مقــاله عن الفنان التشكيلي سالفادور دالي ورحله بسيطه بين لوحاته الجميله

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 11 يوليو 2015 - 8:44 مساءً

IMG576-1212164866

كان سالفادور دالي بدون منازع الفنان الحديث الأكثر تطابقاً مع فنه, بل ومع ذاته أيضاً. فهو من جهة الفنان الوحيد الذي تبنى السريالية لا كمحطة عارضة من محطات تطوره الفني, ولكن كمسار فني من البداية إلى النهاية لا يحيد عنه قيد أنملة, وكمنهج للسلوك والحياة والتفكير. ففنه هو فن المبالغة والتطرف والاستفزاز الدائم. فرض دالي نفسه في وقت مبكر من حياته باعتباره كائناً مستفزاً استفزازاً جوهرياً. إنها أشبه بطبيعة فطر عليها وطريقة لتوكيد الذات واستنفار الحواس ورد الفعل على العالم الخارجي. ومع ذلك فقد كان دالي في صباه طفلاً خجولاً وغامضاً, غير أنه ما لبث أن تغير بالتدريج ليستقر على حاله المعروفة باعتباره كائناً مختلفاً عن الآخرين يرغب في أن يكون نموذجاً فريداً, ربما ليمحو ذكرى شقيقه البكر الذي توفي صغيراً وأخذ هو مكانه.كان في المدرسة طفلاً رهوباً يخاف الجراد الذي يرميه به زملاؤه في المدرسة, معروفاً بالضعف والوجل. وفي مدرسة الفنون الجميلة بمدريد, وبعد عزلة قصيرة فرضها على نفسه انفتح على الآخرين. وفي هذه الفترة بالضبط كان مظهره المتميز, بشعره المنسدل ومشيته المتدللة وعباءته الطويلة والمعقفة في اليد, يجعل منه شخصاً من نوع خاص. غير أن الموهبة الكبرى التي أبان عنها في الرسم والتشكيل والمعرفة العميقة بالأعمال الفنية وتاريخ الفن جعلت منه مبشراً بدالي الذي سيعرفه العالم في ما بعد. ومع شلة من أصدقائه كلويس بونويل وغارسيا لوركا, سوف يجد نفسه مندمجاً في تصور رافض للعالم والواقع, وهو ما كان يتآلف حينها مع المذاهب الفنية السائدة كالدادائية والمستقبلية و التكعيبية. لكن من اللازم انتظار ظهور سيدة حياته “غالا” كي يكشف دالي الحقيقي عن نفسه. إن المظهر الغرائبي الذي بدا به دالي ليس جديداً في حياته, فقد سعى دائماً إلى أن يظل ذلك الشخص المتطرف الأفعال والأقوال. من ذلك مثلا أنه سنة 1929 أثار حركة شغب في المدرسة احتجاجاً منه على عدم أهلية أستاذه في تنقيطه. فتطرده لمدة سنة. كما اتهم أيضاً بعدها بإحراق العلم الوطني وقضى في السجن 35 يوماً لأسباب سياسية أكيدة. وفي سنة 1926 طُرد من الأكاديمية لأنه احتج على تعيين أحد الأساتذة, ضارباً عرض الحائط بطموح أبيه أن يراه يوماً ما مدرساً. وهكذا تحول الشاب الخجول تدريجاً إلى مؤمن بالرفض الدائم, فلم يلبث سنة 1939 أن وقف في وجه أندريه بروتون رائد المجموعة السريالية, فطرد منها نهائياً. وكأن حياته كلها هو أن يكون محتجاً ومشاغباً وفضائحياً باستمرار وبمبالغة تامة. أفليس هو القائل “إن الشيء الوحيد في العالم الذي لن يمل منه الناس هو المبالغة”؟ ومع التجربة والوقت أصبح دالي ظاهرة مكتملة المعالم, إذ غدا شخصية ممسرحة تطلق النظريات, يعشق المال إلى حد الجنون, ويصاحب النبلاء بشكل يمكن القول معه إنه ظل دائماً صاحب المفارقات الغريبة الذي اعتبر نفسه دائماً السريالي الوحيد والحقيقي في العالم. بل إن رغبته في الخلود بعنادها جعلت منه رجلاً ذا معرفة كبرى واهتمام بالغ بالفكر والثقافة إذ عرف كيف يمزج كل ذلك في شخصيته الفذة ليبلغ رسالته القائلة: “بتحويل اللامرئي إلى مرئي, باعتباره الوجه الآخر لنا وللكون”. مفارقات سريالية بدأ دالي حياته الفنية في سن مبكرة. ففي سن الثالثة عشرة كان يعتبر نفسه انطباعياً, أي رساماً مضاداً للمنزع الأكاديمي وثورياً في المطلق. ولكي يجدد في هذا التيار, ابتكر دالي لنفسه أداة تمكنه من التوصل إلى الأثر الانطباعي. وبفضل التربية الليبرالية التي تلقاها, استطاع في مقتبل عمره أن يطلع على روائع فن عصر النهضة وفناني الطليعة أيضاً في عصره من مستقبليين وتكعيبيين وغيرهم. وفي مرحلة الشباب بدأ دالي باستكشاف الفن الحديث إذ كان مولعاً باستنساخ الفنانين الكبار التكعيبيين والمستقبليين. كان بالغ الإعجاب ببيكاسو وشيريكو وخوان غريس. غير أن هذه التأثرات لن تستمر طويلاً في حياة دالي, هو الذي أعلن بأن “كل شيء يؤثر فيه ولا شيء يغير منه شيئاً”. فمع اللوحات الأولى في العشرينات التي تتطرق لنساء في الشرفات, سوف يتأكد الأسلوب الشخصي للفنان. وعلى رغم خجله الملازم له, ستطبع صداقته بغارسيا لوركا والسينمائي لويس بونويل حياته. فكان إعدام الأول سنة 1934 تأبيداً لعلاقة دالي بالموت, التي جعلته يفقد الكثيرين من حوله بدءاً من شقيقه الأكبر الذي وافاه الأجل قبل ولادته بتسعة أشهر فقط وكان محط حب العائلة, والذي كان يسمى أيضاً سلفادور, مروراً بوفاة أمه سنة 1921 وانتحار صديقه الشاعر السريالي روني كروفيل. أما مع بونويل فسوف يشارك الفنان في فيلمي: الكلب الأندلسي (1928) والعصر الذهبي (1930), قبل أن يدب الشقاق بينهما. يشكل عقد الثلاثينات منعطفاً في حياة دالي. فقد بدأ الثنائي دالي وغالا, التي التقاها في إحدى السهرات لدى بونويل فهام بها هياماً, يبنيان صرح الفضاء الملائم للتطور الفني للفنان الشاب. وهكذا وجد دالي نفسه يؤكد حضوره في المجموعة السريالية كي يغدو في نهاية المطاف الفاعل الألمع فيها. فقد أكد نفسه في الساحة الإعلامية, سارقاً من الفنانين الآخرين الشهرة والنجومية كلما ظهر للجمهور. ثم تحول إلى شخصية إعلامية خارج المعتاد إلى حد الاستفزاز. وبدأ دالي يطلق الشعارات الفنية الواحد تلو الآخر سائراً ضد التيار. ففي بداية الثلاثينات مثلاً أطلق الشعار التالي: انتهى عهد الفن الزنجي الذي نادى به بيكاسو وبعض السرياليين, ولتعش الأشياء المنحطة الأوروبية للأسلوب المعاصر. وطفق نشاطه الفني يتسارع ويتكثف مع السنوات. فقد شارك في أول معرض سريالي بنيويورك سنة 1932, ثم نشر قصائد شعرية وكتب سيناريوات أفلام. أدت بدالي دراسة أحد أعمال جان فرانسوا ميييه في بداية الثلاثينات إلى نوع من الرهاب حيث أثارت فيه أحاسيس هوسية لها علاقة بالإروسية والموت. ثم بدأت تصاوير رفيقته غالا تفرض عليه نفسها حتى نهاية حياته. ومع بداية سنة 1934 سيدخل دالي في الخلاف مع السرياليين بسبب مواقفه الملتبسة من هتلر وتقربه من الملكية الإسبانية, غير أن ذلك لم يمنعه من المشاركة معهم في المعرض الدولي للسريالية بفرنسا. وبما أن دالي غدا مشهوراً بالولايات المتحدة فقد هاجر إليها مع اندلاع الحرب العالمية الثانية ليستقر بها. وهو الأمر الذي كان الفرصة للقطيعة النهائية مع السرياليين. وهناك بدأ اهتمامه يتجه بالأساس إلى فن عصر النهضة وبدأ يتبنى توجهاً مناهضاً لما يقول به أصدقاء الأمس. وأنجز بورتريهات رسمية للنبالة. وفي هذه الفترة أيضاً أصدر دالي سيرته الذاتية الأولى المليئة بالأخبار الممزوجة بالخيال عن حياته وطفولته, والتي تؤكد الأسطورة الشخصية التي بناها حول نفسه. ومع انفجار القنبلة الذرية, وما تركته من آثار في نفسه, ستبدأ المرحلة الذرية المبنية على التجزيء وعلى التعمق في العلوم الرياضية والفيزيائية. غير أنها لن تدوم طويلاً, مع عودة دالي وغالا إلى أوروبا سنة 1949. دالي اليتيم إذا كانت المجموعة السريالية في الفنون البصرية قد تشكلت منذ أواسط العشرينات من القرن العشرين من فنانين كبار كالألماني ماكس إرنست, والفرنسي جان آرب, والمصور الفوتوغرافي والتشكيلي مان راي والفرنسي أندريه ماسون والإسباني خوان ميرو, فإن دالي كان أحد الوافدين المتأخرين عليه مع الفنان البلجيكي ماغريت, والسويسري جياكوميتي, سنة 1930. ولعل إحدى الطرائق التي نهضت عليه رؤيته التشكيلية السريالية تتمثل لا في الكتابة الآلية على طريقة أندريه ماسون وإنما في ما سماه بنفسه “البارانويا النقدية” التي تتمثل في الموضعة المنهجية للتداعيات والتأويلات الهذيانية. وكانت المعرفة الكبرى التي امتلكها دالي بالفرويدية والتحليل النفسي وسيلة فاعلة في تطوير امتلاكه للتقنية التشكيلية. ففي كتابه الصادر سنة 1948 “خمسون سراً سحرياً” كما في كتبه اللاحقة ومقالاته ومحاضراته المتعددة, سيكشف دالي عن التقنيات المختلفة التي يستعملها. ومع ذلك, وعلى رغم هذا الهوس في التجديد فإنه ظل يعتبر أن تجاوز الكلاسيكية لا يمكنه أن يتم من غير تملكها وتبني مرجعيتها. وليس من قبيل الصدفة أن يكون هذا الطابع الكلاسيكي هو الذي جعله يهاجم التجريدية, بل وينحو في الخمسينات نحو ضرب من التصوف الذري سرت به نحو الموضوعات السماوية والنورانية والابتكارات الموضوعاتية التي تلاحقت حتى الستينات, ممهورة بالاهتمامات الكبرى بالعلوم وتطوراتها. وربما كانت الستينات مرحلة متميزة أيضاً في حياة دالي, فخلالها أصدر تجربته مع لوحة مييه المذكورة, وبالأخص “مذكرات عبقري”, إضافة إلى العديد من الأعمال التي يمكن اعتبارها حصيلة التجارب التقنية التي امتدت على مسار أربعين سنة. ونذكر منها خصوصاً: “صيد التونة” (1966-1967) ومصارع الثيران المهلوس (1769-1970) حيث تظهر مهاراته التقنية وبخاصة الوهم البصري والمزج بين السريالية والبوي آرت والتنقيطية وفن التحليل النفسي. ربما كان الهوس الميتافيزيقي الذي اتخذه الفنان مطية جموحة لذاتيته هو ما جعله أصيلاً في استكشاف أغوار الذات بكل عناصرها الفظيعة, ولطم مؤخرة الأب السياسي كما يقول رولان بارث, واعتبار العالم كيانا غير سوي يلزم إعادة ترتيب عناصره. فسريالية دالي حدّية, بالمعنى الذي تغدو فيه حياته ولوحاته وكل العناصر التي حولها إلى فن أشبه بالهاوية التي تنتصب بالمفارقة سماء للقلق الوجودي الصاخب.
رابط مختصر