبلند الحيدري، وحركات المد الرومانسي التي برزت منها في مصر جماعة الديوان وجماعة أبوللو ثم جاءت حركة الحداثة الشعرية في مصر مساوقة ومؤازرة لنظيرتها في العراق، تغير المشهد الشعري كله تغيرات قاطعة وحادة، ظل الجواهري صوت القصيدة العمودية الأكبر، خاصة بعد اختفاء بدوي الجبل وعمر أبي ريشة والأخطل الصغير والبردوني من هذا المشهد، وامتلائه بشعراء التفعيلة جيلا بعد جيل، وصولاً إلى قصيدة النثر.

هل جنت السياسة بتقلّباتها على الجواهري،حين تقلب معها – أحيانا من النقيض إلى النقيض – في داخل الوطن، وعبر المنافي: العربية والأوربية في باريس وبراغ ودمشق – التي دفن فيها في ختام اغترابه ومنفاه الطويل المرير -، أم أن ممارساته المتعاقبة للعمل الصحفي، وللنضال السياسي هي التي أكسبت شعره حرارته وتوتره ولغته الحادّة الواخزة، فجعلت منه شاعر الجماهير العراقية والعربية، يخرج من السجن ليدخله من جديد، وتصادر صحيفته ليصدر أخرى بعد قليل، وقدّر لشعره أن يتلوّن بنزف جراح النضال والحرية، وأن يتشكّل دوماً باحثاً عن فضاء أرحب، وأفق لا يُظل ظلما ولا طاغية.

قصيدة الجواهري بنيان ضخم، أبهاؤه تتردد فيها أصوات تذكّرنا بهتفات الشعر العربي في تجلياته العظيمة، ذابت في صوت الشاعر، وحملت سمته وملامحه، وسكب فيها من عُرامه وعنفوانه وحُميّاه، من فتوّته وعناده الصخري وكبريائه، وجذور يقينه الضاربة في أديم (النجف الأشرف) في العراق، وثقته في قدرته على الوفاء بمطلب الجماهير في الشعر، حين تلتفت إليه الأعناق مع كلّ حادث يحدث، أو مهرجان يقام.

في هذا البنيان الضخم، لن نفتقد النفس الشعري الممتد، تتقطع أنفاسنانحن قرّاءه ومستقبليه – وهو في كامل توهجه واقتداره. ولن نفتقد القافية المحكمة التي لا نشكّ في أنها خُلقت لتسكن هذا البيت من القصيدة. ولن نفتقد هجومه الكاسح على شاغل القصيدة ومفجّرها في وجدانه، ليعتصره من كل زواياه وأطرافه، وليستصفي أنضر ما يقذف به منجمه المتخمّر، وأفتك ما يتفجّر به بركانه الثوّار بحُمم الشعر وشظاياه الحارقة.

وأشدّ ما يفجّر الأسى في قصة الجواهري التراجيدية، صوته بعيداً عن دوالّ عشقه ورموزه الباقية في العراق ودجلة والفرات وبغداد والنجف، والأهل والصحب، ورائحة الشوارع وظلال البيوت ومذاق الهجير والزمهرير.

هذا العشق الذي تجسّده واحدة من روائعه وآثاره الشعرية الباقية، هي قصيدته (يا دجلة الخير) التي يقول ديوانه إنها نظمت في شتاء عام 1962، وكان الشاعر يمر بأزمة نفسية حادة، إثر اضطراره إلى مغادرة العراق هو وعائلته، والإقامة في مغتربه في تشيكوسلوفاكيا، وكان ذلك في صيف 1961. نشر قسم منها لأول مرة في جريدة المستقبل في فبراير 1963 بعنوان: رائعة جديدة للجواهري (يا دجلة الخير) وقالت الجريدة في تقديمها:

رائعة الجواهري الجديدة جاءت كمعظم روائعه الشعرية فريدة ممتازة شامخة الذرى، تلمس فيها الطبيعة الإنسانية في ثورتها وهدوئها، في آلامها وأفراحها، في تحرّقها وحنينها إلى ما تصبو وإلى ما حرمت منه بسبب من الأسباب.

إنك تلمس في هذه الأبيات المتلاحمة شوق الجواهري إلى وطنه. إلى دجلته، وإلى ضفافها واصطفاق أمواجها، وتحسّ خلال استعراضك للقصيدة كيف يتصل الجواهري بألف سبب وسبب بما في هذا الشعب العظيم وبحاضره ومستقبله.

imagesWJG014ZN

يقول الجواهري :

حيّيتُ سفْحكِ عن بعدٍ، فحيّيني يا دجلة الخير، يا أمَّ البساتينِ
حيّيْتُ سفحكِ ظمآناً ألوذُ به لوْذَ الحمائم بين الماءِ والطينِ
يا دجلةَ الخير يا نبْعاً أفارقُهُ على الكراهةِ بين الحين والحينِ
إنّي وردْتُ عيون الماءِ صافيةً نبْعاً فنبْعاً، فما كانت لترويني
وأنت يا قارباً تلْوي الرياحُ بهِ ليَّ النسائمِ أطرافَ الأفانينِ(1)
وددْتُ ذاك الشراع الرّخصَ لو كفني(2) يُحاكُ منه، غداة البيْنِ، يطويني
يا دجلة الخير: قد هانت مطامحُنا حتى لأَدنى طِماحٍ غيرُ مضمونِ
أتضمنين مقيلاً لي سواسيةً بين الحشائشْ أو بين الرياحينِ
خِلْواً من الهمِّ إلا همَّ خافقةٍ بين الجوانح أعنيها وتعْنيني
تهزّني فأجاريها فتدفعُني كالريح تُعْجلُ في دفع الطواحينِ
يا دجلة الخير: يا أطياف ساحرةٍ يا خمر خابيةٍ في ظلّ عُرجونِ(3)
يا سكْتَةَ الموتِ، يا أطيافَ ساحرةٍ يا خنْجَر الغدر، يا أغصان زيتونِ
يا أمّ بغدادَ، من ظَرْفٍ ومن غَنجٍ متى التبغْددُ حتى في الدهاقينِ(4)
يا أمّ تلك التي من (ألف ليلتها) للآنَ يعبقُ عطرٌ في التلاحينِ
يا مُسْتجمَّ (النواسيّ) الذي لبستْ(5) به الحضارة ثوباً وشْيَ (هارون)(6)
الغاسلِ الهمّ في ثغرٍ وفي حَببٍ والمُلْبسِ العقْلَ أزياءَ المجانينِ
والسّاحبِ الزقّ يأباهُ ويُكرِههُ(7) والمُنْفقِ اليوْمَ يُفْدَى بالثلاثينِ(8)
والرّاهنِ السّابريَّ الخزّ في قَدحٍ(9) والمُلهمِ الفن من لهوٍ أفانينِ
والمُسمعِ الدّهرَ والدنيا وساكنَها قرْعَ النواقيسِ في عيد الشّعانينِ(10)

* * *  

يا دجلةَ الخير: ما يُغْليكِ من حَنقٍ يُغلي فؤادي، وما يُشجيكِ يُشجيني
ما إن تزالُ سياطُ البغْى ناقعةً في مائكِ الطُهرِ بين الحين والحينِ
ووالغاتٌ خيولُ البغْيِ مُصبحةً على القُرى – آمناتٍ – والدهاقينِ
يا دجْلَة الخير: أدري بالذي طَفحتْ به مجاريك من فوقٍ إلى دُونِ
أدري على أيّ قيثارٍ قد انفجرتْ أنغامُكِ السمّرُ عن أناتِ محزونِ
أدري بأنك من ألفٍ مَضَتْ هَدراً للآنَ تهزْينَ من حكمِ السلاطين
تَهزين أنْ لم تَزَلْ في الشرق شاردةً(11) من النواويس أرواحُ الفراعينِ(12)
تهزين من خِصْب جنّاتٍ مُنثرةٍ على الضفافِ ومن بُؤسِ الملايينِ
تهزيْنَ من عُتقاءٍ يوم ملحمةٍ(13) أضفوْا دروع مطاعيمٍ مطاعينِ
الضارعين لأقدارٍ تحِلُّ بهمْ كما تلوّى ببطن الحوت ذو النونِ
يروْن سود الرزايا في حقيقتها ويفزعون إلى حدْسٍ وتخمينِ
والخائفين اجتداع الفقر مالهمو والمُفضلينَ عليه جَدْعَ عِرْنينِ(14)
واللائذين بدعوى الصبر مَجْبنةً مستعصمين بحبْلٍ منه موهونِ
والصبرُ ما انفكّ مرداةً لمحتربٍ(15) ومستميتٍ، ومنجاةً لمسكينِ
يا دجلةَ الخير: والدنيا مفارقةٌ وأيّ شرٍّ بخيرٍ غيرُ مقرونِ
وأيُّ خيْرٍ بلا شرٍّ يُلقّحهُ طهْرُ الملائكِ من رجْسِ الشياطينِ
يا دجلةَ الخير: كم من كنْز موهبةٍ لديْكِ في (القُمْقُمِ) المسحور مخزون
لعلّ يوماً عصُوفاً جارفاً عرساً آت فترضيك عقبان وتُرضيني
يا دجلةَ الخير: إن الشعر هدهدةٌ للسمع، ما بين ترخيمٍ وتنوين
عفْواً يردّد في رَفْهٍ وفي عَللٍ لحن الحياة رخيّاً غَيْرَ ملحونِ
يا دجلة الخير: كان الشعر مُذْ رسمتْ كفّ الطبيعةِ لوْحاً (سفرَ تكوينِ)
يا دجلة الخير: لم نصحبْ لمسْكنةٍ لكنْ لنلْمِسَ أوجاعَ المساكينِ
هذى الخلائقُ أسفارٌ مُجسّدةٌ المُلهمونَ عليها كالعناوينِ
إذا دجا الخطْبُ شعَت في ضمائرهم أضواءُ حرْفٍ بليل البؤسِ مرهونِ
دَيْنٌ لزامٌ، ومحسودٌ بِنِعمتهِ من راح منهم خليصاً غير مديونِ

* * *  

يا دجلةَ الخير: هلا بعض عارفةٍ(16) تُسدى إليَّ على بُعدٍ فَتجْزيني
يا دجلةَ الخير: منّيني بعاطفةٍ وألهميني سُلواناً يُسلّيني
يا دجلةَ الخير: من كلّ الاُلى خبروا بلوايَ لم أُلْفِ حتّى مَنْ يُواسيني
يا دجلةَ الخير: خلِّي الموج مُرتفعاً طيفاً يمرُّ وإن بعْضَ الأحايينِ
وحمّليه بحيثُ الثلجُ يغمُرني دفْءَ (الكوانينِ) أو عطر (التشارين)(17)
يا دجلةَ الخير: يا مَن ظلَّ طائفُها عن كلّ ما جلت الأحلامُ يُلهيني
لو تعلمين بأطيافي ووحشتها وددّتِ مثلي لو أنّ النوْمَ يجفوني
يا دجلةَ الخير: خلّيني وما قَسمت لي المقاديرَ من لدْغِ الثعابينِ

          ويرحل الجواهري عن عالمنا، ولاتزال دجلةَ تشكو الأسْر والقهر والقيود، ولاتزال تغلي بالحنق الذي استثار غضب الشاعر وشجونه، ولاتزال سياط البغي ناقعه في مائها الطاهر، وخيول البغْي والغة على القرى الآمنة، ولاتزال دجلةَ تصغى لأوجاع المساكين، والليل المرهون بالبؤس. ولايزال جرحها ينزف، وشاعرها في الملأ الأعلى تطل روحه على بغداد وأمّ بغداد، فتــرتدّ جازعة مـــــن رجـــــس الشياطين، مفتقدةً طهر الملائك، متطلعة إلى يومٍ عصوف جارف عرم، يطيح بكلّ الذي تشكو منه وتعانيه، لعلّها ترضى عقباه وتغني لحن الحياة، وستظل في أسماعنا وأعماق وجداناتنا – نحن الحالمين بدجلة الخير وبغداد العدل والحرية – نداءاتُ الجواهري وهتفاته الشجية وهو يردد في مستهلّ العديد من أبيات قصيدته: (يا دجلة الخير) فهل آن أوان إجابة هذا النداء?

(1) الأفانين والأفنان: الأغصان. (2) الرّخص: الناعم. (3) الخابية: وعاء من الفخار يُعتّق فيه الشراب. العرجون: عذْق النخل إذا يبس واعوجّ. (4) التبغدد: تقليد أهل بغداد ومحاكاتهم في عاداتهم وتحضّرهم. الدهاقين: جمع دهقان: رئيس المدينة أو القرية (فارسية معرّبة). (5) النواسي: أبو نواس. (6) هارون: هارون الرشيد. (7) الزق: وعاء من الجلد يتخذ للماء والخمر. (8) بالثلاثين أي بالثلاثين يوما مجموع أيام الشهر. (9) في هذا البيت إشارة إلى قول أبي نواس من قصيدة له وقد رهن ثيابه الثمينة كلها ومن بينها خلع العباسيين عليه. (10) عيد الشعانين: من أعياد النصارى. (11) تهزيْن: تهزئين (بتسهيل الهمزة). (12) النواويس: التوابيت. (13) العتقاء: من يؤسرون ثم يطلق سراحهم. (14) جدع عرنين: يقال جُدع عرنينه أي قُطع أنفه. (15) مرداة: مهلكة. (16) العارفة: الفضل والإحسان. (17) الكوانين: جمع كانون وهو الموقد.
والتشارين: جمع (تشرين) وهو اسم لشهرين من شهور السنة السّريانية: تشرين الأول وهـو أكتوبر وتشرين الثاني وهو نوفمبر

 foto13

فاروق شوشة

مجلة العربي الكويتية العدد 522 بتاريخ ايار/مايو 2002

رابط مختصر